كيف يدفع العجز الديمغرافي إلى تباين سياسات الهجرة الاوروبية؟
فرع بنغازي

تزداد الأزمة الديمغرافية في بعض الدول الأوروبية تعقيداً، مع استمرار انخفاض معدلات المواليد، وتسارع وتيرة شيخوخة السكان، بالتوازي مع ارتفاع نسب الإعالة، وتقلص حجم سوق العمل؛ وهي عوامل مجتمعة تشكل تهديداً للتنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي في القارة. وتختلف الدول الأوروبية في درجة تأثرها بهذه التحديات، الأمر الذي انعكس على تباين سياساتها تجاه الهجرة باعتبارها ركيزة مهمة للاستقرار الديمغرافي؛ وذلك بين دول سمحت بانفتاح نسبي في استقبال المهاجرين وتقنين أوضاعهم، وأخرى عززت نمط "الهجرة الانتقائية"، وثالثة واصلت تشديد قيودها على الهجرة واللجوء.  

تفاوتات ديمغرافية:

قُدِّر عدد سكان دول الاتحاد الأوروبي في مطلع يناير 2025 بنحو 450.6 مليون نسمة، وشكَّل كبار السن (65عاماً فأكثر) نسبة 22% من إجمالي السكان، بزيادة قدرها 0.4% مقارنة بعام 2024، و2.9%مقارنة بالسنوات العشر الماضية؛ ما يُشكل عبئاً متزايداً على الفئة العاملة الوسيطة (15-64 عاماً) الآخذة في التقلص، خاصة في ظل ارتفاع نسب الإعالة خلال العقود المقبلة، علماً بأن هذه الفئة تتحمل مسؤولية رعاية كبار السن والأطفال.

ومع ذلك، فإن هذه الصورة العامة للاتحاد الأوروبي لا تعكس في الواقع حقيقة التفاوتات الحادة في معدلات العجز الديمغرافي بين الدول الأعضاء. وفي هذا الإطار، تواجه دول جنوب وشرق أوروبا انخفاضات حادة، حيث تراجع معدل الخصوبة في إيطاليا إلى 1.13 طفل لكل امرأة في 2025، مع متوسط عمر يبلغ 49.1 عام، وهو أعلى المعدلات في أوروبا مقارنة بـ44.9عام متوسط عمر سكان الاتحاد الأوروبي. كما ارتفعت نسبة كبار السن إلى 24.7% من إجمالي سكان إيطاليا، مقابل 23.7%في اليونان، و20.7%في إسبانيا. 

أما دول شرق أوروبا، مثل رومانيا وبولندا وبلغاريا التي انخفض عدد سكانها الإجمالي، فإنها تعاني من هجرة الشباب إلى الخارج، خاصة لدول الشمال والغرب الأوروبي، إضافة إلى انخفاض معدلات المواليد، وزيادة نسب الإعالة.

وفي الشمال والغرب الأوروبي، تواجه ألمانيا فجوة قوى عاملة ستصل إلى 7ملايين عامل بحلول عام 2035، بينما دخلت فرنسا ما يُسمى بمرحلة "الشتاء الديمغرافي" في عام 2025بتفوق الوفيات (651 ألفاً) على المواليد (645 ألفاً) لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وقبل عقد كامل من التوقعات الرسمية. وبالرغم من هذا العجز الطبيعي؛ ارتفع سكان فرنسا إلى 69.1 مليون نسمة في عام 2026 بفضل صافي هجرة إيجابي (176 ألف فرد)؛ مما عوّض النقص السكاني. 

ووفقاً للتوقعات، ستواجه دول جنوب وشرق أوروبا أشد التحولات الديمغرافية، حيث إن معدل الإعالة لكبار السن (الفئة من 85 عاماً فأكثر مقارنة بالسكان في سوق العمل) هو الأعلى بالفعل في جنوب أوروبا، ومن المتوقع أن يرتفع بشكل كبير من 6% في عام 2022 إلى نحو 18.3%بحلول عام 2070. وبالمثل، قد تشهد أوروبا الشرقية ارتفاعاً ملحوظاً، حيث سيرتفع هذا المعدل خلال نفس الفترة من 3.5% إلى 15.3%.

في المقابل، ستشهد دول شمال وغرب الاتحاد الأوروبي نمواً في نسب الإعالة لكبار السن؛ لكنها ستكون أقل وضوحاً مقارنة بدول الجنوب والشرق. ففي هاتين المجموعتين الأخيرتين، لا يعود الارتفاع الكبير في النسبة المتوقعة إلى زيادة نسبة كبار السن في المجتمع فحسب، بل أيضاً إلى انخفاض أعداد السكان في سن العمل، نتيجة لهجرة الشباب إلى دول الشمال والغرب بحثاً عن فرص عمل أفضل؛ مما يزيد من تعقيدات المشهد الديمغرافي العام، ويفتح الباب أمام مزيد من التباينات في سياسات الهجرة باعتبارها أحد الحلول الواقعية القليلة لتعويض هذا العجز الديمغرافي.

استجابات متباينة:

تشير توقعات مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" إلى بلوغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي ذروته عند 453 مليون نسمة في عام 2026، قبل أن يبدأ في الانخفاض تدريجياً، وقد يصل إلى 34% بحلول عام 2100 حال توقف الهجرة؛ وأمام هذا العجز الديمغرافي قد تبرز الهجرة كحل واقعي. ويحكم أوروبا في تبني هذا الحل، مبدأ الحد من تدفقات الهجرة غير المشروعة، مع التركيز على نمط "الهجرة الانتقائية" لدعم الاقتصادات الوطنية. وفي إطار هذا المبدأ، تباينت السياسات؛ إذ كشفت الفترة الماضية عن انقسامات ملحوظة، آخذة في التوسع، بين الدول الأوروبية في التعامل مع هذا الملف، يمكن توضيحها في ثلاثة اتجاهات أو أنماط رئيسية:

1- تعزيز نمط "الهجرة الانتقائية" مع استمرار تشديد القيود: يهدف هذا التوجه إلى استقدام نوعية معينة من المهاجرين تتمتع بمهارات محددة، يمكنها دعم القطاعات الاقتصادية المستهدفة مع استمرار تشديد القيود على الهجرة غير النظامية. ويظهر هذا التوجه بشكل رئيسي في بعض الدول الرئيسية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا. ففي فرنسا، حفَّزت التغيرات الديمغرافية السريعة إصلاحات "الهجرة الانتقائية" التي تُفضِّل العمال المهرة والطلاب؛ بهدف تعزيز القوى العاملة المتضائلة وتخفيف الضغوط على المعاشات التقاعدية. وفي المقابل، لا تزال مسارات الهجرة الإنسانية وسياسات الاندماج تواجه قيوداً، وسط توصيات بضرورة توجيه العمالة المستهدفة نحو قطاعات الصحة والبناء والتكنولوجيا، في ظل مساعٍ لتحقيق التوازن بين ضغوط اليمين المتطرف والاحتياجات الاقتصادية.

وبالتزامن مع هذا التوجه، حدّثت ألمانيا في عام 2025قوانين الإقامة عبر "نظام النقاط" لتسهيل استقطاب مقدمي الرعاية المهرة لمواجهة الشيخوخة المتسارعة، مع مسارات محددة للم شمل الأسر؛ بهدف دعم الرعاية الصحية وسط توقعات بنقص حاد في القوى العاملة. بينما رفعت إيطاليا حصص تأشيرات العمل لغير الأوروبيين إلى 165 ألفاً سنوياً (بإجمالي 500 ألف عامل للفترة 2026-2028)، بالتركيز على قطاعي الزراعة الموسمية والخدمة المنزلية. ويؤكد هذا التحول العملي دور الهجرة كأداة لتحقيق الاستقرار الديمغرافي والاقتصادي. 

2- تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين: قاد هذا الاتجاه إسبانيا، حيث وافقت الحكومة في يناير 2026 على تسوية وتقنين أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي كانوا موجودين قبل أواخر عام 2025، مانحة إياهم تصاريح عمل لمدة عام واحد لسد النقص في قطاعات الزراعة والضيافة ورعاية المسنين، في ظل ضغوط الشيخوخة المتزايدة. ويتوقع المسؤولون الإسبان تحقيق مكاسب ضريبية سنوية تتجاوز مليار يورو، معتبرين هذه الخطوة بمثابة شريان حياة اقتصادي ودعم للاندماج، مع فتح باب التقديم في إبريل 2026.

ويتيح هذا الإجراء، الذي يُعد الأول من نوعه من أكثر من 20عاماً، للعمال غير المسجَّلين فرصة نادرة للانتقال من العمل غير الرسمي إلى العمل القانوني، والتمتع بالحقوق الاجتماعية، وبناء مستقبل آمن في إسبانيا. وبينما تُقر هذه السياسة بواقع أن العديد من الأشخاص يعيشون ويعملون في إسبانيا دون وضع قانوني؛ فإنها تعكس الحاجة الماسة إليهم لمواجهة نقص العمالة وتعزيز الاقتصاد الوطني.

3- مواصلة تشديد إجراءات الهجرة واللجوء: في مقابل الإجراءات المنفتحة نسبياً التي اتبعتها بعض الدول الأوروبية لاستقدام المهاجرين المهرة؛ اتخذت دول أخرى تدابير أكثر صرامة ضد اللاجئين والمهاجرين. فقد تبنت دول مثل هولندا والدنمارك والسويد والنمسا والتشيك والمجر سياسات صارمة تشمل تقليص مدد الإقامة، ورفع حصص الترحيل، واعتماد "نموذج المعالجة الخارجية"، وتشديد الرقابة الحدودية؛ وهو توجه جماعي يهدف إلى الحد من التدفقات غير النظامية، وتسريع العودة القسرية، بالرغم من الضغوط الديمغرافية التي تواجهها القارة الأوروبية. 

وفي نفس الإطار، تستعد سويسرا لاستفتاء في يونيو 2026لتحديد سقف دستوري للسكان بـ10 ملايين نسمة بحلول 2050؛ حيث تطرح المبادرة، المُقترحة من حزب الشعب السويسري اليميني المتطرف، نظام إنذار تدريجي يُشدد قيود اللجوء عند بلوغ 9.5مليون نسمة، وقد يصل إلى فسخ اتفاقية "حرية التنقل" مع الاتحاد الأوروبي، وسط انقسام بين حماية الهوية الوطنية والتحذيرات من نقص العمالة والعزلة الاقتصادية والسياسية التي تهدد استقرار بلد يعتمد أساساً على الكفاءات الأجنبية.

وتشير هذه الاستجابات المتباينة إلى حجم الضغوط المتزايدة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي ككل. فبينما يفرض ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد، المقرر دخوله حيز التنفيذ في يونيو 2026، إجراءات الإعادة والفحص؛ تشير التوقعات إلى الحاجة إلى أكثر من مليون مهاجر صافٍ سنوياً لتحقيق التوازن في سوق العمل. وفي الوقت نفسه، يتصادم النهج الجنوبي العملي مع النهج الشمالي الأكثر تحفظاً؛ مما ينذر بتفاقم حالة التشرذم مع تزايد نسبة كبار السن.

تفسيرات أوسع: 

على الرغم من أن العجز الديمغرافي يُعد سبباً مباشراً لتباين الاستجابات الأوروبية تجاه الهجرة؛ فإن هناك تفسيرات أوسع لهذه السياسات، لعل أبرزها ما يلي: 

1- اختلالات الجغرافيا والعبء: تتحمل دول المواجهة، مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا، العبء الأكبر من التدفقات غير النظامية خاصة من طرق وسط وشرق البحر المتوسط؛ مما يدفعها إلى تبني حلول مرنة كالتسويات القانونية للعمال، ورفع حصص استقدام العمالة. في حين ترفض دول الشرق الأوروبي مثل بولندا والمجر مبدأ التضامن أو نقل اللاجئين؛ مما يعزز النزعة الأحادية ويضعف صناديق التمويل المشتركة.

2- الديناميات السياسية الداخلية: يؤدي صعود اليمين المتطرف في الشمال والغرب الأوروبي إلى تشديد الرقابة الحدودية، وربط الهجرة بالأمن، والتركيز على الأبعاد الثقافية والهُوياتية للمهاجرين. بينما يفرض الاعتماد الاقتصادي في الجنوب نهجاً أكثر براغماتية بالرغم من ضغوط التحالفات السياسية كما هو الحال في إيطاليا وإسبانيا. في حين تظل الهُوية الوطنية والتجانس الثقافي المحرك الأساسي لسياسات التقييد في أوروبا الشرقية.

3- الهياكل الاقتصادية واحتياجات سوق العمل: تُفضل الدول الأوروبية الكبرى، على غرار ألمانيا وفرنسا، "الهجرة الانتقائية" والعمالة الماهرة لسد فجوة القوى العاملة. بينما تعتمد دول الجنوب الأوروبي على تدفقات أكبر لقطاعي الزراعة والرعاية. أما دول الشرق الأوروبي، فتصدر تأشيرات عمل واسعة؛ لكنها ترفض الهجرة الإنسانية خشية الضغط على نظم الرعاية الاجتماعية.

4- القيود المؤسسية والسيادية: تستفيد بعض الدول من مرونة ميثاق الهجرة الأوروبي عبر دفع مساهمات مالية بدلاً من استقبال اللاجئين. وفي المقابل، يؤدي غياب سياسة خارجية موحدة إلى توجه الدول نحو إبرام اتفاقيات ثنائية، مثل اتفاقيات إيطاليا مع تونس وألبانيا، لتجاوز دور بروكسل؛ وهو ما يكشف محدودية نظام "دبلن" في ظل حرية التنقل داخل فضاء شنغن.

ختاماً، على الرغم من أن الهجرة ليست الحل المُفضل لأوروبا؛ فإنها تظل ضرورة استراتيجية نسبياً لمواجهة العجز الديمغرافي الحاد الذي تعاني منه القارة. ومع ذلك، فإن الاختلافات في تطبيق سياسات الهجرة، وعدم الالتزام بالأُطر الجماعية، وغياب التنسيق المُوحد؛ كلها عوامل قد تؤدي إلى تآكل قدرة القارة الأوروبية على الصمود في مواجهة اختلالاتها الديمغرافية المتباينة في حدتها بين دولها، وقد تدفع، في تطبيقاتها الأوسع، إلى اختلال أعمق في مدى تماسك الاتحاد الأوروبي.

المراجع:

باسم راشد، 5.2.2026، كيف يدفع العجز الديمغرافي الى تباين سياسات الهجرة الاوروبية؟، المستقبل للبحاث والدراسات المتقدمة.

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، "تقرير آفاق الهجرة الدولية 2026"، باريس.

 
المقالات الأخيرة