تشهد الساحة اللبنانية تطورات متسارعة تعكس حالة من الضبابية المركبة التي تحكم مسار الصراع مع إسرائيل، في ظل تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية وتزامن ذلك مع عقد جولات تفاوض مباشر في واشنطن برعاية أمريكية. ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي بالغ التعقيد يتداخل فيه العسكري بالسياسي، المحلي بالإقليمي، والدولي بالداخلي، بما يجعل من الملف اللبناني أحد أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط.
وقد فرضت هذه المستجدات إعادة طرح أسئلة مركزية حول مستقبل الحرب والسلام في لبنان، وحدود قدرة الدولة اللبنانية على إدارة التفاوض، ومدى تأثير القوى الإقليمية والدولية في صياغة مخرجات المرحلة المقبلة. كما تبرز إشكالية أساسية تتعلق بطبيعة الهدنة نفسها، وما إذا كانت تمثل تحولاً نحو تسوية سياسية أم مجرد إعادة تموضع عسكري مؤقت ضمن صراع مفتوح.
يناقش هذا التقرير أبعاد تمديد الهدنة، ودلالات المفاوضات المباشرة في واشنطن، وتداعيات التصعيد العسكري الإسرائيلي، إضافة إلى الانقسام الداخلي اللبناني، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين في إعادة تشكيل المشهد.
سياق الهدنة والتصعيد العسكري
جاء الإعلان عن الهدنة الممتدة بين لبنان وإسرائيل في أعقاب تصعيد عسكري غير مسبوق، تمثل في سلسلة غارات إسرائيلية واسعة النطاق استهدفت مناطق متعددة داخل الأراضي اللبنانية. وقد مثّل هذا التصعيد ذروة جديدة في مسار المواجهة، سواء من حيث كثافة الضربات أو حجم الخسائر البشرية والمادية، بما أعاد إلى الأذهان مراحل سابقة من الحروب المفتوحة بين الطرفين.
وقد استندت إسرائيل في هذا التصعيد إلى حالة من الغموض القانوني والسياسي بشأن نطاق الهدنة، وهو ما سمح لها بتنفيذ عمليات عسكرية مكثفة قبل تثبيت وقف إطلاق النار. وفي المقابل، جاء الإعلان المفاجئ عن الهدنة لمدة عشرة أيام، ثم تمديدها لاحقاً، ليعكس تداخلاً واضحاً بين الاعتبارات الميدانية والضغوط الدولية، خاصة من جانب الولايات المتحدة.
ويكشف هذا السياق عن نمط متكرر في إدارة الصراع، يقوم على التصعيد العسكري كوسيلة لفرض شروط تفاوضية أكثر ملاءمة، ثم الانتقال إلى هدنة مؤقتة تُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوى دون إنهاء جذور الأزمة. كما يبرز في هذا السياق الدور الأمريكي بوصفه وسيطاً فاعلاً يسعى إلى إدارة الأزمة أكثر من حلّها بشكل جذري، من خلال هندسة مراحل التصعيد والتهدئة.
إعادة تشكيل قواعد الاشتباك
شكّل التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير نقطة تحول في قواعد الاشتباك، حيث لم يعد القصف محصوراً في نطاق عمليات ردع تقليدية، بل اتخذ طابعاً واسع النطاق استهدف البنية التحتية والمراكز المدنية، إلى جانب أهداف عسكرية مزعومة. وقد أسهم هذا النهج في إعادة تعريف حدود الصراع، بحيث لم يعد الفصل بين المدني والعسكري واضحاً كما في مراحل سابقة.
وقد حقق هذا التصعيد عدة أهداف استراتيجية، أبرزها استثمار حالة الغموض السياسي لتوسيع هامش الحركة العسكرية قبل تثبيت أي اتفاق لوقف إطلاق النار. كما سعت إسرائيل إلى فصل المسار اللبناني عن باقي مسارات الإقليم، خاصة العلاقة مع إيران، بما يحد من إمكانية تشكل جبهة إقليمية موحدة في مواجهة سياساتها.
في المقابل، أظهر هذا التصعيد محدودية قدرة الأطراف الإقليمية على ضبط إيقاع المواجهة، حيث بدت ردود الفعل متباينة وغير متناسقة، ما عزز من حالة "الحرب المفتوحة منخفضة الوتيرة" بدل الانتقال إلى تسوية شاملة. كما ساهمت العمليات العسكرية في تعميق الانقسام الداخلي اللبناني، وفتح الباب أمام توترات سياسية واجتماعية متزايدة.
ويعكس هذا التطور تحولاً في طبيعة الصراع من مواجهة تقليدية بين دولتين إلى نمط مركب من "الحرب الهجينة"، التي تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الرسائل السياسية، والضغط الميداني مع التفاوض الدبلوماسي.
إشكالية الانقسام اللبناني
يُعد المشهد الداخلي اللبناني أحد أكثر عناصر التعقيد في ملف الهدنة والمفاوضات، حيث يشهد انقساماً حاداً حول طبيعة التفاوض مع إسرائيل، بين تيار يدعم المفاوضات المباشرة باعتبارها ضرورة لوقف الحرب، وآخر يرفضها ويفضل الوساطات غير المباشرة حفاظاً على اعتبارات سياسية وأمنية.
وقد أدى هذا الانقسام إلى توتر سياسي واجتماعي واسع، انعكس في احتجاجات شعبية، وخطابات سياسية متباينة، ومواقف متعارضة داخل المؤسسات الرسمية. كما برزت إشكالية تتعلق بمدى قدرة الدولة اللبنانية على احتكار قرار الحرب والسلم، في ظل وجود قوى مسلحة فاعلة خارج إطار الدولة.
وفي هذا السياق، تواجه الحكومة اللبنانية معضلة مركبة تتمثل في التفاوض دون امتلاك أدوات ضغط فعالة، مقابل طرف مقابل يمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً. كما يزداد تعقيد الموقف بسبب تداخل القرار الداخلي مع اعتبارات إقليمية مرتبطة بقوى خارجية، ما يجعل القرار اللبناني في كثير من الأحيان مقيداً بتوازنات أكبر من حدود الدولة.
ويكشف هذا الواقع عن أزمة بنيوية في مفهوم السيادة داخل لبنان، حيث تتداخل السلطة السياسية مع قوى موازية، ما يجعل أي عملية تفاوض عرضة للاهتزاز الداخلي، ويضعف من قدرة الدولة على تقديم موقف تفاوضي موحد وفعال.
الدور الدولي وإدارة الصراع
لا يمكن فهم تطورات الهدنة والمفاوضات دون التوقف عند دور الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين يلعبون دوراً محورياً في إدارة مسار الصراع فقد برزت الولايات المتحدة كوسيط رئيسي، لكنها في الوقت ذاته تُتهم بالانحياز الواضح لصالح إسرائيل، ما يثير تساؤلات حول حيادية الوساطة.
في المقابل، تراجع الدور الأوروبي، خاصة الفرنسي، رغم محاولاته السابقة للعب دور الوسيط المتوازن، نتيجة تغيرات في العلاقات السياسية بين القوى الكبرى كما برزت أدوار إقليمية أخرى، مثل السعودية ومصر، في محاولة لتخفيف حدة التوتر الداخلي اللبناني ودعم الاستقرار السياسي، عبر مسارات دبلوماسية غير مباشرة.
كما يعكس هذا المشهد تعدد المبادرات الإقليمية والدولية المطروحة بشأن الأمن في الشرق الأوسط، من مبادرات تعاون جماعي إلى تصورات أمنية إقليمية شاملة غير أن غياب الثقة بين الأطراف، وتضارب المصالح، واستمرار بؤر الصراع، يجعل من الصعب بلورة نظام أمني إقليمي متكامل في المدى القريب.
ويؤكد هذا التداخل أن الأزمة اللبنانية ليست معزولة، بل هي جزء من منظومة إقليمية أوسع تعاني من إعادة تشكيل مستمرة، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على إعادة رسم خرائط النفوذ وتوازنات القوة.
خاتماً: يمكن القول إن تمديد الهدنة في لبنان لا يمثل نهاية للصراع بقدر ما يعكس إعادة تنظيم مؤقتة له ضمن إطار أكثر تعقيداً من التوازنات العسكرية والسياسية فالواقع الحالي يشير إلى أن الهدنة هي حالة "خفض تصعيد" وليست وقفاً دائماً لإطلاق النار، في ظل استمرار العمليات العسكرية المتقطعة وتباين المواقف السياسية.
كما تكشف المفاوضات الجارية في واشنطن عن محدودية القدرة على الوصول إلى تسوية شاملة في ظل غياب توازن القوة بين الأطراف، وتعدد مراكز القرار داخل لبنان، وتداخل المسارات الإقليمية والدولية وبينما تسعى بعض الأطراف إلى تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لتسوية سياسية، فإن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى استمرار حالة عدم الاستقرار.
وفي المحصلة، يبقى مستقبل الهدنة مرهوناً بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره، وهو أمر لا يزال بعيد المنال في ظل البيئة الإقليمية الحالية وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم"، مع بقاء المنطقة مفتوحة على احتمالات تصعيد أو تهدئة وفقاً لتغير موازين القوى على الأرض وفي مراكز التفاوض.
المصدر : مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. رابحة سيف علام
التاريخ : 26/4/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر : صحيفة الشرق الاوسط
الكاتب : صبحي أمهز
التاريخ : 24/4/2026
