منذ عقود طويلة، هيمن الدولار الأمريكي على النظام النقدي الدولي بصفته عملة الاحتياطي الأساسية، ووحدة الحساب، ووسيلة الدفع في معظم المعاملات التجارية والمالية العالمية. هذا الوضع منح الولايات المتحدة امتيازاً غير مسبوق، لكنه جعل بقية دول العالم، وخاصة الدول النامية، رهينة لتقلبات السياسة النقدية الأمريكية ومخاطر تحويل أداة مالية محايدة إلى سلاح جيوسياسي.
شكل تجميد الاحتياطيات الروسية بالدولار في أعقاب الحرب الأوكرانية (2022) نقطة تحول كبرى، إذ كشف عن الطبيعة السياسية للأصول المقومة بالدولار، وحوّلها من مخازن آمنة للقيمة إلى أدوات خاضعة للاعتبارات السياسية . في هذا السياق، برز تكتل البريكس (BRICS) - الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، ثم انضم إليه أعضاء جدد مثل السعودية والإمارات ومصر وإيران - كحاضنة رئيسية لمشاريع بديلة تسعى إلى تقليل الاعتماد على الدولار عبر التسويات بالعملات المحلية.
يتناول هذا المقال تحليل الفرص والتحديات التي تواجه مسار التحول نحو التسويات بالعملات المحلية في إطار مجموعة البريكس، ويسعى للإجابة عن سؤال محوري: هل تمثل هذه المبادرات بديلاً حقيقياً للنظام النقدي الدولي المهيمن عليه بالدولار، أم أنها تظل مجرد تحركات هامشية لا تهدد هيمنة الدولار القائمة؟ يعتمد المقال في تحليله على مقاربة الاقتصاد السياسي التي تضع في الاعتبار تقاطع المصالح الجيوسياسية، البنى المؤسسية، والقيود الهيكلية التي تحكم أي تحول في النظام النقدي الدولي.
أولاً: الدولار بين الهيمنة البنيوية والتحولات الجيوسياسية
لفهم جدوى البدائل النقدية، لا بد من استعراض الأسس التي يقوم عليها هيمنة الدولار. فالدولار ليس مجرد عملة وطنية أمريكية، بل هو عملة دولية بامتياز، وذلك بفضل ثلاث وظائف أساسية: أولاً، هو وحدة الحساب الأساسية لتسعير السلع الاستراتيجية (خاصة النفط والسلع الأساسية)، وثانياً، هو وسيلة الدفع الأكثر استخداماً في المعاملات التجارية الدولية، وثالثاً، هو مخزن القيمة الأوفر سيولة وأكثرها أماناً بالنسبة للبنوك المركزية والمستثمرين حول العالم .
هذه الهيمنة تستند إلى شبكة من العوامل الذاتية والموضوعية: حجم الاقتصاد الأمريكي وعمق أسواقه المالية، الثقة المؤسسية في النظام القانوني الأمريكي، قوة شبكة المدفوعات الدولية (SWIFT)، بالإضافة إلى ما يُعرف بـ "النفط الدولاري" (petrodollar) الذي أعاد تدوير الفوائض النفطية في الأصول الأمريكية، مما عزز الطلب على الدولار بشكل دائم.
لكن هذه الهيمنة بدأت تواجه تحديات متزايدة على عدة مستويات. أولاً، تراجع حصة الولايات المتحدة في الناتج العالمي مقابل صعود اقتصادات جديدة مثل الصين والهند. ثانياً، السياسات النقدية الأمريكية المتقلبة التي تسبب صدمات خارجية على بقية العالم، حيث يؤدي رفع أسعار الفائدة الفيدرالية إلى هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة وارتفاع تكلفة خدمة ديونها المقومة بالدولار. ثالثاً، والأكثر أهمية، تحول الدولار إلى "سلاح" في الصراعات الجيوسياسية، حيث تم استخدام استبعاد روسيا من نظام SWIFT وتجميد أصولها كأداة ضغط، مما أثار مخاوف دول عديدة من أن تكون التالية في قائمة العقوبات .
هذه المخاوف دفعت مجموعة البريكس إلى البحث عن بدائل، ليس بهدف "الإطاحة" بالدولار بشكل مفاجئ، ولكن بهدف بناء "مسارات موازية" تقلل من التعرض للمخاطر الجيوسياسية والنقدية المرتبطة بالاعتماد الحصري على الدولار .
ثانياً: مبادرات البريكس للتسويات بالعملات المحلية: بين الطموح والواقع
شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في آليات التسويات بالعملات المحلية داخل مجموعة البريكس. ففي عام 2023، أبرمت الصين والبرازيل اتفاقاً لاستبعاد الدولار كعملة وسيطة في تجارتهما الثنائية، مما أتاح التسوية المباشرة باليوان والريال البرازيلي . وبحلول عام 2025، وصلت نسبة التجارة بين روسيا والصين المسوّاة بالروبل واليوان إلى 99.1% ، كما ارتفعت نسبة التجارة داخل البريكس التي تتم بالعملات المحلية إلى ما يقرب من 50%، مقارنة بـ20-30% قبل عقد من الزمن .
هذه التطورات لم تأت من فراغ، بل استندت إلى تطوير بنية تحتية مالية موازية. من أبرز هذه المبادرات:
1. نظام BRICS Pay: هو منصة للمدفوعات عبر الحدود تهدف إلى ربط أنظمة الدفع الوطنية في دول البريكس، مثل نظام CIPS الصيني (الذي يربط 189 دولة ومنطقة)، ونظام UPI الهندي (المقبول في 9 دول)، ونظام SPFS الروسي (المستخدم في 24 دولة)، ونظام PIX البرازيلي . يتيح هذا الربط إجراء المعاملات بالعملات المحلية مباشرة دون الحاجة إلى عملة وسيطة، باستخدام تقنيات مثل رموز الاستجابة السريعة (QR) التي تخفض التكاليف وتسرع زمن التحويل .
2. بنك التنمية الجديد (NDB): يلعب هذا البنك، الذي أنشأته دول البريكس عام 2015، دوراً محورياً في تعزيز التسويات بالعملات المحلية من خلال تقديم تمويلات مقومة بالعملات الوطنية للدول الأعضاء. تهدف استراتيجية البنك لعام 2022-2026 إلى أن تصل نسبة التمويل بالعملات المحلية إلى 30% من إجمالي محفظته، مما يقلل من مخاطر سعر الصرف على الدول المقترضة .
3. مقترح "وحدة البريكس" (BRICS Unit): يجري اختبار وحدة تسوية جديدة مدعومة بسلة من عملات الدول الأعضاء، بنسبة 40% ذهب و60% عملات وطنية . لا تهدف هذه الوحدة إلى أن تكون عملة متداولة، بل وحدة حساب للتسوية التجارية تحد من مخاطر تقلبات أي عملة منفردة، وهي تعكس مقاربة "تعددية الأقطاب" في النظام النقدي دون التضحية بالسيادة النقدية للدول الأعضاء .
ثالثاً: التحديات البنيوية أمام نجاح التسويات بالعملات المحلية
رغم التقدم المحرز، تواجه تجربة التسويات بالعملات المحلية تحديات هيكلية كبيرة قد تحد من قدرتها على تقديم بديل حقيقي للنظام الدولاري. يمكن تصنيف هذه التحديات في ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: تقلبات أسعار الصرف وغياب آليات التحوط الموثوقة
عندما تتم التسوية بعملة وطنية مثل الروبل أو اليوان، يتعرض الطرف المصدر لخطر تقلبات سعر الصرف خلال الفترة الفاصلة بين إتمام الصفقة واستلام المدفوعات. ونظراً لتباين أنظمة أسعار الصرف بين دول البريكس (بعضها ثابت، وبعضها معوم، وبعضها مُدار)، فإن التقلبات قد تكون كبيرة وتسبب خسائر على الميزانيات العمومية للبنوك المركزية . وحتى الآن، لا توجد آلية موحدة للتحوط من هذه المخاطر على مستوى المجموعة، مما يجعل بعض الدول تتردد في التوسع في هذه التسويات.
ثانياً: أزمة السيولة وقابلية إعادة استخدام العملات المحلية
تواجه التسويات بالعملات المحلية مشكلة أساسية تتعلق بسيولة العملات المستقبلة. فإذا كانت دولة مثل البرازيل تحقق فائضاً تجارياً مع جنوب أفريقيا، فإنها ستتراكم لديها كميات كبيرة من الراند الجنوب أفريقي. لكن إذا رفضت دولة ثالثة (مثل الهند) قبول الراند في تجارتها مع البرازيل، تتحول هذه العملة إلى أصل غير سائل، لا يمكن توظيفه في تمويل التجارة أو الاستثمارات الأخرى . هذا ما يُعرف بـ "مشكلة الفائض العالق" (stranded surplus)، والتي تكشف حدود المقايضات الثنائية في غياب آلية تعددية لتسوية الأرصدة.
ثالثاً: الاختلالات الجيوسياسية والتباين في المصالح الوطنية
يمثل التنوع السياسي داخل البريكس تحدياً كبيراً. فالهند، رغم عضويتها في المجموعة، أعلنت مراراً رفضها لأي عملة موحدة، واعتبرت أن الدولار يشكل مصدراً للاستقرار الاقتصادي العالمي . كما أن التوترات الحدودية بين الهند والصين تقوض أي تعاون نقدي وثيق بين أكبر اقتصادين في المجموعة. حتى الصين نفسها، رغم دفعها لتدويل اليوان، لا تبدو مستعدة أو راغبة في تحمل مسؤولية أن تكون "عملة مرساة" لبريكس، نظراً لاستمرار قيود رأس المال وضعف قابلية التحويل الكامل لليوان .
علاوة على ذلك، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على بعض الدول لثنيها عن الانخراط في مشاريع إزالة الدولرة. فقد هدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على دول البريكس التي تفكر في عملات بديلة، مما دفع دولاً مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا إلى التخفيف من موقفها العلني تجاه المشروع .
رابعاً: آفاق التحول نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب
في ضوء هذه التحديات، كيف يمكن تقييم مستقبل التسويات بالعملات المحلية؟ تشير المعطيات المتاحة إلى أن التحول الجاري ليس ثورة نقدية تطيح بالدولار بين ليلة وضحاها، بل هو تحول تدريجي نحو تنويع الخيارات المتاحة أمام الاقتصادات الناشئة، وهو ما يمكن وصفه بـ "الواقعية العملية" (practical gradualism) .
هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للمستقبل:
السيناريو الأول: استمرار الهيمنة الدولارية مع توسع هامشي للبدائل
في هذا السيناريو، تظل مكانة الدولار كعملة احتياطية أولى مهيمنة، نظراً لعمق الأسواق المالية الأمريكية وغياب بديل يجمع بين السيولة والاستقرار والثقة المؤسسية. لكن في الوقت ذاته، تتوسع استخدامات العملات الوطنية (خاصة اليوان والروبية) في التجارة الثنائية بين دول الجنوب العالمي، وخاصة في القطاعات التي لا تتعارض مع المصالح الأمريكية الكبرى.
السيناريو الثاني: تشكل نظام نقدي متعدد الأقطاب
هذا السيناريو يفترض تسارعاً في اتجاهات التنويع، حيث تصبح التسويات بالعملات المحلية تمثل نسبة معتبرة (ربما 30-40%) من التجارة العالمية، مع تطور آليات تعددية لتسوية الأرصدة (مثل وحدات الحساب المشتركة) وتوسع شبكات أمان مالي إقليمي تقلل الحاجة للاحتياطيات الدولارية. هذا السيناريو يعكس تحولاً تدريجياً نحو تعدد الأقطاب النقدية، دون أن يؤدي إلى انهيار الدولار.
السيناريو الثالث: انهيار مفاجئ للنظام الدولاري
هذا سيناريو متطرف يفترض فقدان الثقة الكامل في الدولار نتيجة أزمة مالية أمريكية كبرى، أو تصعيد جيوسيراسي غير مسبوق يؤدي إلى تحالف واسع من الدول الرافضة للدولار. لكن هذا السيناريو يبدو مستبعداً في المدى المنظور، نظراً لعدم وجود بديل جاهز يمتلك نفس خصائص الدولار من سيولة وعمق وشبكات ثقة .
تشير أغلب التحليلات إلى أن السيناريو الثاني (تعدد الأقطاب التدريجي) هو الأكثر ترجيحاً. فبدلاً من محاولة استبدال الدولار، تعمل دول البريكس على بناء "فضاء تشغيلي" أقل اعتماداً على الدولار، من خلال: (1) زيادة حصة التجارة المسوّاة بالعملات المحلية، (2) تطوير أنظمة دفع مستقلة وآمنة، (3) تعزيز التمويل بالعملات المحلية عبر بنك التنمية الجديد، و(4) تنويع الاحتياطيات الدولية عبر زيادة حيازات الذهب والعملات الأخرى .
خامساً: الدروس المستفادة للعالم العربي
يمثل تحول البريكس نحو التسويات بالعملات المحلية تجربة مهمة للدول العربية، خاصة تلك التي انضمت حديثاً للتكتل مثل مصر والإمارات والسعودية. يمكن استخلاص عدة دروس:
أولاً: التنويع الاستراتيجي لا يعني القطيعة مع الدولار
إن الانخراط في آليات التسويات البديلة لا يستلزم التخلي عن الدولار بشكل كامل، بل هو وسيلة لتنويع الخيارات وتقليل المخاطر. فمصر، على سبيل المثال، أصدرت سندات "الباندا" المقومة باليوان كجزء من استراتيجية تنويع مصادر التمويل، مع احتفاظها باحتياطيات كبيرة بالدولار .
ثانياً: البنية التحتية المالية شرط أساسي
لا يمكن للتسويات بالعملات المحلية أن تنجح دون وجود أنظمة دفع وطنية متطورة قادرة على التواصل مع نظيراتها الإقليمية والدولية. الدول العربية مطالبة بتطوير بنيتها التحتية المالية، وتحديث أنظمة المدفوعات، وإعداد الأطر القانونية والتنظيمية التي تسمح بالتسويات بالعملات المحلية.
ثالثاً: التكامل الإقليمي يعزز الموقف التفاوضي
إن التحول نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب يتطلب تنسيقاً عربياً أكبر، سواء عبر تفعيل دور صندوق النقد العربي، أو إنشاء آليات تسوية إقليمية، أو تعزيز التجارة البينية المقومة بالعملات المحلية. فالتكامل الإقليمي يخلق كتلة اقتصادية أكبر قادرة على التفاوض بشروط أفضل في النظام المالي العالمي.
الخاتمة
تمثل التسويات بالعملات المحلية في إطار مجموعة البريكس محاولة جادة لبناء نظام مالي دولي أقل اعتماداً على الدولار، وأكثر قدرة على استيعاب تعددية الأقطاب في الاقتصاد العالمي. ورغم أن هذه المحاولة تواجه تحديات هائلة تتعلق بتقلبات أسعار الصرف، ومشكلات السيولة، والتباين في المصالح الوطنية، فإنها استطاعت خلال سنوات قليلة أن تحقق تقدماً ملموساً، خاصة في مجال التجارة الثنائية بين الدول الكبرى في التكتل.
إن التحول المطلوب ليس ثورة نقدية تطيح بالدولار بين عشية وضحاها، بل هو مسار طويل من التنويع التدريجي وبناء المسارات الموازية. فالدولار سيظل لفترة مقبلة العملة المهيمنة، نظراً لعمق الأسواق المالية الأمريكية وشبكات الثقة الراسخة. لكن ما يتغير هو أن العالم أصبح يمتلك اليوم خيارات إضافية: يمكن للدول أن تتاجر بالروبل أو اليوان أو الريال، وأن تمول مشروعاتها عبر بنك التنمية الجديد، وأن تستخدم أنظمة دفع لا تمر عبر سويفت.
بالنسبة للدول العربية، يمثل هذا التحول فرصة استراتيجية لتنويع شراكاتها الاقتصادية والمالية، وتقليل تعرضها للصدمات الخارجية، وتعزيز سيادتها الاقتصادية. لكن استغلال هذه الفرصة يتطلب استثماراً حقيقياً في البنية التحتية المالية، وتطويراً للأطر القانونية والتنظيمية، وتنسيقاً عربياً أكبر. فالنجاح في بناء نظام نقدي متعدد الأقطاب ليس حتمياً، بل هو رهين بقدرة دول الجنوب العالمي على تحويل طموحاتها المشتركة إلى مؤسسات وآليات فعالة، تتجاوز مرحلة التصريحات إلى واقع عملي ملموس.
المراجع :
