استخدام القوة في النزاعات وتأثيرها على الأمن القومي
فرع القاهرة

شهدت الساحة الدولية في أواخر فبراير 2026 تصعيدًا عسكريًا خطيرًا أعاد إلى الواجهة إشكاليات قانونية معقدة تتعلق باستخدام القوة في العلاقات الدولية. فقد مثلت الضربات العسكرية التي استهدفت إيران تحولًا نوعيًا في نمط التفاعلات بين القوى الكبرى، ليس فقط من حيث حجمها وتأثيرها، بل من حيث المبررات القانونية التي استندت إليها، وعلى رأسها مفهوم "الدفاع الوقائي". وفي المقابل، جاء الرد الإيراني ليفتح بدوره بابًا واسعًا للنقاش حول حدود حق الدفاع عن النفس، ومدى مشروعية توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل أراضي دول أخرى وممرات مائية دولية.

يهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل قانوني معمق لهذه التطورات، من خلال دراسة مشروعية الضربات الاستباقية، ومدى توافقها مع ميثاق الأمم المتحدة، بالإضافة إلى تقييم الرد الإيراني في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون البحار. كما يسعى التقرير إلى استشراف التداعيات المستقبلية لهذه الأحداث على بنية النظام الدولي، مع تقديم مجموعة من التوصيات القانونية الرامية إلى الحد من الانزلاق نحو فوضى دولية قائمة على منطق القوة.

مفهوم الدفاع الوقائي 

يُعد مبدأ حظر استخدام القوة أحد الركائز الأساسية للنظام الدولي المعاصر، حيث لا يُسمح للدول باللجوء إلى القوة العسكرية إلا في حالات استثنائية محددة، أبرزها حق الدفاع عن النفس. إلا أن التوسع في تفسير هذا الحق، وخاصة من خلال مفهوم "الدفاع الوقائي"، يثير إشكاليات قانونية عميقة.

فالدفاع الوقائي يقوم على فكرة توجيه ضربة عسكرية استباقية لمنع تهديد محتمل في المستقبل، دون وجود هجوم مسلح فعلي أو وشيك. وهذا يتعارض مع التفسير التقليدي للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تشترط وقوع هجوم مسلح كشرط أساسي لتفعيل حق الدفاع عن النفس. وبالتالي، فإن الاعتماد على نوايا مفترضة أو تهديدات غير مؤكدة لا يُشكل أساسًا قانونيًا كافيًا لتبرير استخدام القوة.

وعليه، فإن الضربات التي استهدفت إيران تفتقر إلى عنصر "الضرورة" الذي يُعد شرطًا جوهريًا في القانون الدولي، حيث لم يثبت وجود خطر وشيك يستدعي هذا التدخل العسكري. بل على العكس، جاءت هذه العمليات في ظل استمرار المسار الدبلوماسي، مما يُضعف من الحجة القائلة بوجود تهديد عاجل لا يمكن احتواؤه إلا بالقوة.

مبدأ انتهاك السيادة الوطنية

إلى جانب شرط الضرورة، يُعد مبدأ التناسب من المعايير الأساسية التي تحكم مشروعية استخدام القوة. ويقتضي هذا المبدأ أن يكون الرد العسكري محدودًا بالقدر اللازم لدفع الخطر، دون تجاوز ذلك إلى تحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية أوسع.

غير أن طبيعة الأهداف التي تم استهدافها، بما في ذلك مواقع سيادية وشخصيات قيادية عليا، تشير إلى أن الغاية لم تكن دفاعية بحتة، بل امتدت إلى محاولة إحداث تغيير في بنية النظام السياسي. وهو ما يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ السيادة الوطنية، الذي يُحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول إن توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل أهدافًا غير عسكرية، أو ذات طابع سياسي، يُفقد العمل العسكري صفته الدفاعية، ويُدخله في إطار العدوان المحظور دوليًا. كما أن اغتيال القيادات السياسية يُثير تساؤلات أخلاقية وقانونية حول حدود استخدام القوة، خاصة في ظل غياب تفويض دولي واضح.

تهميش المؤسسات الدولية

يمثل دور مجلس الأمن حجر الزاوية في نظام الأمن الجماعي، حيث يُناط به مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين. ومن ثم، فإن أي لجوء إلى استخدام القوة خارج إطار هذا النظام يُعد إخلالًا بالتوازن المؤسسي الذي يقوم عليه القانون الدولي.

في الحالة محل الدراسة، لم يتم الالتزام بواجب الإخطار الفوري لمجلس الأمن، وهو ما يُعد خرقًا للإجراءات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. كما أن التحرك الأحادي يعكس توجهًا نحو فرض الأمر الواقع بالقوة، بعيدًا عن الآليات القانونية الجماعية.

إن تهميش دور المؤسسات الدولية لا يؤدي فقط إلى إضعافها، بل يُقوض الثقة في النظام الدولي ككل، ويفتح الباب أمام تكرار مثل هذه الممارسات من قبل دول أخرى. وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تفكيك منظومة الأمن الجماعي، واستبدالها بنظام قائم على توازنات القوة.

الرد الإيراني وتأثيره على الأمن 

في المقابل، يندرج الرد الإيراني في إطار حق الدفاع عن النفس، باعتباره ردًا على هجوم مسلح استهدف سيادتها. إلا أن هذا الحق ليس مطلقًا، بل يخضع بدوره لقيود قانونية، أبرزها احترام سيادة الدول الأخرى، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.

إن استهداف قواعد عسكرية تقع في أراضي دول ثالثة يُثير إشكالية قانونية تتعلق بانتهاك سيادة هذه الدول، حتى وإن كانت تستضيف قوات معادية. كما أن توسيع نطاق العمليات العسكرية قد يؤدي إلى تدويل النزاع، وزيادة تعقيداته.

أما فيما يتعلق بمضيق هرمز، فإن أي محاولة لعرقلة الملاحة فيه تُعد انتهاكًا لقواعد قانون البحار، التي تضمن حرية المرور في المضائق الدولية. ويُشكل هذا السلوك تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي العالمي، نظرًا للأهمية الحيوية لهذا الممر في نقل الطاقة.

خاتماً: تكشف الأحداث محل التحليل عن أزمة عميقة في بنية النظام الدولي، تتجلى في التوسع غير المنضبط في استخدام القوة، وتآكل القواعد القانونية التي تحكم العلاقات بين الدول. فقد أدى توظيف مفاهيم مثل "الدفاع الوقائي" خارج سياقها القانوني إلى إضفاء شرعية زائفة على أعمال عدوانية، في حين أسهمت ردود الفعل غير المنضبطة في تعميق حالة عدم الاستقرار.

إن استعادة التوازن الدولي تتطلب إعادة الاعتبار للقانون كمرجعية أساسية، وتعزيز دور المؤسسات الدولية في إدارة النزاعات. كما تقتضي ضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة لتفسير حق الدفاع عن النفس، بما يمنع إساءة استخدامه وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تطوير آليات المساءلة الدولية، وتفعيل دور القضاء الدولي في الفصل في النزاعات المتعلقة باستخدام القوة. كما يجب العمل على تحييد الممرات الحيوية عن الصراعات، وضمان احترام سيادة الدول كقاعدة لا تقبل الاستثناء وفي الختام، فإن مستقبل النظام الدولي مرهون بمدى قدرة المجتمع الدولي على مقاومة منطق القوة، والتمسك بسيادة القانون، باعتباره الضامن الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في عالم تتزايد فيه التحديات وتعقدت فيه التوازنات.

 

المصدر: مجلة السياسة الدولية

الكاتب : ماهيتاب أحمد قمحة

التاريخ : 16/3/2026

-------------------------------------------------------------------------------------

المصدرالهيئة الوطنية للإعلام

الكاتب : سماء المنياوي

التاريخ : 10/3/2026


المقالات الأخيرة