اتخذت دول منطقة جنوب القوقاز (أذربيجان، أرمينيا، جورجيا)، والتي تقع في شمال إيران، منحى نأت فيه بنفسها عن تداعيات الحرب الأمريكية الصهيونية علىطهران، والتي اندلعت صبيحة يوم 28فبراير 2026؛ إذ اتخذت تلك الدول موقفاً دبلوماسياً حذراً، يبتعد بها عن الانحياز أو الاصطفاف مع أي طرف، وكان موقفها في المجمل، يدعو إلى التهدئة ووقف التصعيد.
والواقع يُشير إلى أن دول جنوب القوقاز ترتبط بعلاقات جيدة سياسياً واقتصادياً وثقافياً مع أطراف عدّة على المستوييْن الإقليمي والدولي، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وتركيا وروسيا وإيران وغيرها.
حياد حَذِرْ:
تبنت دول منطقة جنوب القوقاز، مواقف دبلوماسية حذرة تجاه الصراع في الشرق الأوسط، ويمكن إجمال ذلك على النحو التالي:
1. أرمينيا: لم تتخذ يريفان موقفاً علنياً تجاه الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، رغم أن الأخيرة تعتبر أرمينيا صديقاً تاريخياً بالنسبة لها؛ إذ يتشارك الجانبان (الإيراني والأرميني) حدوداً برية، كما يرتبطان بعلاقات تجارية يبلغ حجمها نحو مليار دولار، بحسب تصريح السفير الإيراني لدى أرمينيا، مهدي سبحان، في يوليو 2024، كما دعمت إيران أرمينيا في حروبها مع أذربيجان حول إقليم "ناغورني قره باغ".
ومن ثمّ، فإن الصراع الراهن قد يؤدي إلى حدوث خلل في مستوى التبادل التجاري بين البلدين، فضلاً عن تأثر حجم التجارة الخارجية ليريفان عموماً، والتي تعتمد على إيران، كممر حيوي، فيما يتعلق بنحو 25% من تجارتها، عبر الموانئ الإيرانية؛ ولا سيما ميناء بندر عباس على الخليج العربي، وذلك في ضوء غياب المنافذ البديلة عبر الحدود مع أذربيجان (التي تجاور أرمينيا من جهة الشرق) وتركيا (التي تجاور أرمينيا من جهة الغرب)، في ضوء الأزمات التي تحدث بين أرمينيا من جهة وأذربيجان وحليفتها تركيا من جهة أخرى.
كما قد يؤثر الصراع في إيران في أرمينيا في أبعاد أخرى عديدة؛ ومنها:
- اضطرابات في طرق نقل الطاقة.
- ضغوط إدارة وتأمين الحدود.
- مخاطر الهجرة المُحتملة.
وهو ما يجعل أرمينيا الدولة الأكثر عرضة للتأثر بين دول منطقة جنوب القوقاز، بفعل الصراع في الشرق الأوسط.
2. أذربيجان: أعلنت باكو، منذ بداية الحرب الإيرانية، عدم السماح باستخدام أرضها أو مجالها الجوي أو البحري لشن أية هجمات على إيران، إلا أنها تعرضت لهجوم باستخدام ثلاث مسيرات، تم إسقاط إحداها، وأصابت الثانية صالة الركاب في مطار إقليم نخجوان ذاتي الحكم التابع لأذربيجان، والثالثة وقعت بالقرب من مبنى مدرسة في قرية شكر أباد؛ ما أسفر عن إصابة 4 مدنيين، وقد اتهمت باكو طهران بالتسبب في الحادث، واستدعت باكو السفير الإيراني احتجاجاً على ذلك، وسحبت أذربيجان على إثره موظفي سفارتها في طهران وقنصليتها في تبريز في 6مارس 2026، بل وأمر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، الجيش بالتحضير لشن هجمات انتقامية ضد إيران، واصفاً ما قامت به طهران بـ"العمل الإرهابي والعدواني الذي لا مبرر له".
وجدير بالذكر أن العلاقات بين أذربيجان وإيران، ورغم الجوار الجغرافي والتقارب المذهبي والديمغرافي، لم تكن على ما يرام، خلال العقود الماضية؛ إذ تزعم إيران أن بعض الأعمال العدائية التي نفذت في إيران، خلال السنوات الماضية، انطلقت من أذربيجان، وهي تُهم تنفيها باكو بشدة، كما تدفع أرذبيجان باتجاه إنشاء "ممر زانجيزور"، ليربطها مع إقليم نخجوان التابع لها والواقع في دولة أرمينيا؛ وهو الممر الذي ترى طهران أنه يفصلها عن أرمينيا؛ ومن ثم عن الدول الأوروبية.
ومع ذلك؛ فقد حافظت الدولتان (إيران وأذربيجان) على مستوى معين من التعاون وسقف محدد من التوتر. فعلى سيبل المثال، قبل بدء الحرب الإيرانية بأربعة أيام، وقّع البلدان وثيقة تحدد مُبادرات مشتركة في 10 قطاعات، مثل النقل والطاقة والكهرباء والمياه. وشملت الخطط ربط شبكات الكهرباء بين البلدين وتصدير الكهرباء من أذربيجان إلى إيران.
وبالتالي، قد تتأثر التجارة بين البلدين بالصراع، لكن ليس بنسبة كبيرة، على أساس أن حصة إيران في تجارة أذربيجان الخارجية لا تتجاوز 1.3%؛ ما يجعلها شريكاً تجارياً صغيراً نسبياً؛ ومن ثم فحتى لو عطلت الحرب بعض الواردات الإيرانية؛ تستطيع أذربيجان تنويع مصادرها من دول أخرى.
3. جورجيا: رغم أن جورجيا لا تشترك في حدود مع إيران؛ فإن السنوات القليلة الماضية شهدت حالة من التقارب بين الحزب الحاكم "حلم جورجيا" وإيران خاصة بعد أن بدأ في الابتعاد نسبياً عن الاتحاد الأوروبي. وبالنظر للأهمية الاستراتيجية التي يحظى بها خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان (BTC)، والذي يُعد أحد أهم ممرات الطاقة التي تربط منطقة بحر قزوين بالأسواق العالمية؛ وبالتالي فإن أي هجوم مُحتمل على الخط ستكون له تداعيات خطرة ليس فقط على أمن الطاقة الإقليمي، بل أيضاً على الاستقرار الإقليمي وأسواق النفط العالمية، وكذلك اقتصاد جورجيا، وعلاقتها مع إيران، التي باتت تنظر إليها تبليسي كشريك مُحتمل في ظل فتور علاقاتها مع الغرب.
انعكاسات مُحتملة:
من المُتوقع أن يُسهم التصعيد العسكري بين إيران وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في إعادة تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي والدولي بمنطقة القوقاز، وهو الأمر الذي يتضح في ملامح عدة يتمثل أبرزها في:
1. مزيد من التقارب بين أرمينيا وأذربيجان: رغم حالة الزخم غير المسبوقة التي أوجدتها "قمة واشنطن" لإنهاء الخلافات بين أرمينيا وأذربيجان وترسيخ سلام دائم فيما بينهما، والتي عقدت في 8أغسطس 2025؛ فإن ذلك لم يتحقق كما كان منصوصاً عليه بموجب اتفاق السلام الذي تم توقيعه بالأحرف الأولى بين الدولتين؛ لذا تؤشر الحرب الدائرة في إيران على أهمية تحقيق استقرار وأمن دائمين في جنوب القوقاز، باعتبارهما عنصراً مهماً في مرونة المنطقة وازدهارها؛ لأن استمرار حالة عدم الاستقرار الحالية يجعل جنوب القوقاز أكثر عرضة للصدمات والتأثيرات الخارجية.
وبالنظر إلى إعلان يريفان، في أكثر من مناسبة، استعدادها للتوقيع النهائي والتصديق على اتفاق السلام وفتح الحدود بالكامل مع أذربيجان وتركيا، من المرجح أن تدفع حرب إيران كلاً من أذربيجان وأرمينيا للتخلي عن سياسة المماطلة والسعي نحو التطبيع الكامل للعلاقات، والشاهد على ذلك هو تأكيد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، على هامش كلمته في منتدى باكو العالمي الثالث عشر، في 12 مارس 2026، التزام أذربيجان بالسلام قائلاً: "ليس فقط سلاماً طويل الأمد، بل سلاماً أبدياً".
2. انفتاح تركي على أرمينيا: من المُتوقع أن تدفع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وإعادة تشكل خريطة النفوذ في جنوب القوقاز؛ تركيا إلى بذل المزيد من الجهود باتجاه التطبيع الكامل لعلاقتها مع أرمينيا، ولا سيما بعد حل النزاع على إقليم "ناغورني قره باغ" لصالح أذربيجان، وكون أنقرة فاعلاً رئيسياً في "ممر زانجيزور" أو "ممر ترامب للسلام والازدهار"، وهو الاسم الذي أطُلق عليه بعد رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاتفاق السلام بين باكو ويريفان والتعهد بتدشين استثمارات أمريكية واسعة في إنشاء هذا الممر، الذي يقع ضمن سيادة يريفان الرسمية ويعزز إيرادات العبور الخاصة بالأخيرة في هذا الإطار.
كما أن الممر من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة أمام أرمينيا من أجل تعزيز مكانتها على خريطة العلاقات والشراكات الاقتصادية الدولية عبر بوابتيْ تركيا وأذربيجان؛ وقد ينهي - حال إنشائه- حالة العزلة التي فرضتها حدود أرمينيا المغلقة مع أذربيجان شرقاً وتركيا غرباً.
وبالنسبة لتركيا، سيوفر لها الممر مسارات تكامل جديدة في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية الرقمية. ومع وجود السكك الحديدية وخطوط أنابيب النفط والغاز وشبكات الألياف البصرية المخطط لها على طول الطريق، قد تبرز تركيا كبوابة إقليمية للطاقة والاتصالات. وإضافة إلى ذلك، قد يعزز الممر الميزات التنافسية لتركيا في قطاع اللوجستيات، لا سيما من خلال موانئها في إسطنبول وجنوب محافظة مرسين، والتي تُعد بوابات رئيسية للأسواق الأوروبية. وعند دمجه مع خط سكة حديد "باكو- تبليسي- قارص" ضمن الممر الأوسط، من خلال خفض تكاليف النقل وأوقات التسليم بشكل كبير؛ فإن ذلك سيوفر الفرصة لتركيا لأن تصبح فاعلاً محورياً في سلاسل التوريد العالمية من خلال بناء جسر لوجستي بين الشرق والغرب.
3. نفوذ أمريكي متنامٍ في جنوب القوقاز: ربما يدفع تصاعد المواجهات مع إيران في الشرق الأوسط إلى اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية لتعزيز نفوذها في منطقة القوقاز؛ بما يمكنها من تطويق حدود إيران الشمالية، ولا سيما أن السياق الجيوسياسي في المنطقة بات مواتياً لذلك؛ حيث ترى يريفان في علاقاتها المتنامية مع واشنطن والقوى الغربية جزءاً من استراتيجيتها لتنويع علاقاتها الخارجية، وتعتبر تعاونها مع واشنطن ضمانة أمنية متزايدة بعد سنوات من الحرب والضغوط التي مارستها أذربيجان، ولعل الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أرمينيا في 9 فبراير 2026، تصب في هذا الاتجاه.
هذا إلى جانب العلاقات المتنامية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأذربيجان، والتي زارها أيضاً دي فانس، في اليوم التالي لزيارته أرمينيا، ووقع على إثرها شراكة استراتيجية مع باكو شملت مجالات متعددة مثل الطاقة والأمن وتعزيز العلاقات التجارية.
4. زيادة أهمية "ممر ترامب للسلام": قد يواجه مشروع ترامب للسلام والازدهار مزيداً من التحديات على خلفية المساعي المحتملة من قبل طهران لتقويض المشروع من خلال زيادة حدة عدم الاستقرار في هذه المنطقة؛ الأمر الذي يحد من قدرته على نقل كميات كبيرة من المعادن الحيوية إلى الأسواق الغربية، كما هو منصوص عليه في الاتفاقية، ويجعله مجرد حلقة وصل محلية بين أذربيجان وإقليم "نخجوان" وتركيا، دون تحقيق السلام والازدهار الدوليين.
ومع ذلك، من شأن الحرب مع إيران أن تبرز أهمية هذا الممر؛ على خلفية رغبة دول هذه المنطقة في تنويع سلاسل التوريد في ظل الآثار السلبية التي فرضها ضعف منظومة الإمداد الإيرانية في ظل غياب طهران كإحدى أهم مراكز العبور لمبادرة "الحزام والطريق"، والتي تسمح بمرور البضائع من الصين إلى أوروبا. وبالتالي، يجعل ذلك "الممر الأوسط"- المعروف باسم "طريق النقل الدولي عبر قزوين" (TITR)، وهو طريق نقل بري بحري يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى، و"ممر ترامب للسلام"؛ طرقاً أكثر جاذبية. فمن وجهة نظر أذربيجان على سبيل المثال، فإن توتراتها مع إيران تعزز أهمية ممر ترامب، على الأقل كحلقة وصل مع إقليم نخجوان وتركيا، ولا سيما أنها قد تكون أقل ميلاً لاستخدام ممر "آراس" الذي يربط أذربيجان بإقليم نخجوان عبر الأراضي الإيرانية.
5. فرصة وتعقيد بالنسبة لروسيا: تستفيد روسيا من الارتفاع المؤقت في أسعار النفط والغاز كأحد التداعيات المباشرة للصراع الراهن في المنطقة، كما إن إضعاف إيران المُحتمل نتيجة للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدها؛ قد ينتج عنه انشغال إيران بشؤونها الداخلية لمعالجة ما خلفته الحرب، وقد يفسح المجال لروسيا لممارسة دور أكبر في منطقة جنوب القوقاز.
إلا أن تنامي الانخراط الأمريكي والأوروبي في جنوب القوقاز من شأنه أن يضع حداً لنفوذ روسيا في هذه المنطقة، كما يدعم ذلك، عدداً من المحددات، والتي تمثل أبرزها في إعلان منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في الأول من سبتمبر 2025 عن إغلاق مجموعة "مينسك" التي كانت مكلفة بحل النزاع الأرميني الأذربيجاني والهياكل المرتبطة بها، والتي كانت تتداول كل من روسيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية رئاستها؛ الأمر الذي يعني انفراد الأخيرة بموجب اتفاق السلام الذي تم توقيعه بين أرمينيا وأذربيجان بإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في تلك المنطقة دون مشاركة موسكو.
ويُضاف لذلك، إنهاء الوجود العسكري الروسي في أرمينيا بعد توقيعها اتفاقاً للسلام مع أذربيجان في أغسطس 2025؛ حيث مثَّلت قاعدة "جيومري" العسكرية الروسية في أرمينيا أداة رئيسية استخدمتها موسكو في الحفاظ على وجودها الاستراتيجي في تلك المنطقة؛ ومن ثم فقد يدفع تعزيز العلاقات الثنائية ليريفان مع الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية أرمينيا إلى مطالبة روسيا بتفكيك القاعدة.
كما أنه من شأن إنشاء "ممر ترامب للسلام" أن يسفر عن تراجع دور روسيا على طرق الممرات في جنوب القوقاز، التي تُعد مركز الممرات الدولية التي تربط بين وسط آسيا وأوروبا؛ وهو ما كانت روسيا تعول عليه من أجل تعزيز دورها في مواجهة القوى الأوروبية وخاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. ويتوازى ذلك مع إمكانية أن تساعد الحرب مع إيران على تعطيل التقدم في ممر "شمال جنوب"، الذي تُعول عليه كل من روسيا وإيران في التحول إلى محاور رئيسية لإمدادات الطاقة إلى أوروبا، عبر ربط الأخيرة بالهند ومنطقة آسيا الوسطى والقوقاز.
وفي الختام، يمكن القول إنه من المرجح أن تشهد منطقة جنوب القوقاز تغييرات عقب انتهاء الحرب الإيرانية، لجهة اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية نحو تعزيز نفوذها فيها على حساب كل من روسيا وإيران؛ حيث إن ضعف الأخيرة قد يُؤدي إلى تآكل نفوذها في هذه المنطقة مثلما حدث في منطقة الشرق الأوسط بعد حرب غزة. وفي هذه الحالة، ستتمتع أذربيجان بلا شك بمساحة أكبر لتوثيق علاقتها مع أرمينيا وتوطيد موقف حليفتها (تركيا)، والتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لدفع جهود إنشاء ممر ترامب للسلام والازدهار.
المراجع
_ ميرفت زكرياء، 6/4/2026، كيف تؤثر الحرب الإيرانية في التوازنات بمنطقة القوقاز؟، المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة.
_ محمد قاسم، 1/4/2026، كيف تُعيد الحرب على إيران رسم التوازنات في جنوب القوقاز؟، قناة انذار.
