تطورات الحرب الإيرانية
فرع القاهرة

يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حدة التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تعد من أكثر المناطق حساسية وتأثيراً في التوازنات الدولية. وتبرز الأزمة المرتبطة بالمواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما من جهة أخرى باعتبارها إحدى القضايا الاستراتيجية المعقدة التي تحمل أبعاداً سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة. فقد كشفت التطورات الأخيرة أن التقديرات الاستراتيجية الأولية لنتائج العمليات العسكرية لم تكن دقيقة بالكامل، الأمر الذي دفع الأطراف المعنية إلى مراجعة حساباتها وإعادة صياغة استراتيجياتها بما يتلاءم مع الواقع الميداني المتغير. وتزداد أهمية هذه الأزمة بالنظر إلى طبيعة التحالفات الدولية التي تشكلت حولها، والدور الذي تلعبه القوى الإقليمية، إضافة إلى انعكاساتها المباشرة على استقرار منطقة الخليج ومستقبل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط. ويهدف هذا التقرير إلى تحليل أبرز ملامح التحولات في الاستراتيجية العسكرية والسياسية المرتبطة بالصراع مع إيران، مع التركيز على طبيعة التحالف الدولي المتشكل، ودور القوى المحلية والإقليمية، وتأثير ذلك على مسار الحرب واحتمالات تطورها في المستقبل القريب.

التحالف الدولي والتحول الاستراتيجي

تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن الدوائر الاستراتيجية في الولايات المتحدة وإسرائيل اضطرت إلى إعادة تقييم تقديراتها المسبقة بشأن مسار العمليات العسكرية ضد إيران. ففي بداية الأزمة بدا أن العمليات العسكرية قد تقتصر على تحركات محدودة أو ضربات دقيقة تحقق أهدافاً سريعة، إلا أن التطورات اللاحقة كشفت عن حاجة واضحة إلى توسيع نطاق المشاركة الدولية في المواجهة. وقد تجلى ذلك في تحرك حلف شمال الأطلسي بصورة أكثر وضوحاً، على الرغم من التحفظات التي أبدتها بعض الدول الأعضاء مثل إسبانيا في المراحل الأولى.

غير أن المؤشرات اللاحقة، بما في ذلك إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأمين العام لحلف الناتو، عكست تحولاً في موقف الحلف نحو دعم العمليات العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد ظهر ذلك من خلال انتشار قطع بحرية فرنسية وبريطانية وإسبانية في المنطقة، إلى جانب وجود عسكري أسترالي، الأمر الذي يعكس ملامح تشكيل تحالف دولي واسع النطاق يهدف إلى ممارسة ضغط عسكري متزايد على إيران.

كما تشير هذه التطورات إلى أن المخزون العسكري من الصواريخ والقدرات الهجومية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم التصريحات الرسمية التي تؤكد كفايته، قد يكون عرضة للاستنزاف في حال استمرار العمليات لفترة أطول من المتوقع. ومن ثم فإن السعي إلى إشراك دول أخرى في العمليات لا يقتصر على البعد السياسي للتحالفات الدولية، بل يرتبط أيضاً باعتبارات عسكرية ولوجستية تتعلق بإدامة القدرة القتالية على المدى المتوسط والطويل.

ومن منظور استراتيجي أوسع، فإن مشاركة هذه الدول، حتى وإن جاءت في إطار دفاعي مثل اعتراض الصواريخ أو حماية الملاحة، تعد مشاركة فعلية في العمليات العسكرية. إذ إن إسقاط الصواريخ الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل أو إلى دول أخرى في المنطقة يعني عملياً انخراط هذه الدول في منظومة الصراع، وهو ما يوسع نطاق المواجهة ويحولها من نزاع ثنائي إلى صراع متعدد الأطراف.

العامل الكردي في الاستراتيجية الأمريكية

في إطار سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توسيع نطاق الضغط على إيران، برزت محاولة توظيف العامل الكردي كأداة استراتيجية يمكن أن تسهم في إضعاف النظام الإيراني من الداخل. فقد أجرى الرئيس الأمريكي اتصالات مع قيادات كردية بارزة في شمال العراق، من بينها زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المسيطر على مدينة السليمانية، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يسيطر على مناطق واسعة من إقليم كردستان العراق، إضافة إلى التواصل مع قيادات في الفصائل الكردية الإيرانية المعارضة الموجودة في المنطقة نفسها.

وكان الهدف الأساسي من هذه الاتصالات هو محاولة إقناع قوات البيشمركة التابعة للأحزاب الكردية العراقية بالمشاركة في عمليات برية ضد إيران، وهو ما كان من شأنه أن يفتح جبهة جديدة تضغط على النظام الإيراني من الحدود الغربية. إلا أن القيادات الكردية العراقية رفضت هذا المقترح، وذلك لأسباب متعددة تتعلق بطبيعة التوازنات السياسية والأمنية داخل العراق، فضلاً عن المخاوف من ردود فعل الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بالحشد الشعبي، إضافة إلى الحرص على الحفاظ على المكاسب السياسية والاقتصادية التي حققها إقليم كردستان خلال السنوات الماضية.

وبعد هذا الرفض، اتجه التركيز الأمريكي والإسرائيلي نحو الفصائل الكردية الإيرانية المعارضة. وتشير بعض التقديرات إلى أن إسرائيل عملت منذ بداية الحديث عن ضرب إيران على توحيد عدة فصائل كردية إيرانية في إطار تنسيقي واحد، مستفيدة من العلاقات التاريخية التي تربط أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بعدد من القوى الكردية في المنطقة.

غير أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع. فالمجتمع الكردي داخل إيران ليس كتلة متجانسة سياسياً أو مذهبياً، إذ إن نسبة كبيرة من الأكراد في بعض المحافظات مثل كرمانشاه تنتمي إلى الأكراد الفيليين الذين يتبعون المذهب الشيعي الاثني عشري ويلتزمون بمبدأ ولاية الفقيه، وهو ما يقلل من احتمالات انخراطهم في تحركات انفصالية أو معارضة مسلحة ضد النظام الإيراني.

إضافة إلى ذلك، فإن تركيا ترفض بشدة أي مشروع قد يؤدي إلى إنشاء كيان كردي مستقل في المناطق الحدودية مع إيران، نظراً لما قد يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمنها القومي وإمكانية امتداد النزعة الانفصالية إلى الأكراد داخل الأراضي التركية. كما أن أحد أبرز الفصائل الكردية المرتبطة بهذه التحركات يرتبط بحزب العمال الكردستاني الذي سبق للولايات المتحدة نفسها أن صنفته تنظيماً إرهابياً، وهو ما يخلق تناقضاً واضحاً في السياسة الأمريكية تجاه هذه القضية.

المعارضة الداخلية وأدوات الأمن الإيراني

تمثل المعارضة الداخلية أحد العوامل التي حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل استثمارها في إطار استراتيجية الضغط على النظام الإيراني. فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في بعض مظاهر الاحتجاج والمعارضة داخل إيران، وهو ما دفع بعض الدوائر الغربية إلى الاعتقاد بأن الحرب الخارجية قد تفتح المجال أمام اضطرابات داخلية يمكن أن تسهم في إضعاف النظام أو حتى إسقاطه.

غير أن رد فعل السلطات الإيرانية في بداية العمليات العسكرية اتسم بقدر كبير من التشدد، حيث تم اعتقال عدد من القيادات السياسية المعتدلة التي أبدت في وقت سابق دعماً للنظام في مواجهة الضربات الخارجية. وقد اعتبر بعض المراقبين أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لأنها قد تزيد من حالة الاحتقان الداخلي في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تعزيز التماسك الوطني في مواجهة التهديدات الخارجية.

وفي الوقت نفسه، استهدفت بعض الضربات العسكرية مراكز الشرطة والمخازن الأمنية والمعسكرات التابعة لها، في محاولة لخلق فراغ أمني يمكن أن تستغله مجموعات معارضة للحصول على السلاح وتنظيم عمليات ضد النظام من الداخل. إلا أن هذه الحسابات تتجاهل الدور الكبير الذي تلعبه قوات الباسيج، وهي قوة شبه عسكرية تنتشر في مختلف المدن والقرى الإيرانية وتعمل كأحد أهم أدوات الضبط الاجتماعي والأمني داخل البلاد.

وتشير طبيعة انتشار هذه القوات إلى أن النظام الإيراني يمتلك شبكة واسعة من آليات السيطرة الداخلية التي تمكنه من احتواء أي اضطرابات محتملة. ولذلك فإن الرهان على اندلاع انتفاضة داخلية واسعة نتيجة الضربات العسكرية الخارجية قد لا يكون واقعياً بالقدر الذي تتوقعه بعض الدوائر الغربية.

كما أن قدرة النظام الإيراني على تعبئة الخطاب القومي والديني في مواجهة التهديدات الخارجية قد تسهم في تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من تقويضه، وهو ما حدث في مراحل سابقة من تاريخ الصراعات التي خاضتها إيران.

انعكاسات الحرب على أمن الخليج 

أدت الضربات الصاروخية التي استهدفت بعض دول الخليج إلى إحداث تحول ملحوظ في طبيعة المواقف الإقليمية تجاه إيران. فهذه الهجمات، خاصة عندما طالت أهدافاً مدنية وألحقت أضراراً اقتصادية، خلقت حالة من القلق العميق لدى دول الخليج بشأن أمنها القومي وقدرتها على مواجهة التهديدات الصاروخية.

وقد انعكس ذلك في توجه متزايد نحو تعزيز القدرات الدفاعية، خصوصاً في مجال أنظمة الدفاع الجوي. وتشير التقارير إلى أن بعض الدول الخليجية، مثل الإمارات العربية المتحدة، تمكنت من اعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ التي أطلقت باتجاهها، وهو ما يعكس تطوراً ملحوظاً في قدراتها الدفاعية. ومع ذلك، فإن هذه التجربة دفعت دول الخليج إلى التفكير في إعادة بناء منظوماتها الدفاعية بصورة أكثر شمولاً، بما في ذلك تطوير شبكات الإنذار المبكر وتعزيز التعاون العسكري المشترك.

ومن المرجح أن تشهد السنوات المقبلة خطوات أكثر تقدماً نحو إنشاء منظومة دفاع جوي إقليمية مشتركة، وهو ما قد يسهم في تعزيز مستوى التنسيق العسكري بين دول الخليج ويغير من طبيعة التوازنات الأمنية في المنطقة.

كما أن هذه التطورات قد تؤثر على العلاقات الاقتصادية بين إيران ودول الخليج، خاصة أن بعض هذه الدول كانت تلعب دوراً مهماً في توفير قنوات اقتصادية وتجارية تساعد إيران على التخفيف من آثار العقوبات الدولية. ومع تصاعد التوترات العسكرية، قد تتراجع هذه العلاقات بصورة ملحوظة، وهو ما قد يزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران في المدى المتوسط.

خاتماً في ضوء المعطيات السابقة يمكن القول إن الصراع الدائر حول إيران يمثل نموذجاً معقداً للتفاعلات الاستراتيجية في النظام الدولي المعاصر، حيث تتداخل فيه العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية بصورة تجعل من الصعب التنبؤ بمساره النهائي. فقد كشفت التطورات الأخيرة عن أن الحرب قد تستمر لفترة أطول مما كان متوقعاً في البداية، وربما تمتد لعدة أشهر مع احتمال توسع نطاقها لتشمل أهدافاً اقتصادية إلى جانب الأهداف العسكرية.

كما أن الاستراتيجيات التي تعتمد على توظيف القوى المحلية أو استثمار التوترات الداخلية قد تواجه حدوداً واضحة في ظل تعقيدات الواقع الاجتماعي والسياسي داخل إيران. وفي المقابل، فإن استمرار الضربات المتبادلة قد يدفع الأطراف المختلفة إلى البحث عن مخرج سياسي يحقق الحد الأدنى من المكاسب لكل طرف.

وفي هذا السياق تبرز أهمية ما يردده العديد من منظري العلاقات الدولية بأن السياسة هي فن الممكن وأقصى الممكن، أي القدرة على تحقيق أفضل النتائج الممكنة في ظل موازين القوى القائمة. ولذلك فإن مستقبل هذه الأزمة قد يتحدد في نهاية المطاف بمدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق التسوية السياسية التي تأخذ في الاعتبار المصالح الاستراتيجية لجميع الأطراف.

 

المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

الكاتب : د. محمد مجاهد الزيات

التاريخ : 7/3/2026

---------------------------------------------------------------------------------

المصدرصحيفة اليوم السابع

الكاتب : إسماعيل رفعت

التاريخ : 7/3/2026


المقالات الأخيرة