تحولات مفهوم الثقة بين الحلفاء في عصر المحتوى الاصطناعي المولد
فرع بنغازي

كان مفهوم الثقة بين الحلفاء على الدوام حجر الزاوية في أي تحالف عسكري أو سياسي ناجح. هذه الثقة، التي تُبنى عبر عقود من التعاون وتبادل المعلومات والتنسيق الاستراتيجي، تجسدت في مؤسسات متعددة المستويات: من غرف العمليات المشتركة وهيئات التخطيط الاستراتيجي، إلى شبكات تبادل المعلومات الاستخباراتية ومنظومات الاتصالات العسكرية الآمنة. لقد كانت الثقة، في جوهرها، ركيزة غير ملموسة لكنها ملموسة العواقب: من دونها، تصبح العمليات المشتركة مستحيلة، ويصبح تبادل أسرار الأمن القومي محفوفاً بالمخاطر، وتنهار قدرة التحالفات على الصمود في وجه الأزمات.

لكن هذا المفهوم الراسخ بات في العقود الأخيرة مهدداً من جذوره، بفعل ثورتين متتابعتين: أولاهما ثورة الاتصالات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، التي غيرت طبيعة الفضاء العام وقلبت موازين التأثير الإعلامي التقليدي. والثانية، الأكثر عمقاً ودهشة، ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، التي جعلت إنتاج محتوى بالغ الواقعية والتنوع متاحاً ليس فقط للدول العظمى بل لأي جهة فاعلة تمتلك اتصالاً بالإنترنت وحساباً على إحدى المنصات السحابية.

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان المحتوى الذي يتلقاه الحلفاء موثوقاً به أم لا، بل أصبح السؤال الوجودي هو: هل يمكن أصلاً الوثوق بأي معلومة في بيئة مشبعة بالمحتوى الاصطناعي المولد؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي – أو حتى بالتذبذب – فإن تداعيات ذلك على منظومة التحالفات الدولية قد تكون مدمرة. فإذا شك قائد عسكري في معلومة استخباراتية قدمها حليفه، خشية أن تكون قد اختُرقت أو زُورت، فإن الثمن قد يكون أرواحاً وليس مجرد تأخير في اتخاذ القرار.

تظهر هذه المعضلة بوضوح في الصراعات الأخيرة. ففي الحرب الأمريكية الإيرانية التي اندلعت في فبراير 2026، استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق غير مسبوق لتوليد مواد دعائية مضللة. ورصدت صحيفة نيويورك تايمز أكثر من 110 صورة ومقطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي خلال الأسابيع الأولى وحدها، حصدت ملايين المشاهدات. لكن هذه الظاهرة لم تقتصر على طرف واحد؛ بل استخدمت كل من الولايات المتحدة وإيران المحتوى الاصطناعي في حملاتها الدعائية، كل بطريقته. وما زاد الطين بلة أن هذا المحتوى لم يعد محصوراً في الحسابات الهامشية، بل تسرب عبر منصات شبه رسمية وحسابات مؤثرة، مما جعل من الصعب على الحلفاء تمييز الحقيقي من المزيف.

هذه ليست مجرد أزمة تقنية عابرة تُحل بتطوير أنظمة كشف أفضل. إنها أزمة معرفية ووجودية بالمقام الأول. إنها تتعلق بكيفية معرفة ما نعرفه، وكيف نبني الثقة في عالم أصبح فيه التزييف أسهل من التحقق، وأصبحت فيه الرؤية بالعين المجردة – أو حتى بالكاميرات والأقمار الاصطناعية – غير كافية لتأكيد حقيقة ما نراه.

يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل معمق لتحولات مفهوم الثقة بين الحلفاء في عصر المحتوى الاصطناعي المولد. وسنبدأ باستعراض الإطار النظري الذي يؤطر هذه التحولات، مع التركيز على مفهومي "الواقعية المفرطة" و"الأمن المعرفي". ثم ننتقل إلى تحليل آليات تآكل الثقة، من خلال تفكيك البناء الدعائي للمحتوى الاصطناعي وكيفية استغلاله مهنياً وعسكرياً. بعد ذلك، نتبع ذلك بتحليل متعمق لتأثير هذه التحولات على العلاقات بين الحلفاء، مسلطين الضوء على مفارقة الخطاب الرسمي واستخدامات التزييف العميق ضد النخب. أخيراً، نستعرض سيناريوهات المستقبل المحتملة، مستشرفين آليات التعافي من أزمة الثقة، مع تقديم توصيات استراتيجية لمواجهة هذا التحدي الوجودي.

 

أولاً: الإطار النظري والمفاهيمي

لفهم عمق التحولات التي تطرأ على مفهوم الثقة بين الحلفاء، نحتاج إلى استعراض بعض المفاهيم النظرية الأساسية التي تؤطر المشكلة وتفسر ديناميكياتها المعقدة.

1. الثقة في العلاقات الدولية: من الثقة الشخصية إلى الثقة المؤسسية

تقليدياً، كانت الثقة بين الحلفاء تقوم على مزيج من العوامل الشخصية والمؤسسية. على المستوى الشخصي، بنى القادة والدبلوماسيون والعسكريون علاقات ثقة عبر سنوات من التواصل المباشر والالتقاء وجهاً لوجه. أما على المستوى المؤسسي، فاعتمدت الثقة على آليات موثوقة لتبادل المعلومات: قنوات اتصال آمنة، بروتوكولات مصادقة، أنظمة تحقق متعددة المستويات، وتقاسم المخاطر في العمليات المشتركة. كانت الثقة، في هذا السياق، سلعة نادرة تُبنى بصعوبة وتُفقد بسهولة، لكنها كانت قابلة للصيانة عبر إجراءات محددة وروتينية.

ولكن مع الثورة الرقمية، بدأت هذه الأسس التقليدية تتعرض للاهتزاز. فالاتصالات الرقمية، مهما كانت مشفرة، أصبحت عرضة للاختراق والتزوير. والاعتماد المتزايد على المعلومات المنقولة عبر الشبكات زاد من احتمالية التلاعب بها. ثم جاءت ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي لتفجر الوضع تماماً.

2. "الواقعية المفرطة": عندما تصبح المحاكاة أسبق من الواقع

ربما لا يمكن فهم تحولات الثقة في عصر المحتوى الاصطناعي دون العودة إلى أفكار الفيلسوف الفرنسي جان بودريار حول "الواقعية المفرطة" (Hyperreality). في تأملاته حول التكنولوجيا والثقافة المعاصرة، عبّر بودريار عن تآكل الحدود بين الواقع وتمثيلاته بفعل التقنيات الرقمية؛ حيث لا يصعب فقط التمييز بين الواقع ومحاكاته، ولكن تنفصل العلامات عن مرجعياتها الواقعية في محاكاة مرئية تختلق واقعاً بديلاً مستقلاً بذاته.

هذه الفكرة تجد تطبيقها المباشر في عالم المحتوى الاصطناعي المولد. فالمقاطع الدعائية التي تنتجها الحكومات والجهات الفاعلة المختلفة لم تعد تحاول تقليد الواقع بدقة، بل تسعى إلى تقديم نسخة مثالية منه: أكثر درامية، أكثر وضوحاً، أكثر إقناعاً. ولعل هذا يفسر المفارقة التي طرحها الباحثون: إذا كانت الهجمات تقع بالفعل، فلماذا تحتاج آلة الدعاية العسكرية لمحتوى اصطناعي يحاكي واقعاً يوجد بالفعل ما يوثقه؟ الجواب هو أن الذكاء الاصطناعي لا يتعلق هنا بكونه زيفاً؛ لكنه مطلوب لتمثيل الواقع بطريقة أكثر درامية وإعادة تعريف كيف يجب أن نرى هذه الحرب.

في عالم "الواقعية المفرطة"، لم تعد الثقة بين الحلفاء مسألة تحقق بسيطة (هل هذه المعلومة تتطابق مع الواقع؟)، بل أصبحت مسألة وجودية (هل لا يزال الواقع نفسه موجوداً كمرجع؟). عندما تختلط الحقيقة بالخيال في سائل إعلامي واحد، وعندما تصبح كل صورة قابلة للتزييف وكل مقطع فيديو قابلاً للافتعال، فإن الثقة في أي معلومة، حتى وإن كانت حقيقية، تتعرض للتآكل المستمر.

3. "الأمن المعرفي": حماية القدرة الجماعية على معرفة الحقيقة

في مواجهة هذا التآكل المعرفي، برز مفهوم "الأمن المعرفي" (Epistemic Security) كأحد أهم الأطر التحليلية لفهم التداعيات الأمنية للحرب المعلوماتية. وفقاً لتقرير معهد آلانتورينغ البريطاني لعام 2020، يركز هذا المفهوم على العمليات التي تنتج من خلالها المجتمعات المعلومات وتوزعها وتقيمها وتستوعبها، وكذلك على التهديدات التي تحد من الوصول إلى المعلومات أو تقوض القدرة على تقييم صحة المعلومات أو موثوقية مصادرها.

عندما تتعرض هذه القدرات الجماعية للاختراق، يصبح المجتمع – بما في ذلك النخب السياسية والعسكرية – أقل قدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة في الوقت المناسب. وفي سياق التحالفات، يعني ذلك أن الحلفاء قد يفقدون القدرة المشتركة على تحديد ما هو حقيقي وما هو مزيف، مما يعيق تنسيق الإجراءات الاستجابة للأزمات.

يتجاوز مفهوم الأمن المعرفي فكرة "الأمن السيبراني" التقليدي؛ فبينما يركز الأخير على حماية البنى التحتية الرقمية من الاختراق، يهتم الأول بحماية العمليات المعرفية التي تستخدم هذه البنى التحتية. فالهجوم على الثقة لا يحتاج بالضرورة إلى اختراق الخوادم أو تشفير الملفات؛ بل يكفي أن يزرع الشك في مصداقية المعلومات التي تتدفق عبرها. وهذا بالضبط ما يحدث عندما تغزو مقاطع التزييف العميق (deepfakes) الفضاء المعلوماتي.

4. إطار تحليلي مقترح: نموذج تآكل الثقة في عصر AIGC

بناءً على هذه الأسس النظرية، يمكن اقتراح إطار تحليلي لفهم تحولات مفهوم الثقة بين الحلفاء. يتكون هذا الإطار من ثلاث طبقات مترابطة:

طبقة التوليد: وتشمل قدرة الجهات الفاعلة المختلفة (دولية كانت أو غير حكومية) على إنتاج محتوى اصطناعي بالغ الواقعية والمصداقية الظاهرية. هذه القدرة تنمو بسرعة فائقة، وأصبحت متاحة بتكلفة منخفضة نسبياً.

طبقة الانتشار: وتشمل البيئة المعلوماتية التي يُنشر فيها هذا المحتوى. فمنصات التواصل الاجتماعي، بخوارزمياتها التي تعزز المحتوى الأكثر إثارة وجذباً للانتباه، تعمل كناقل فعال للمحتوى المزيف، وتنشره أسرع مما تستطيع آليات التحقق التقليدية احتواؤه.

طبقة الاستقبال: وتشمل متلقي هذا المحتوى، سواء كانوا جمهوراً عاماً (يتأثر رأيه بالسرديات المتداولة) أو نخباً حاكمة (تتخذ قرارات استراتيجية بناءً على المعلومات المتاحة). في هذه الطبقة، تلعب عوامل مثل الانحياز التأكيدي (confirmation bias) والاستقطاب العاطفي دوراً كبيراً في جعل الناس أكثر عرضة لتصديق المحتوى الذي يتوافق مع معتقداتهم المسبقة.

عندما تعمل هذه الطبقات معاً، يمكن أن تحدث "عاصفة ثقة كاملة": محتوى مزيف شديد الإقناع يُنشر بسرعة فائقة ويُصدق من قبل جماهير عريضة، مما يخلق حالة من الارتباك تجعل من الصعب حتى على النخب الحاكمة التمييز بين الحقيق والزائف.

ثانياً: آليات تآكل الثقة في عصر المحتوى الاصطناعي المولد

بعد استعراض الإطار النظري، ننتقل إلى تحليل الآليات المحددة التي يعمل من خلالها المحتوى الاصطناعي المولد على تآكل الثقة بين الحلفاء. هذه الآليات لا تعزل بعضها عن بعض، بل تتفاعل وتتداخل، مما يخلق منظومة معقدة من التضليل والتشكيك.

1. نموذج "السلسلة القصصية للقتل"

من أبرز الأطر التحليلية لفهم كيفية تصميم المضللات وتوزيعها لتحقيق أهداف نفسية محددة هو نموذج *"السلسلة القصصية للقتل" (Narrative Kill Chain) ،وهو النموذج الذي طوّرته شركة Sensity AI بالاعتماد على آلاف العيّنات من الحرب الأوكرانية. يكشف هذا النموذج عن هندسة عسكرية دقيقة في تصميم المضللات، حيث تُنتج مقاطع التزييف العميق كـ قذائف نفسية موجّهة"، تُستهدف بها فئات سكانية معينة (جنود على الجبهات، مدنيون في العمق، جمهور غربي) لإحداث تأثيرات معرفية محددة سلفاً.

في سياق التحالفات، تطبق هذه الهندسة على مستويين. المستوى الأول هو استهداف الرأي العام داخل الدول الحليفة. عبر نشر فيديوهات مزيفة تظهر جنوداً من دولة حليفة وهم يعتدون على مدنيين، أو تقارير صورية تزعم فساداً في قيادات عسكرية حليفة، يمكن تقويض الدعم الشعبي للتحالف وخلق ضغوط داخلية على الحكومات للانسحاب من العمليات المشتركة.

المستوى الثاني الأكثر خطورة هو استهداف النخب الحاكمة نفسها. فقد وثِّقت حالات في الصراعات الأخيرة لاستخدام التزييف العميق في انتحال شخصية قادة عسكريين، على سبيل المثال باستخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد مقاطع فيديو أو رسائل صوتية لقادة روس يزعمون أنهم أصدر أوامر انسحاب ليست حقيقية. عندما تتسرب هذه التقنيات إلى قنوات الاتصال بين قيادات الحلفاء، فإن مبدأ الثقة الأساسي الذي تقوم عليه العمليات المشتركة يصبح مهدداً بشكل مباشر. هل يمكن لقائد عسكري أمريكي أن يثق في تعليمات صوتية يتلقاها من نظيره البريطاني، إذا كان يعلم أن هناك تقنيات قادرة على تقليد صوته بدرجة عالية من الإتقان؟

2. تفكيك البناء الدعائي للمحتوى الاصطناعي

لتقدير مدى صعوبة مواجهة هذا التهديد، يجب تفكيك العناصر التي تجعل المحتوى الاصطناعي المولد بالغ الفعالية:

امتياز الرؤية الكاملة: غالباً ما تبهرنا مقاطع الفيديو والعروض المصطنعة بزوايا التصوير المثالية والمشاهد البانورامية التي تظهر لحظة الانفجار بوضوح كامل. لكن هذه المثالية البصرية تتعارض مع ما تلتقطه الكاميرات الحقيقية في ساحات المعارك: جهاز هاتف محمول مهتز يُخبأ في ملجأ، أو نافذة مظلمة يُسمع فيها وقع القنابل أكثر مما يُرى. هذا التباين بين الكمال الزائف والفوضى الحقيقية يجعل من الصعب على الحلفاء، الذين يعتادون على تغذية تقاريرهم بلقطات فعلية غير مصقولة، أن يثقوا في أي فيديو ناصع وجذاب يظهر فجأة على وسائل التواصل.

انتقاء المواقع ذات الدلالات الرمزية القوية: اختيار معالم معروفة ومناطق عسكرية ومطارات دولية وغيرها، وهي تتعرض للقصف والاشتعال، ليس من قبيل العبث. إنه اختيار مقصود من أجل بناء دلالي أكثر تأثيراً وذي حمولة رمزية عالية؛ حيث إن التمثيل البصري لهذه المواقع وهي مدمرة لا يعني فقط وقوع ضربة، بل قد يوحي بتراجع الهيبة وانتهاك السيادة.

الحشد العاطفي: لا تقتصر البنية البصرية للمحتوى المولد على مشاهد القصف والانفجار، بل تمتد إلى مستوى أكثر تعقيداً يتمثل في إنتاج عاطفة جماعية مصممة. يتكامل ذلك مع توليد مقاطع فيديو وصور لجنود باكين أو منهارين نفسياً، تستحضر البكاء كعلامة بصرية على اختلال ميزان القوة ورمز لهزيمة الخصم.

البناء الهجين: لا تعتمد بعض المواد المولدة على التزييف الكامل، وإنما تعمد إلى الخلط المعقد بين الحقيقي والمزيف؛ حيث يتم تضخيم مقاطع حقيقية مثل الحرائق، أو نقل صور من سياقات أخرى مثل عرض صور فيضانات كجزء من هجمات، وكذلك توظيف فيديوهات من ألعاب محاكاة الطيران كغارات فعلية. هذا الجمع بين عناصر صحيحة وأخرى مضللة داخل نفس الفيديو يمنحه المزيد من الواقعية ويجعل تفنيده أكثر صعوبة.

3. استراتيجية التشكيك المتبادل والتضليل الهجين

من أبرز الآليات التي تهدد الثقة بين الحلفاء هي استراتيجية التشكيك المتبادل التي تتبناها الأطراف المتصارعة؛ حيث يعمد كل طرف للتكتم على خسائره وتضخيم خسائر الآخر، ما يخلق حالة من الفراغ المعلوماتي وبيئة من عدم اليقين، تعزز انتشار المحتوى المولد ليس كأكاذيب وإنما كتفسيرات محتملة لا يمكن التحقق منها.

يتحول الذكاء الاصطناعي حينذاك إلى أداة لملء هذا الفراغ، يتلقفها المستخدمون تحت ضغوط الاستقطاب في أوقات الصراع، التي تقلل قدراتهم على التحقق وتجعلهم أكثر عُرضة لتصديق المحتوى المولد، بل وتبني مقولاته إذا كانت تتسق مع ما يؤيدونه. وهذا هو جوهر"الانحيازالتأكيدي": يميل المتلقي إلى تأكيد قراراته بالتعرض إلى المحتوى الذي يتسق مع ما يؤمن به ويعتقد، وهو ما يقلل قدرته على التفنيد العقلي بفعل الانحياز العاطفي، بل ويدفع إلى اتهام المفندين بالتحيز المغرض.

في سياق التحالفات، هذه الديناميكية تشكل خطراً مزدوجاً: ليس فقط أن الحلفاء قد يصدقون معلومات مضللة عن عدوه، بل إنهم قد يصدقون معلومات مضللة عن بعضهم البعض. فإذا انتشر فيديو مزيف يظهر جندياً من دولة حليفة وهو يرتكب فظائع، فإن الرأي العام في الدول الأخرى سيضغط على حكوماته لاتخاذ موقف، وقد تتعرض العلاقات الحليفة للاهتزاز حتى لو تبين لاحقاً أن الفيديو مُفبرك. بحلول ذلك الوقت، يكون الضرر السياسي قد وقع بالفعل.

4. هشاشة آليات التحقق التقليدية في وجه التزييف المتقدم

تتعرض آليات التحقق التقليدية – من فرق التدقيق الإعلامي إلى التوقيعات الرقمية – لضغوط غير مسبوقة في عصر المحتوى الاصطناعي المتقدم. فمع تزايد إتقان النماذج التوليدية لمحاكاة البشر والأصوات والصور، أصبح من الصعب حتى على الخبراء التمييز بين الحقيقي والمزيف بمجرد النظر أو الاستماع.

والأكثر إرباكاً هو ما كشفته الدراسات الحديثة حول تأثير علامات الإفصاح عن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي على ثقة الجمهور. دراسة نشرت في مجلة JCOMالمتخصصة في التواصل العلمي، أجراها الباحثان تينج لين ويي تشينج تشانج، وشارك فيها 433 شخصاً، كشفت عن ظاهرة أطلق عليها الباحثان اسم "تأثير التقاطع بين الحقيقة والزيف". فقد أدى وجود علامة تشير إلى أن المحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي إلى انخفاض مصداقية المعلومات الصحيحة بينما ازدادت مصداقية المعلومات المضللة. بعبارة أخرى، لم تساعد هذه العلامات المشاركين على التمييز بين الحقيقة والخطأ، بل أعادت توزيع الثقة بشكل غير منطقي: ثقة أقل بالصواب، وثقة أكبر بالخطأ.

هذه النتيجة مقلقة بشدة بالنسبة للتحالفات. فإذا كانت آليات التحقق نفسها قد تنتج نتائج عكسية عندما تطبق بشكل واسع، فإن الحلفاء قد يجدون أنفسهم في موقف صعب: الوسم قد يقلل الثقة في المعلومات الصحيحة، وعدم الوسم قد يسمح بانتشار المعلومات المضللة دون رادع. وهذا مأزق حقيقي يوضح تعقيد التحدي الذي يواجه بناء الثقة في بيئة معلوماتية شديدة التلوث.

ثالثاً: مظاهر تحول الثقة في صراعات العصر الرقمي

بعد تفكيك الآليات التي يعمل من خلالها المحتوى الاصطناعي المولد على تآكل الثقة، ننتقل إلى تتبع المظاهر الفعلية لهذه التحولات في الصراعات الأخيرة، مع التركيز على الحرب الأمريكية الإيرانية كنموذج حي.

1. حرب فبراير 2026: مختبر حي للثقة المصطنعة

شكلت الحرب الأمريكية الإيرانية منذ 28 فبراير 2026نموذجاً حياً لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في توليد المحتوى المزيف لأغراض الدعاية السياسية والعسكرية. وقد أكدت خدمات التدقيق المعلوماتي في مؤسسات إعلامية دولية مثل إذاعة ألمانيا ووكالة الأنباء الفرنسية ووكالة أسوشيتد برس ونيويورك تايمز على الحجم الهائل للمواد المولدة التي تم بثها في الأسابيع الأولى من الحرب.

ما يميز هذه الحرب ليس فقط حجم المحتوى المزيف، بل تنوعه وجرأته. فقد شملت المواد صوراً ومقاطع فيديو لأهداف عسكرية استراتيجية مزعومة، ولحظات انهيار نفسي لجنود الخصم، ومشاهد درامية لانفجارات هائلة وصواريخ عملاقة تطلق من مخابئ محصنة. بعض هذه المواد كانت تهدف إلى تعزيز الروح المعنوية للجمهور الداخلي، والبعض الآخر كان موجهاً إلى الجمهور الدولي للتأثير على الرأي العام، والبعض الثالث – وهو الأكثر خطورة – كان موجهاً مباشرة إلى صناع القرار في الدول الأخرى بهدف التأثير على تقييماتهم للموقف.

ورصدت صحيفة نيويورك تايمز ما يزيد عن 110 صورة ومقطع فيديو فريداً مولداً بالذكاء الاصطناعي خلال الأسبوعين الأولين من الصراع، بمعدل مشاهدة تجاوز الملايين. هذه الأرقام تعكس النطاق الهائل للظاهرة وتؤكد أنها لم تعد حالات فردية يمكن تجاهلها.

2. مفارقة الخطاب الرسمي: بين استخدام الخصم وشرعنةالذات

من أكثر مظاهر تحول الثقة إثارة للقلق هي المفارقة التي بدأت تظهر في الخطاب الرسمي للدول الكبرى. فبينما تُتهم إيران بشن حملات منسقة لنشر محتوى مضلل مولّد بالذكاء الاصطناعي، قامت الولايات المتحدة باستخدام مواد دعائية تمزج بين لقطات حقيقية ومشاهد من أفلام وألعاب فيديو لتمجيد القوة العسكرية الأمريكية. هذا الاستخدام لم يُقدم كتزييف، بل "كوسيلة فعالة لإظهار القوة"

هذا الانقسام في المعايير (حيث يوصف استخدام الطرف الخصم للمحتوى المولد بالتضليل الإجرامي، بينما يوصف استخدام نفس الأداة من طرفنا بالدعاية المشروعة) يخلق تآكلاً أخلاقياً واستراتيجياً. فإذا كان كل حليف يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لتجميل صورته وتقديم نفسه وقدراته بصورة مثالية، فسرعان ما يفقد الجميع القدرة على الوثوق بأي معلومة – حقيقية كانت أم مزيفة – يتلقونها من شركائهم.

هذه المفارقة تصل إلى ذروتها عندما تستخدم الحكومات نفسها التزييف العميق "لأغراض نبيلة". ففي إحدى الحالات الموثقة، قامت إدارة بايدن والعديد من الوكالات الحكومية باستخدام صور تم تعديلها أو توليدها بالذكاء الاصطناعي، غالباً دون الإفصاح عن استخدامها. هذا النوع من الممارسات، حتى لو كان بدافع تعزيز الأمن القومي أو تحسين التواصل مع الجمهور، يخلق سابقة خطيرة. إذا كانت الحكومة الأمريكية تستخدم المحتوى الاصطناعي المولد في حملاتها الدعائية، فكيف يمكنها اتهام الدول الأخرى بفعل الشيء نفسه؟ وإذا كانت الحكومات لا تلتزم بالشفافية في استخدامها لهذه التقنيات، فكيف يمكن للحلفاء أن يثقوا في أي معلومات تصلهم عبر القنوات الرسمية؟

3. استخدام التزييف العميق ضد النخب الحاكمة

لا يقتصر استخدام التزييف العميق على التأثير في الرأي العام، بل يمتد ليستهدف النخب الحاكمة نفسها. في هذا السياق، وثِّقت حالات مقلقة من انتحال شخصيات قادة عسكريين وسياسيين.

أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في منتصف ديسمبر 2025، عندما تم تداول فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يزعم حدوث انقلاب عسكري في فرنسا وإطاحة بالرئيس إيمانويل ماكرون. والمفزع في الأمر أن أحد القادة الأفارقة صدق الفيديو وأرسله إلى الرئيس ماكرون. هذه الحادثة توضح أن حتى أعلى المستويات في الهرم السياسي ليست محصنة ضد التضليل المتقدم. إذا كان قائد دولة – وهو شخص لديه إمكانية الوصول إلى أفضل خدمات الاستخبارات والتحقق – يمكن أن يصدق فيديو مزيفاً، فماذا عن النخب الأقل حماية داخل التحالفات؟

الأكثر خطورة هو أن هذه التقنيات يمكن استخدامها لزرع أوامر مضللة داخل القنوات العسكرية. فمن خلال توليد مقاطع فيديو أو رسائل صوتية تبدو وكأنها صادرة من قادة عسكريين رفيعي المستوى، يمكن للخصوم أن يخلقوا حالة من الفوضى في سلسلة القيادة. إذا تسربت هذه العمليات إلى داخل قنوات الاتصال بين قيادات الحلفاء، فإن الثقة في أي اتصال، حتى وإن كان عبر القنوات الأكثر أماناً، ستصبح موضع شك.

4. تأثير الموجة المرتدة: كيف ترتد المضللات على الحلفاء

أحد الجوانب الأقل وضوحاً ولكنها شديدة الأهمية في تحولات الثقة هو ما يمكن تسميته "تأثير الموجة المرتدة" (backfire effect). هذه الظاهرة تعني أن المعلومات المضللة التي يتم إطلاقها لتقويض معنويات العدو، قد تنتشر عبر شبكات الحلفاء الذين يشاركون نفس المنصات والسرديات، مما يزرع الشك في نفوسهم أيضاً.

على سبيل المثال، بعض المقاطع المزيفة التي صنعتها إيران لتقويض الروح المعنوية الأمريكية – كصور لجنود أمريكيين أسرى أو سفن حربية أمريكية تتعرض للقصف – تم تداولها على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها أيضاً جمهور الحلفاء الغربيين. حتى لو علمت هذه الجماهير لاحقاً أن المقاطع مزيفة، فإن المشاهدة الأولى تركت أثرها: صورة ذهنية للضعف الأمريكي يصعب محوها تماماً، حتى بعد التكذيب.

هذا التأثير يتضاعف عندما يتعلق الأمر بالنخب الحاكمة. ففي حرب 2026، وجدت دول عديدة من حلفاء الولايات المتحدة صعوبة في تقييم الوضع الميداني بدقة، إذ كانت تتلقى تقارير استخباراتية تتضارب مع المقاطع المنتشرة على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التضارب، حتى وإن حُلّ لاحقاً لصالح المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، يُحدث تآكلاً في الثقة لدى صانعي القرار الذين يراقبون الرأي العام المحلي والضغوط التي يمارسها.

رابعاً: قياس أثر التحولات على العلاقات بين الحلفاء

بعد استعراض المظاهر العملية لتحولات الثقة، ننتقل إلى محاولة قياس أثر هذه التحولات على العلاقات بين الحلفاء بشكل منهجي، وتصنيفها حسب مستويات التأثير المختلفة.

1. مستوى صنع القرار: شلل التحقق

على مستوى صنع القرار الاستراتيجي، يتجلى أثر تحولات الثقة في ظاهرة يمكن تسميتها "شلل التحقق" (verification paralysis). مع تكاثر التقارير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في انتحال الشخصيات وتزوير البيانات، تواجه أجهزة الاستخبارات والقيادات العسكرية مأزقاً صعباً: هل تنتظر التحقق من صحة كل معلومة، فتضيع وقتاً ثميناً في زمن الحرب؟ أم تتصرف بناءً على أكثر رواية سائدة وصولاً، فتخاطر باتخاذ قرارات مبنية على معلومات زائفة؟

في كلتا الحالتين، يدفع التحالف الثمن. إذا اختار القادة التباطؤ من أجل التحقق، فقد يفوتون فرصاً تكتيكية حاسمة أو يفشلون في الاستجابة بسرعة للتطورات الميدانية. وإذا اختاروا التصرف بسرعة، فقد يرتكبون أخطاء جسيمة بناءً على معلومات مضللة. وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة هي تآكل فعالية التحالف.

هذه الظاهرة ملحوظة بشكل خاص في عمليات تبادل المعلومات الاستخباراتية. ففي الماضي، افترضت وكالات الاستخبارات الحليفة أن أي معلومة تصل عبر القنوات الآمنة هي موثوقة إلى حد كبير، إلا إذا كان هناك سبب وجيه للشك. أما اليوم، ومع إدراك أن حتى القنوات الأكثر أماناً قد يتم اختراقها أو تغذيتها بمعلومات مضللة، فإن الافتراض الأساسي أصبح هو الشك وليس الثقة. هذا التحول من "الثقة الافتراضية" إلى "الشك الافتراضي" يغير جذرياً ديناميكيات التعاون الاستخباراتي، ويضيف طبقات إضافية من التدقيق والتحقق تبطئ العملية وتزيد تكلفتها.

2. مستوى الثقة المؤسسية: تآكل رأس المال الاجتماعي للتحالف

تتجلى التحولات أيضاً على مستوى الثقة المؤسسية الراسخة بين الحلفاء، والتي يمكن تشبيهها بـ"رأس المال الاجتماعي" للتحالف. رأس المال هذا يُبنى ببطء عبر عقود من التعاون وتبادل المعلومات والعمليات المشتركة، ويمكن أن ينهار بسرعة إذا تعرض لصدمات متكررة.

الخطر الأكبر هو أن تآكل الثقة هذا قد يكون تلقائياً، بمعنى أنه يمكن أن يحدث دون الحاجة إلى دليل واحد على خيانة حليف. يكفي أن ينتشر في الفضاء العام محتوى مزيف يزعم تورط حليف في ممارسات سيئة، أو يظهره في موقف ضعف، أو يثير الشكوك حول نواياه. حتى لو كان المحتوى مزيفاً بوضوح، فإن مجرد وجوده في التداول العام يخلق بيئة من الشك المتبادل.

يمكن ملاحظة هذا التأثير في تزايد الحذر الدبلوماسي والعسكري بين الحلفاء. ففي العديد من الحالات الموثقة، ظهر تردد متزايد لدى بعض الدول في مشاركة معلومات استخباراتية حساسة مع حلفائها، خوفاً من أن تُستخدم هذه المعلومات – حتى عن غير قصد – في توليد روايات مضللة أو في تضليل الرأي العام. هذا التردد، حتى وإن كان مبنياً على أسس سليمة، يقوض أحد الأغراض الأساسية للتحالفات: تبادل المعلومات.

على نحو أكثر خطورة، فإن هذه الديناميكيات لا تؤثر فقط على الثقة بين الحلفاء الحاليين، بل تؤثر على قرارات التحالفات المستقبلية. الدول التي تتردد في الانضمام إلى تحالف عسكري معين قد تجد في سهولة إنتاج الروايات المضللة مبرراً للبقاء خارج التحالف. إذا كان من السهل على خصوم التحالف تشويه صورته وتقويض شعبيته داخلياً، فإن الفوائد الاستراتيجية للانضمام قد لا تعوّض المخاطر السياسية المحلية من الانكشاف للحملات المعلوماتية.

3. مستوى التنسيق العملياتي: تباطؤ اتخاذ القرار 

على المستوى العملياتي المباشر، يؤثر تآكل الثقة على سرعة وكفاءة التنسيق بين القوات الحليفة. تقوم العمليات العسكرية المشتركة – كالغارات الجوية المنسقة، أو العمليات البحرية المشتركة – على افتراض أن أوامر القيادة موثوقة ويمكن تنفيذها فوراً. لكن مع تزايد خطر التلاعب بالاتصالات، قد تجد القيادات العسكرية نفسها مضطرة لإضافة طبقات إضافية من التحقق قبل تنفيذ أي أمر حساس.

هذا التباطؤ يمكن أن يكون قاتلاً في ساحة المعركة. فالعمليات العسكرية الحديثة تعتمد على التوقيت الدقيق والتنسيق في أجزاء من الثانية. أي تأخير ناتج عن الحاجة إلى التحقق من صحة الأوامر يمكن أن يكلف أرواحاً ويحول دون تحقيق الأهداف.

علاوة على ذلك، فإن الخوف من التلاعب قد يدفع القادة العسكريين إلى الاعتماد أكثر على معلوماتهم الذاتية بدلاً من المعلومات المشتركة، مما يقوض مبدأ "الوحدة القيادية" الذي تقوم عليه العمليات المشتركة. إذا بدأ كل حليف في العمل بناءً على معلوماته الخاصة فقط، فإن التنسيق المشترك يصبح مستحيلاً، ويتحول التحالف إلى مجرد تجمع فضفاض لوحدات عسكرية تعمل بشكل منفصل، قابلة للهزيمة بشكل منفصل أيضاً.

4. المستوى الاستراتيجي البعيد المدى: شرعنة التضليل

ربما يكون التأثير الأعمق لتحولات الثقة على المستوى الاستراتيجي البعيد المدى هو ما يمكن تسميته "شرعنةالتضليل" (normalization of deception). عندما تستخدم الحكومات والجيوش المحتوى الاصطناعي المولد في حملاتها الدعائية – حتى لو كان ذلك للأغراض المشروعة – فإنها تخلق سابقة خطيرة: استخدام هذه التقنيات بات أمراً مقبولاً، بل أحياناً متوقعاً.

هذه الشرعنة تخلق منحدراً زلقاً. إذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد مواد دعائية مقبولة، فما الفرق بين "الدعاية المشروعة" و"التضليل الإجرامي"؟ من يحدد الخط الفاصل بينهما؟ وبأي معايير؟

الخطر الأكبر هو أن هذه الشرعنة تقوض الجهود الدولية لوضع معايير أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري. فإذا كانت القوى الكبرى نفسها تستخدم هذه التقنيات في تضليل الرأي العام، فكيف يمكنها مطالبة الدول الأخرى بالامتناع عن فعل الشيء نفسه؟ وإذا لم يكن هناك إجماع دولي حول ما هو مقبول وما هو غير مقبول، فإن الفضاء المعلوماتي سيبقى ساحة حرب مفتوحة، بلا قواعد ولا حدود.

خامساً: سيناريوهات المستقبل وآليات التعافي

بعد استعراض حجم التحدي وتفكيك آليات تآكل الثقة، ننتقل إلى التفكير في المستقبل: ما هي السيناريوهات المحتملة لتطور مفهوم الثقة بين الحلفاء؟ وكيف يمكن للحلفاء أن يستعيدوا ثقتهم في بعضهم البعض بعد زعزعتها؟

1. السيناريو الأسوأ: عصر الشك المطلق

السيناريو الأسوأ، والذي بدأت بوادره تظهر بالفعل، هو سيناريو *"الشك المطلق" حيث تصبح الثقة في أي معلومة مستحيلة. في هذا السيناريو، تصل أزمة المصادقة إلى ذروتها: لا يمكن الوثوق بأي معلومة، حتى لو كانت منقولة عبر قنوات آمنة ومصادق عليها بتوقيعات رقمية متعددة، لأن جميع هذه الآليات يمكن خداعها أو اختراقها.

في هذا العالم، سيتوقف التعاون الاستخباراتي بين الحلفاء عملياً، لأن مصداقية أي معلومة ستصبح موضع شك. وستتحول العمليات العسكرية المشتركة إلى كابوس لوجستي، حيث سيتطلب كل أمر سلسلة طويلة من التحقق والتوثيق قبل التنفيذ. والأسوأ من ذلك، ستصبح الحروب أكثر خطورة واستدامة، حيث سيفضل كل طرف الاعتماد على قدراته الذاتية فقط، مما يقلل من فعالية العمليات المشتركة ويزيد من احتمالية الخطأ المأساوي.

في هذا السيناريو، قد يصل المستخدمون إلى مرحلة يتوقفون فيها عن تصديق أي مصدر على الإطلاق، وهو ما تعتبره بعض الجهات العدائية "غاية في حد ذاتها". ففي بيئة لا يمكن فيها تثبيت أي حقيقة، يصبح من المستحيل بناء إجماع حول أي قضية، وتنهار قدرة المجتمعات – والمجتمعات المترابطة داخل التحالفات – على العمل الجماعي الموجه.

2. السيناريو المأمول: إعادة بناء الثقة في عصر ما بعد الحقيقة

لكن السيناريو الأسوأ ليس قدراً محتوماً. هناك أيضاً سيناريو مأمول، وإن كان يتطلب جهداً غير مسبوق، وهو سيناريو "إعادة بناء الثقة" من خلال آليات مبتكرة.

في هذا السيناريو، تدرك الحكومات والجيوش أن الطريق الوحيد للخروج من أزمة الثقة ليس العودة إلى الماضي (وهو أمر مستحيل)، بل بناء آليات جديدة للثقة تناسب العصر الرقمي.

آليات التحقق اللامركزية: بدلاً من الاعتماد على سلطة مركزية (مثل وكالة استخبارات معينة) لتأكيد صحة المعلومات، يمكن بناء شبكات لامركزية من المدققين المستقلين (صحفيون، باحثون، منظمات مجتمع مدني) تتشارك في فحص المحتوى ومصادقته. هذا النموذج "الشبكي" هو ما اقترحته بعض الأوساط لحلف الناتو، حيث يكون التحالف شريكاً مع المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والجهات الفاعلة الخاصة في جميع أنحاء الدول الأعضاء، ليساعدوا في تحديد الوسائط التركيبية المولدة بالذكاء الاصطناعي التي تدعي أنها أصلية.

تطوير الأمن المعرفي: الاستثمار في تعزيز قدرة المجتمعات – والقيادات على وجه الخصوص – على مقاومة التضليل. هذا يعني تدريب النخب العسكرية والسياسية على مهارات التحقق المتقدمة، وبناء ثقافة تشكك صحي لا تصل إلى حد الشلل. بيّنت الدراسات حول تأثر المشاركين بإعلان علامة المحتوى المولّد على دخول تحيزاتهم وخلفياتهم في تقييم المصدر؛ وهذا يؤكد أن الكشف التقني وحده لا يكفي، بل لا بد من بناء جهاز نقدي وفكري واعٍ.

المعايير الدولية للشفافية: العمل على وضع معايير دولية ملزمة للشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في السياقات العسكرية والسياسية. إذا التزمت جميع الدول، على الأقل الكبرى منها، بالإفصاح عن استخدامها للمحتوى الاصطناعي في حملاتها الدعائية، فإن ذلك قد يساعد في استعادة بعض الثقة في المعلومات التي لا تحمل مثل هذه الإفصاحات.

التعلم من أخطاء الماضي: يجب على الحلفاء إجراء "تحقيقات ما بعد التضليل" (post-disinformation audits) بشكل منتظم، لتحليل كيف تم التلاعب بالثقة بينهم، وتحديد الثغرات في آليات التحقق لديهم، وبناء أنظمة أكثر متانة للمستقبل.

3. استراتيجيات الناتو والتحالفات الكبرى في مواجهة التحدي

لحسن الحظ، لم تبقَ التحالفات الكبرى مكتوفة الأيدي تجاه هذا التهديد، وإن كانت استجابتها الأولية قد اعتراها جانب من التشتت. ففي السنوات الأخيرة، بدأ حلف شمال الأطلسي (الناتو) بوضع أسس رد أكثر منهجية:

على المستوى المؤسسي، أدرجت القيادة العليا للحلف في مناوراتها العسكرية، مثل "Cyber Coalition 2025" و"Crossed Swords 2025" سيناريوهات كاملة للحرب المعرفية، حيث تستخدم الخصوم افتراضياً تقنيات التزييف العميق والتضليل بالذكاء الاصطناعي لتعطيل قدرات صنع القرار لدى قوات الحلف. هذا التدريب الاستباقي قد يصنع فارقاً في الصراعات القادمة.

  تم تطوير "مجتمع اتصالات استراتيجي شبكي" (networked Strategic Communications community) داخل الحلف قادر على كشف وتحليل ومواجهة عمليات التأثير العدائية. هذا المجتمع يعمل كجهاز استخبارات معلوماتي موازٍ، يجمع بين التقنيات الحديثة والتحليل البشري التقليدي في محاولة لاستباق السرديات المضللة قبل أن تنتشر بشكل واسع.

على الصعيد التقني، بدأت مراكز البحث التابعة للحلف بتطوير أنظمة متخصصة لكشف المحتوى المولَّد اصطناعياً، بالاعتماد على تحليل العلامات المائية الرقمية المضمنة في الملفات، ودراسة التناقضات البصرية (كالزوايا المستحيلة والظلال غير المتسقة). في حملة التدقيق خلال حرب 2026، تمكنت فرق التحقق من تحديد عدد كبير من المقاطع المزيفة بناءً على هذه المؤشرات وحدها، مما يشير إلى أن التكنولوجيا يمكن أن تكون جزءاً من الحل وليس فقط جزءاً من المشكلة.

لكن الخبراء يؤكدون أن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي ما لم تُستكمل بـ"شبكة مجتمعية" أوسع، تشمل حكومات أخرى وشركات تقنية وهيئات أكاديمية، تتولى سوياً وضع معايير للإفصاح وسرعة التبليغ عن المواد المزيفة ليصار إلى تفنيدها سريعاً.

خاتمة: نحو استعادة الثقة في زمن التزييف الشامل

في بداية هذا المقال، طرحنا سؤالاً جوهرياً: هل يمكن أن تبقى الثقة بين الحلفاء ممكنة في عصر أصبح فيه التزييف أسهل من التحقق، وأصبحت فيه الرؤية بالعين المجردة – وحتى بالكاميرات عالية الدقة – غير كافية لتأكيد حقيقة ما نراه؟

الإجابة التي استخلصناها من التحليل أعلاه هي: ربما، ولكن بصعوبة بالغة. لقد رأينا كيف أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وخصوصاً نماذج التزييف العميق، قد حولت بيئة المعلومات من فضاء للحقائق المتنافسة إلى مستنقع من الشك المطلق. ورأينا أيضاً أن هذه البيئة الجديدة لا تؤثر فقط على الرأي العام، بل تخترق أروقة صنع القرار في أعلى المستويات، وتشكك في نوايا أقرب الحلفاء، وتوقف التنسيق العسكري المشترك.

لكننا رأينا أيضاً أن هذه التحولات، رغم قوتها المروعة، ليست قدراً محتوماً. الحلفاء الذين يدركون حجم الخطر، ويستثمرون في بناء آليات جديدة للثقة – تعتمد على التكنولوجيا لا على التخلي عنها، وتعتمد على الشفافية لا على السرية المطلقة – يمكنهم ليس فقط حماية تماسكهم، بل ربما الخروج من هذا العصر أكثر قوة في التنسيق مما كانوا عليه من قبل.

العقود القادمة ستحمل حتماً معارك حاسمة في ساحات المعلومات. في هذه المعارك، القنبلة الأقوى لن تكون بالضرورة تلك التي تدمر المباني، بل تلك التي تقوض اليقين وتزرع الشك في العقول. الحلفاء الذين يستعدون لهذا النوع من الحروب، ليس فقط بأسلحة تقليدية ولكن بحصانة معرفية، هم من سيبقون صامدين. أما الآخرون، فسيجدون أنفسهم في عالم لم تعد فيه أي حقيقة راسخة، ولا أي ثقة ممكنة – عالم مزدحم بالصور التي تشبه الأفلام، والأفلام التي تشبه الأخبار، وأخبار لا أحد يصدقها، ولا أحد يستطيع تجاهلها.

في هذا العالم الجديد، إعادة تعريف الثقة ليست مجرد مسألة تقنية أو عسكرية؛ إنها مشروع حضاري يمس الطريقة التي نعرف بها العالم ونتخذ القرارات في شأنه. النجاح فيه يتطلب تواضعاً أمام إمكانيات الخداع التي فتحتها التقنيات، وفي الوقت ذاته عزيمة لا تلين على بناء أطر جديدة للمصداقية. هذا هو التحدي الأكبر للتحالفات في هذا القرن، وربما المقياس الحقيقي لبقائها وقوتها.




المراجع

1.  الزهراء، فاطمة عبد الفتاح. "الواقعية المفرطة: مخاطر التضليل المعلوماتي للذكاء الاصطناعي في الحروب." مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2 أبريل 2026

2.  هادي، حسام رشيد. "تأثير الذكاء الاصطناعي في العلاقات الدولية – The Impact of Artificial Intelligence in International Relations." مجلة لباب، مركز الجزيرة للدراسات.

المقالات الأخيرة