تشكل الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى أحد أبرز التحولات الجيوسياسية في النظام الدولي المعاصر، نظراً لتداعياتها الواسعة على توازنات القوى الإقليمية والدولية. وتبرز روسيا بوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين في هذا المشهد المعقد، حيث تجد نفسها أمام معادلة استراتيجية صعبة تجمع بين الحفاظ على تحالفاتها الإقليمية وعدم الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الغربية. وقد ارتبطت العلاقات الروسية الإيرانية خلال العقدين الأخيرين بتعاون سياسي وعسكري واقتصادي متنامٍ، خاصة في ظل تقاطع المصالح بين البلدين في مواجهة النفوذ الغربي ومحاولة إعادة تشكيل النظام الدولي نحو تعددية قطبية. غير أن اندلاع الحرب الأخيرة وما تبعها من تصعيد عسكري بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل وضع موسكو أمام تحديات كبيرة تتعلق بإدارة توازناتها السياسية والاستراتيجية. فروسيا من جهة لا ترغب في خسارة حليف إقليمي مهم مثل إيران، ومن جهة أخرى تحاول تجنب صدام مباشر مع الولايات المتحدة أو الإضرار بعلاقاتها مع إسرائيل، خاصة في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية واعتماد موسكو على حسابات دقيقة تتعلق بموازين القوى الدولية. ومن هذا المنطلق، يهدف هذا التقرير إلى تحليل طبيعة الموقف الروسي من هذه الحرب، واستعراض الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية المرتبطة به، إضافة إلى تقييم المكاسب والخسائر المحتملة لموسكو في ظل التطورات الراهنة.
المأزق الاستراتيجي الروسي
وضعت الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل روسيا في موقف استراتيجي معقد، إذ تواجه موسكو تحدياً يتمثل في ضرورة الموازنة بين التزاماتها السياسية تجاه إيران وبين مصالحها الأوسع في النظام الدولي. فمن ناحية، تعد إيران شريكاً مهماً لروسيا في مواجهة الهيمنة الغربية، وقد تعاون البلدان خلال السنوات الأخيرة في عدة ملفات إقليمية، أبرزها الأزمة السورية، إضافة إلى التعاون العسكري الذي برز بوضوح خلال الحرب الروسية في أوكرانيا. ومن ناحية أخرى، تدرك روسيا أن تقديم دعم عسكري مباشر لإيران قد يؤدي إلى تصعيد خطير مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما لا ترغب فيه في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها.
كما أن موسكو كانت تسعى في البداية إلى لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، في محاولة للحفاظ على مكانتها كقوة دولية قادرة على إدارة الأزمات الدولية. غير أن التطورات العسكرية السريعة والضربات المتبادلة بين الأطراف المعنية حدّت من فرص نجاح هذا الدور، خاصة مع عدم إبداء الولايات المتحدة استعداداً حقيقياً لقبول الوساطة الروسية. ونتيجة لذلك، وجدت موسكو نفسها أمام خيارات محدودة، حيث اكتفت بإدانة العمليات العسكرية والدعوة إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، دون أن تقدم دعماً عسكرياً مباشراً لطهران. ويعكس هذا الموقف طبيعة الحسابات البراغماتية التي تحكم السياسة الخارجية الروسية، والتي تقوم على مبدأ تقليل الخسائر الاستراتيجية وتجنب الانخراط في صراعات قد تستنزف قدراتها في ظل الظروف الدولية الراهنة.
إيران في الاستراتيجية الروسية
تحتل إيران موقعاً محورياً في الاستراتيجية الجيوسياسية الروسية، ليس فقط بسبب العلاقات الثنائية بين البلدين، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي وتأثيرها في التوازنات الإقليمية. فإيران تقع بالقرب من الحدود الجنوبية لروسيا وتشرف على مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل بحر قزوين وجنوب القوقاز، ما يجعل استقرارها عاملاً مهماً في الحفاظ على الأمن الإقليمي في هذه المناطق. وفي حال تعرض النظام الإيراني لانهيار سياسي أو تغيير جذري في بنيته الحاكمة، فإن ذلك قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في هذه المناطق، بما في ذلك زيادة نشاط الجماعات المسلحة وانتشار تجارة السلاح والمخدرات، إضافة إلى احتمال تدفق موجات من اللاجئين نحو دول الجوار.
علاوة على ذلك، تمثل إيران شريكاً مهماً لروسيا في مشروع بناء نظام دولي متعدد الأقطاب يسعى إلى تقليص الهيمنة الغربية على النظام العالمي. وقد تعاون البلدان في إطار عدة منظمات وتجمعات دولية تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين الدول غير الغربية. ومن هذا المنطلق، فإن خسارة إيران كحليف استراتيجي ستشكل ضربة كبيرة للجهود الروسية الرامية إلى بناء تحالفات دولية بديلة للنظام الدولي التقليدي الذي تقوده الولايات المتحدة.
كما أن العلاقات الروسية الإيرانية تشمل جوانب اقتصادية مهمة، حيث استثمرت الشركات الروسية مليارات الدولارات في مشاريع الطاقة والبنية التحتية داخل إيران، إضافة إلى التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية. وبالتالي فإن أي تغيير جذري في النظام السياسي الإيراني قد يؤدي إلى إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية في البلاد، وربما يفتح المجال أمام الشركات الغربية للدخول بقوة إلى السوق الإيرانية، وهو ما قد يضر بالمصالح الاقتصادية الروسية على المدى الطويل.
الدور الروسي في الوساطة الدولية
رغم إعلان روسيا استعدادها للعب دور الوسيط بين الأطراف المتصارعة، فإن قدرتها الفعلية على أداء هذا الدور تبدو محدودة في ظل المعطيات السياسية والعسكرية الحالية. فنجاح أي وساطة دولية يتطلب قبولاً من جميع الأطراف المعنية، وهو ما لم يتحقق في هذه الحالة، خاصة مع رفض الولايات المتحدة وإسرائيل الانخراط في مبادرة وساطة تقودها موسكو. كما أن انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا يقلل من قدرتها على ممارسة ضغوط دبلوماسية أو عسكرية مؤثرة في مسار الصراع في الشرق الأوسط.
ومن ناحية أخرى، فإن العلاقات المعقدة التي تربط روسيا بكل من إيران وإسرائيل تجعل من الصعب عليها تبني موقف واضح لصالح أحد الطرفين. فموسكو تحافظ منذ سنوات على علاقات سياسية وأمنية مع إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق العسكري في سوريا، وهو ما يدفعها إلى تجنب اتخاذ مواقف قد تؤدي إلى توتر هذه العلاقات. وفي الوقت نفسه، تحاول روسيا الحفاظ على علاقاتها مع إيران باعتبارها شريكاً مهماً في مواجهة الضغوط الغربية.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن الحديث عن الوساطة الروسية في هذا الصراع يهدف في جزء كبير منه إلى الحفاظ على صورة روسيا كقوة دولية فاعلة، حتى وإن كانت قدرتها الفعلية على التأثير في مسار الأحداث محدودة. كما أن هذا الموقف يسمح لموسكو بتجنب الانخراط المباشر في الحرب، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
المكاسب والخسائر المحتملة لروسيا
على الرغم من التحديات التي تواجهها روسيا في ظل هذه الحرب، فإن بعض المحللين يرون أن موسكو قد تحقق مكاسب اقتصادية محدودة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية. فالتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط غالباً ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يعود بالفائدة على الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط والغاز. كما أن ارتفاع الأسعار قد يساعد موسكو في تمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا وتخفيف الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الغربية.
ومع ذلك، فإن هذه المكاسب المحتملة تبقى محدودة مقارنة بالخسائر الاستراتيجية التي قد تتعرض لها روسيا في حال ضعف إيران أو تغير نظامها السياسي. فإيران تمثل شريكاً مهماً في عدة مشاريع اقتصادية كبرى، بما في ذلك ممر النقل الدولي المعروف باسم “شمال–جنوب”، الذي يهدف إلى ربط روسيا بالأسواق الآسيوية عبر الأراضي الإيرانية. كما أن الشركات الروسية تشارك في مشاريع لتطوير قطاع الطاقة النووية في إيران، وهو ما يشكل جزءاً مهماً من التعاون الاقتصادي بين البلدين.
إضافة إلى ذلك، فإن تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة قد يؤدي إلى تعزيز نفوذ القوى الغربية وحلفائها الإقليميين، وهو ما يتعارض مع الأهداف الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط. ولذلك، فإن أي تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي قد يفرض على موسكو إعادة تقييم سياساتها في المنطقة، وربما البحث عن تحالفات جديدة لتعويض خسارة أحد أهم شركائها الإقليميين.
خاتماً: في ضوء ما سبق، يتضح أن الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل وضعت روسيا أمام تحديات استراتيجية معقدة تتعلق بإدارة تحالفاتها الإقليمية ومصالحها الدولية. فموسكو تسعى إلى الحفاظ على علاقتها مع إيران باعتبارها شريكاً مهماً في مواجهة النفوذ الغربي، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. وقد أدى هذا الوضع إلى تبني روسيا موقفاً حذراً يقوم على الدعوة إلى خفض التصعيد والعودة إلى الحلول الدبلوماسية، مع محاولة الحفاظ على توازن دقيق بين مختلف الأطراف. ورغم احتمال تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية المحدودة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، فإن الخسائر الاستراتيجية المحتملة لروسيا في حال ضعف إيران تبدو أكبر بكثير. ولذلك، فإن مستقبل الموقف الروسي في هذه الأزمة سيظل مرتبطاً بتطورات الصراع نفسه، وكذلك بالتغيرات الأوسع في النظام الدولي وتوازنات القوى بين الشرق والغرب.
المصدر: المجلة
الكاتب : سامر إلياس
التاريخ : 11/3/2026
------------------------------------------------------------------------------
المصدر: صحيفة النهار
الكاتب : د. باسل الحاج جاسم
التاريخ : 7/3/2026
