هل يعيد اكتشاف حقول شرق المتوسط تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية
فرع بنغازي

لطالما مثلت منطقة شرق المتوسط ملتقى للحضارات والنزاعات، لكنها لم تكن على مر التاريخ مركزاً رئيسياً لإنتاج وتصدير الطاقة. تغير هذا الواقع بشكل جذري منذ عام 2009، عندما أعلنت شركة "نوبل إنرجي" عن اكتشاف حقل "ليفياثان" العملاق قبالة سواحل فلسطين المحتلة، تلاه اكتشاف حقل "تمار" و"داليا"، ثم أعقبتها مصر باكتشاف حقل "ظهر" العملاق في عام 2015، والذي يعتبر الأكبر في المنطقة. هذه الاكتشافات المتتالية حولت شرق المتوسط من منطقة مستوردة صافية للطاقة إلى منطقة تمتلك فائضاً كبيراً قابلاً للتصدير.

في ظل التقلبات الجيوسياسية التي شهدتها الساحة الأوروبية، خاصة مع اندلاع الحرب في أوكرانيا وما تلاها من عقوبات متبادلة بين أوروبا وروسيا، برزت أهمية البحث عن بدائل موثوقة للغاز الروسي الذي كان يغطي ما يقرب من 40% من واردات الاتحاد الأوروبي. هنا تبرز أهمية شرق المتوسط كممر بديل، ليس فقط من حيث كونه مصدراً جديداً، بل لأنه يتقاطع مع خطط الاتحاد الأوروبي للتحول الطاقي، حيث يُنظر إلى الغاز الطبيعي باعتباره "وقوداً انتقالياً" نحو مستقبل منخفض الكربون..

الثروات الجيولوجية وحجم الاحتياطيات في شرق المتوسط

تقع أحواض شرق المتوسط ضمن مقاطعة جيولوجية غنية بالهيدروكربونات، تمتد من دلتا النيل في الغرب حتى حوض الشام في الشرق. تعود هذه الثروة إلى عوامل جيولوجية متراكمة، أبرزها وجود أحواض رسوبية عميقة تعود إلى عصور الميوسين والبليوسين، حيث تراكمت كميات هائلة من المواد العضوية التي تحولت بفعل الضغط والحرارة إلى غاز طبيعي.

يقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) إجمالي الاحتياطيات غير المكتشفة من الغاز القابل للاستخراج في حوض شرق المتوسط بحوالي 122تريليون قدم مكعبة (Tcf)، بالإضافة إلى حوالي 1,7 مليار برميل من المكثفات النفطية. لكن الأرقام الفعلية للاحتياطيات المؤكدة تتحدث عن واقع أكثر وضوحاً:

حقل ظهر (مصر): يعتبر أكبر حقل غاز في البحر المتوسط، حيث تبلغ احتياطياته المؤكدة حوالي 30 تريليون قدم مكعبة. وقد لعبت مصر دوراً محورياً في تطويره، مما مكنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز والعودة إلى مصاف الدول المصدرة.

حقل ليفياثان (فلسطين المحتلة): يقدر بحوالي 22 تريليون قدم مكعبة، وهو المصدر الرئيسي للصادرات الإسرائيلية إلى الأردن ومصر، ويشكل العمود الفقري لخطط التصدير إلى أوروبا عبر مصر.

حقل تمار (فلسطين المحتلة): تبلغ احتياطياته حوالي 10تريليون قدم مكعبة، ويركز على تلبية احتياجات السوق المحلي والإقليمي.

حقل أفروديت (قبرص): يقدر بحوالي 4,5 تريليون قدم مكعبة، وهو محور خطط قبرص لتصدير الغاز، إما عبر التسييل أو عبر خطوط أنابيب إلى مصر.

الاكتشافات الأخرى: تشمل حقول "كاليبسو" و"غلافكوس" في المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية، والتي لا تزال في مراحل التقييم، بالإضافة إلى مناطق الامتياز اللبنانية في البلوكين 4 و9، حيث تم اكتشاف كميات تجارية في حقل "قانا".

هذه الكميات، مجتمعة، تشكل كتلة حرجة من الإمدادات التي يمكنها، إن تم تطويرها وتكاملها، أن توفر ما يصل إلى 10-15% من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي في العقد القادم، وهو رقم ليس هامشياً في معادلة أمن الطاقة الأوروبي.

شرق المتوسط في استراتيجية أمن الطاقة الأوروبية

كانت السياسة الطاقية الأوروبية لعقود تقوم على مبدأ "التنويع" (Diversification)، لكنها لم تكن مضطرة لتنفيذه بسرعة بسبب وفرة الإمدادات الروسية الرخيصة نسبياً. ومع ذلك، بعد أزمة الغاز الروسي-الأوكراني عام 2009، ثم التصعيد الحاد في 2022، تحول مبدأ التنويع إلى ضرورة وجودية. هنا برزت أهمية شرق المتوسط لعدة أسباب:

1. الموقع الجغرافي والبديل الاستراتيجي:

يمثل الغاز القادم من شرق المتوسط بديلاً طبيعياً للغاز الروسي الذي كان يمر عبر أوكرانيا أو خط "نورد ستريم". فالمسافة بين حقول شرق المتوسط وجنوب أوروبا (إيطاليا واليونان) أقصر نسبياً مقارنة بمصادر أخرى مثل الغاز الطبيعي المسال الأمريكي أو القطري. هذا القرب الجغرافي يقلل من تكاليف النقل وزمن وصول الإمدادات.

2. الغاز الطبيعي المسال (LNG) كجسر:

استثمرت مصر بشكل كبير في بنيتها التحتية للغاز الطبيعي المسال، حيث تمتلك مصانع إسالة في إدكو ودمياط بطاقة إجمالية تصل إلى حوالي 12 مليون طن سنوياً. بعد توقف دام عدة سنوات، عادت هذه المصانع للعمل بكامل طاقتها، مما جعل مصر مركزاً إقليمياً لتسييل الغاز القادم من حقول شرق المتوسط (سواء الإسرائيلي أو القبرصي أو المصري) وإعادة تصديره إلى أوروبا. هذا النموذج أثبت فعاليته، حيث ارتفعت الصادرات المصرية من الغاز المسال إلى أوروبا بشكل حاد في أعوام 2022و2023، مما ساهم في سد الفجوة الناجمة عن انقطاع الإمدادات الروسية.

3. مبادرة منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF):

في عام 2020، تم تحويل منتدى غاز شرق المتوسط من فكرة إلى منظمة حكومية دولية مقرها القاهرة، تضم في عضويتها مصر، قبرص، اليونان، إسرائيل، الأردن، فلسطين، وإيطاليا، بصفة مراقب، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. يمثل هذا المنتدى إطاراً مؤسسياً لتنسيق السياسات الطاقية، وتطوير البنية التحتية المشتركة، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة. هذا التكتل المؤسسي يعكس إرادة سياسية لتحويل المنطقة إلى محور طاقي منظم، يخدم المصالح الأوروبية والإقليمية على حد سواء.

4. مشاريع البنية التحتية المستقبلية:

إلى جانب نموذج التسييل في مصر، يجري الترويج لمشروعين رئيسيين لربط شرق المتوسط مباشرة بأوروبا:

خط أنابيب إيست ميد (EastMed): وهو مشروع طموح يهدف إلى مد خط أنابيب بحري بطول حوالي 1900كيلومتر، لنقل الغاز من حقول ليفياثان وأفروديت إلى كريت، ثم إلى البر الرئيسي اليوناني، ومنها إلى إيطاليا ودول أوروبية أخرى. قدرت تكلفته بحوالي 6-7مليارات يورو، لكنه واجه اعتراضات متزايدة لأسباب بيئية (المسار عبر مناطق بحرية محمية) وجدوى اقتصادية، خاصة بعد تراجع أسعار الغاز عالمياً.
خط الأنابيب القبرصي المصري: مشروع أقل طموحاً لكنه أكثر واقعية، يهدف إلى ربط حقل أفروديت القبرصي مباشرة بمحطات التسييل المصرية عبر خط أنابيب بحري قصير نسبياً. هذا المشروع يعزز دور مصر كمركز إقليمي للتجميع والتوزيع.

التحديات الجيوسياسية والقانونية والاقتصادية

رغم المؤشرات الإيجابية، تواجه مساعي تحويل شرق المتوسط إلى بديل استراتيجي لأوروبا مجموعة من التحديات الجسيمة التي قد تحد من قدرتها على إعادة تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية بشكل كامل:

1. النزاعات الحدودية البحرية (الترسيم):

تشكل الخلافات حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) العقبة الأكبر أمام استقرار المنطقة. أبرز هذه النزاعات هو الخلاف التركي مع كل من قبرص واليونان ومصر. فتركيا، التي لا تعترف بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، أبرمت اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة عام 2019، وهو ما اعتبرته دول شرق المتوسط انتهاكاً لحقوقها السيادية. هذا التوتر العسكري والسياسي يعيق التنقيب ويخلق بيئة غير مستقرة للمستثمرين الدوليين الذين يخشون التصعيد العسكري.

2. التعقيدات الجيوسياسية الإقليمية:

العلاقات التركية الإسرائيلية: على الرغم من تحسنها مؤخراً، إلا أن الخلافات السياسية لا تزال تؤثر على إمكانية مرور خطوط أنابيب عبر الأراضي التركية، وهو خيار بديل كان مطروحاً تاريخياً.

الانقسام القبرصي: الوجود التركي في شمال قبرص يعقد أي مشروع لتصدير الغاز من الجزيرة، حيث تطالب أنقرة بموافقة الجانبين القبرصي والتركي على أي مشاريع طاقية.

الوضع في لبنان: التأخير في تشكيل الحكومات وتطوير الحقول اللبنانية، خاصة حقل "قانا" العابر للحدود مع إسرائيل، يضيف طبقة إضافية من عدم اليقين.

3. الجدوى الاقتصادية والتكلفة:

تعتمد الجدوى الاقتصادية لمشاريع الغاز في شرق المتوسط على عاملين رئيسيين: السعر العالمي للغاز، ومدى استقرار الطلب الأوروبي. التزام الاتحاد الأوروبي بخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 55% بحلول عام 2030 (صفقة "Fit for 55") يضع علامة استفهام حول الطلب طويل الأجل على الغاز الطبيعي. فالمستثمرون يحتاجون إلى عقود طويلة الأجل لضمان عوائد استثماراتهم الضخمة، بينما تسعى أوروبا إلى التحول نحو الطاقة المتجددة، مما يخلق حالة من عدم التطابق الزمني بين أفق الاستثمار وأفق الطلب.

4. التحديات الفنية والأمنية:

تقع حقول الغاز في مياه عميقة تتراوح بين 1500و2000متر، مما يتطلب تكنولوجيا متطورة وتكاليف حفر مرتفعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن البنية التحتية البحرية (خطوط الأنابيب، منصات الحفر) معرضة للتهديدات الأمنية، سواء من الهجمات الإلكترونية أو من الجماعات المسلحة التي تنشط في بعض مناطق المنطقة.

هل يعيد الاكتشاف تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية؟

يمكن القول إن اكتشافات الغاز في شرق المتوسط قد أدخلت بالفعل تغييراً ملحوظاً على خريطة الطاقة الأوروبية، لكن هذا التغيير لا يزال في مراحله الأولى وغير حاسم. لقد أثبتت المنطقة أنها قادرة على توفير إمدادات سريعة ومرنة، خاصة عبر نموذج التسييل في مصر، مما ساهم في تخفيف وطأة أزمة الطاقة التي ضربت أوروبا.

ومع ذلك، فإن إعادة التشكيل الكامل للخريطة – أي جعل شرق المتوسط عموداً فقرياً مكافئاً لدور روسيا سابقاً – يتطلب تحقيق ثلاثة شروط أساسية:

تسوية سياسية: حل النزاعات الحدودية البحرية بين تركيا والدول الأخرى في المنطقة، ودمج أنقرة في إطار تعاوني بدلاً من مواجهتها.
تكامل بنية تحتية: بناء شبكة إقليمية متماسكة (ربط قبرص، إنهاء خط إيست ميد أو بديل عملي له) لضمان تدفق الغاز بكميات كبيرة ومستقرة.
انسجام سياسات الطاقة: توافق الرؤى بين دول المنطقة حول سعر الغاز وآليات التسعير، وبين الاتحاد الأوروبي حول فترات الانتقال الطاقي وطول أمد عقود الستيراد.

في النهاية، لن يحل غاز شرق المتوسط محل الغاز الروسي بالكامل، لكنه سيشكل، إلى جانب الغاز القطري والأمريكي والأذربيجاني، عنصراً أساسياً في سلة متنوعة تعزز أمن الطاقة الأوروبي. الميزة الفريدة لشرق المتوسط هي قدرته على تقديم الإمدادات بسرعة وبأقل تكلفة سياسية نسبياً مقارنة ببعض البدائل البعيدة. إذا نجحت دول المنطقة في تجاوز خلافاتها السياسية، وتكاتفت لتقديم نفسها ككتلة متكاملة وموثوقة، فإنها لن تعيد تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية فحسب، بل ستعيد تشكيل دورها الجيوسياسي في النظام العالمي الجديد للطاقة.

 

المراجع 

محمد عثمان، وأبو النصر، أحمد محمد. (2021). "الجيوبوليتيك الجديد للطاقة في شرق المتوسط: الغاز الطبيعي نموذجاً". المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية، جامعة قناة السويس. المجلد الثاني عشر، العدد الرابع. ص ص 1-28.

(يتناول هذا البحث بالتحليل الديناميكيات السياسية والاقتصادية للغاز في شرق المتوسط، مع تركيز خاص على دور مصر الإقليمي ومحددات الصراع والتعاون في المنطقة.) 

عبد العظيم، رمزي. (2022). "صراع القوى الكبرى على الغاز في شرق المتوسط: تداعياته على الأمن القومي العربي". مركز الجزيرة للدراسات. تقرير رقم (65). الدوحة.

(يقدم هذا التقرير تحليلاً معمقاً لتدخلات القوى الدولية (الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي) في ملف الطاقة بشرق المتوسط، ويقيّم تأثير هذه التدخلات على الاستقرار الإقليمي والفرص المتاحة للدول العربية.)

المقالات الأخيرة