العلاقات الباكستانية الأفغانية بين التفاهم والتصعيد
فرع القاهرة

شهدت العلاقات بين باكستان وحكومة "إمارة أفغانستان الإسلامية" التي تقودها حركة طالبان تحوّلاً جذرياً مع نهاية عام 2025، حيث انتقلت من نمط التعاون الحذر والتنسيق غير المباشر إلى حالة من القطيعة العسكرية شبه الكاملة. ويعكس هذا التحول انهيار واحدة من أهم الركائز الاستراتيجية التي اعتمدت عليها إسلام آباد لعقود طويلة، والمتمثلة في سياسة "العمق الاستراتيجي"، والتي كانت تقوم على ضمان وجود نظام سياسي صديق في كابول يحدّ من التهديدات القادمة من الحدود الغربية.

ومع تصاعد التوترات، تحولت الحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 2600 كيلومتر إلى ساحة صراع نشط تتداخل فيها العمليات العسكرية المباشرة مع أدوات الضغط غير التقليدية. وقد شكّل التصعيد الذي وقع في فبراير 2026 نقطة تحول مفصلية، خاصة مع تنفيذ ضربات جوية باكستانية داخل العمق الأفغاني، وهو ما يعكس انتقال الصراع من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة المواجهة المفتوحة. كما أن هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن التغيرات البنيوية داخل حركة طالبان نفسها، وكذلك التحولات في البيئة الإقليمية المحيطة.

جذور النزاع التاريخي

تعود جذور التوتر بين باكستان وأفغانستان إلى سياقات تاريخية ممتدة ومعقدة، يتداخل فيها البعد الاستعماري مع الاعتبارات القومية والقبلية. ويُعدّ خط دوراند، الذي تم ترسيمه عام 1893 خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، أحد أبرز مظاهر هذا التعقيد، حيث لم يحظَ بقبول أفغاني كامل منذ نشأته. فقد اعتُبر هذا الخط من قبل النخب السياسية الأفغانية تعبيراً عن تقسيم قسري لمجال اجتماعي وقبلي متماسك، خاصة أنه يفصل بين تجمعات البشتون الممتدة عبر جانبي الحدود.

وقد استمر هذا الرفض عبر مختلف الأنظمة السياسية في أفغانستان، وصولاً إلى حركة طالبان، التي تبنّت موقفاً مشابهاً يعكس حساسية القضية في الوعي القومي الأفغاني. في المقابل، تنظر باكستان إلى الخط باعتباره حدوداً دولية نهائية، وتسعى إلى فرض واقع أمني جديد من خلال تحصينه وتعزيز السيطرة عليه، وهو ما أدى إلى تصاعد الاحتكاكات الحدودية بشكل متكرر.

ويتعمق هذا النزاع مع بروز دور حركة طالبان باكستان، التي تمثل تهديداً أمنياً مباشراً لإسلام آباد، خاصة في ظل الاتهامات المتكررة لأفغانستان بإيواء عناصرها أو غض الطرف عن نشاطها. هذا التداخل بين العامل الجغرافي والتهديد الأمني خلق بيئة صراع مركّبة يصعب احتواؤها عبر الوسائل التقليدية.

التصعيد العسكري المتسارع

شهدت الأشهر الأخيرة من عام 2025 وبداية عام 2026 تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث انتقل من مواجهات محدودة إلى تصعيد عسكري واسع النطاق. وقد بدأت هذه المرحلة بسلسلة من الهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية باكستانية، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية ملحوظة، ما دفع صانع القرار في إسلام آباد إلى إعادة تقييم قواعد الاشتباك.

وفي هذا السياق، تبنّت باكستان نهجاً أكثر هجومية، تمثل في تنفيذ ضربات جوية دقيقة داخل الأراضي الأفغانية، مستهدفة مواقع يُعتقد أنها تُستخدم من قبل حركة طالبان باكستان. وقد شكّل هذا التحول كسراً واضحاً لسياسة ضبط النفس التي كانت سائدة في السنوات السابقة، كما عكس استعداداً لتحمل تبعات التصعيد العسكري المباشر.

ومن اللافت أيضاً في هذه المرحلة ظهور استخدام الطائرات المسيّرة من قبل الجماعات المسلحة، وهو ما يشير إلى تطور في القدرات التقنية وتغير في طبيعة التهديدات. وقد بلغت هذه الديناميكيات ذروتها في فبراير 2026، مع تنفيذ حملة قصف مكثفة شملت مناطق متعددة، وأسفرت عن تداعيات إنسانية كبيرة، من بينها موجات نزوح واسعة وتدهور الأوضاع المعيشية في المناطق المتأثرة.

التفاعلات الإقليمية المعقدة

يتجاوز الصراع بين باكستان وأفغانستان كونه نزاعاً ثنائياً، ليصبح جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية والدولية. فالهند، على سبيل المثال، تمثل عاملاً مهماً في الحسابات الاستراتيجية الباكستانية، حيث تنظر إسلام آباد بقلق إلى أي تقارب محتمل بين نيودلهي وكابول، وتخشى من أن يُستخدم هذا التقارب كأداة للضغط الجيوسياسي عليها.

في المقابل، تلعب الصين دوراً حذراً لكنه مؤثر، إذ تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في المنطقة بما يخدم مصالحها الاقتصادية، خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق. كما أن لديها مخاوف أمنية مرتبطة بإمكانية انتقال التهديدات عبر الحدود إلى إقليم شينجيانغ، وهو ما يدفعها إلى الانخراط بشكل غير مباشر في إدارة الأزمة.

أما كل من إيران وروسيا، فتتابعان الوضع من منظور أمني بالدرجة الأولى، خاصة في ظل تنامي نشاط الجماعات المتطرفة مثل تنظيم "داعش – ولاية خراسان". وتخشى هذه الدول من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى خلق فراغ أمني تستغله هذه التنظيمات، مما قد يهدد الاستقرار الإقليمي بشكل أوسع. ويُظهر هذا التشابك في المصالح مدى تعقيد الأزمة وصعوبة احتوائها عبر حلول تقليدية.

 

 

الضغوط الاقتصادية المتبادلة

إلى جانب التصعيد العسكري، برزت الأدوات الاقتصادية والإنسانية كعناصر أساسية في إدارة الصراع بين الطرفين. فقد لجأت باكستان إلى استخدام المعابر الحدودية كورقة ضغط، من خلال إغلاقها أو تقييد حركة التجارة عبرها، وهو ما أدى إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق الأفغانية، خاصة في ظل اعتماد كابول على الواردات القادمة من باكستان.

كما شكّل ملف اللاجئين أداة ضغط إضافية، حيث بدأت السلطات الباكستانية في تنفيذ إجراءات لترحيل أعداد كبيرة من اللاجئين الأفغان غير المسجلين. ويُعدّ هذا الملف بالغ الحساسية، نظراً لتداعياته الإنسانية والاقتصادية، خاصة في ظل محدودية قدرة الحكومة الأفغانية على استيعاب العائدين.

ويعكس هذا التوظيف للأدوات غير العسكرية تحولاً في طبيعة الصراع نحو نمط أكثر شمولاً، حيث تتداخل الأبعاد الاقتصادية والإنسانية مع الاعتبارات الأمنية، مما يزيد من تعقيد الأزمة ويجعل من الصعب فصل مساراتها المختلفة.

خاتماً: تكشف التطورات الأخيرة في العلاقات الباكستانية–الأفغانية عن تحوّل عميق في طبيعة التفاعلات بين البلدين، حيث لم تعد الروابط الأيديولوجية أو المصالح المشتركة كافية لاحتواء التوترات المتصاعدة. بل على العكس، أصبحت اعتبارات السيادة والأمن القومي هي المحدد الرئيسي لسلوك الطرفين، في ظل بيئة إقليمية مضطربة.

كما تعكس هذه الأزمة تراجع فعالية الأدوات التقليدية التي اعتمدت عليها باكستان في إدارة علاقتها مع أفغانستان، خاصة في ظل صعود توجهات قومية داخل حركة طالبان تؤكد على الاستقلالية وترفض التدخل الخارجي. وفي المقابل، تواجه باكستان تحديات داخلية تدفعها إلى تبني سياسات أكثر صرامة، حتى وإن كانت تنطوي على مخاطر تصعيدية.

وفي ضوء المعطيات الراهنة، يبدو أن الصراع مرشح للاستمرار في شكل حرب استنزاف منخفضة الحدة، مع احتمالات متقطعة للتصعيد، في ظل غياب حلول سياسية شاملة. ومع ذلك، يبقى خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع قائماً، خاصة إذا ما تداخلت أطراف إقليمية بشكل مباشر، وهو ما قد يحوّل هذا النزاع إلى أزمة إقليمية مفتوحة ذات تداعيات واسعة النطاق.

 

 

المصدر: مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية

التاريخ : 18/3/2026

---------------------------------------------------------------------------------------

المصدرمركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية

الكاتب : أكرم السيد

التاريخ : 1/3/2026

المقالات الأخيرة