يمثّل الأمن الغذائي أحد أهم ركائز الاستقرار الإنساني والتنمية المستدامة، إذ يرتبط بشكل مباشر بقدرة المجتمعات على توفير الغذاء الكافي والآمن لجميع أفرادها. ومع تسارع وتيرة تغيّر المناخ وتصاعد النزاعات والحروب، أصبح هذا الأمن مهددًا بشكل غير مسبوق، خصوصًا في الدول النامية والمنطقة العربية.
تشير التقارير الدولية الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى أن أكثر من 295 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالميًا، مع تحديد 16 دولة ومنطقة كـ بؤر جوع" ساخنة تواجه تدهورًا متسارعًا في الأمن الغذائي خلال الفترة من نوفمبر 2025 إلى مايو 2026. وتُصنف ستة من هذه البؤر على أعلى مستويات القلق، وهي: السودان، فلسطين (قطاع غزة والضفة الغربية)، جنوب السودان، اليمن، مالي، وهايتي.
يؤكد هذا المشهد أن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية فقط، بل أصبح قضية جيوسياسية واقتصادية وبيئية معقدة، تتطلب استجابات متعددة المستويات تجمع بين العمل الإنساني والتنمية طويلة الأجل.
أولاً: مفهوم الأمن الغذائي وأبعاده
يُعرّف الأمن الغذائي بأنه الحالة التي يتمتع فيها جميع الأفراد بإمكانية الحصول المستمر على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ يلبي احتياجاتهم الغذائية. ويتكون من أربعة أبعاد رئيسية:
1. توافر الغذاء
2. إمكانية الوصول إليه
3. الاستخدام الغذائي السليم
4. الاستقرار عبر الزمن
أي خلل في أحد هذه الأبعاد يؤدي إلى اختلال منظومة الأمن الغذائي، وهو ما يتفاقم حاليًا بفعل التغيرات المناخية والصراعات المسلحة. وفي السياق الحالي، يبرز بُعد خامس لا يقل أهمية، وهو السيادة الغذائية، أي قدرة الدول والمجتمعات على تحديد سياساتها الزراعية والغذائية بما يتناسب مع ظروفها الخاصة.
ثانياً: تأثير تغيّر المناخ على الأمن الغذائي
1. تراجع الإنتاج الزراعي
يعد تغيّر المناخ من أخطر التهديدات للأمن الغذائي، حيث يؤدي إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل، وتدهور التربة، وتغير مواسم الزراعة. وقد أظهرت التقارير أن منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا (NENA) تواجه تحديات غير مسبوقة في هذا الصدد. ففي سوريا، قُدّر إنتاج الحبوب الإجمالي لعام 2025 بنحو 1.2 مليون طن، أي أقل بنسبة تزيد عن 60% من المعدل السنوي، بسبب ظروف الجفاف القاسية التي شهدتها البلاد.
وفي لبنان، بلغ إنتاج الحبوب في عام 2025 مستوى متدنياً قياسياً بلغ 90 ألف طن، أي أقل بنحو 50% من متوسط الخمس سنوات، وذلك نتيجة الظروف الجوية الجافة التي استمرت من ديسمبر 2024 إلى فبراير 2025، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية بسبب النزاع.
2. ندرة المياه والتصحر
تعد المنطقة العربية من أكثر المناطق عرضة لندرة المياه، حيث تقع معظم دولها ضمن نطاقات جافة أو شبه جافة. وتُظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة أن الجفاف أصبح أحد أخطر التهديدات النظامية التي تواجه منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، حيث أثر على أكثر من 30 مليون شخص بين عامي 2000 و2025، مع تأثيرات شديدة بشكل خاص على محاصيل الحبوب البعلية، والمراعي، وسبل عيش الرعاة.
وتشير التوقعات المناخية إلى أن مخاطر الجفاف ستتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة تقلب هطول الأمطار. وهذه الصدمات بطيئة الحدوث تتراكم بمرور الوقت، مما يؤدي إلى تآكل الأصول، وانخفاض الدخول، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتزايد حالات النزوح، خاصة بين صغار المزارعين والمجتمعات الريفية.
3. الظواهر المناخية المتطرفة
تشمل موجات الحرارة والجفاف والفيضانات، وهي ظواهر تؤدي إلى تلف المحاصيل، ونفوق الثروة الحيوانية، واضطراب سلاسل الإمداد. ففي حوض بحيرة تشاد ومنطقة الساحل، تسببت الفيضانات الشديدة في النصف الثاني من عام 2024 في زيادة أعداد النازحين داخليًا (الذين تجاوز عددهم أصلاً 3 ملايين شخص)، وأججت توترات اجتماعية واقتصادية جديدة.
ويؤكد خبراء المناخ أن المناخ غير المستقر يقلل من القدرة على التنبؤ بالإنتاج الزراعي، مما يزيد المخاطر الاقتصادية على المزارعين ويجعل التخطيط طويل الأجل أمرًا بالغ الصعوبة.
ثالثًا: الحروب والنزاعات وتأثيرها على الأمن الغذائي
1. تدمير البنية التحتية الزراعية
تؤدي الحروب إلى تدمير الأراضي الزراعية، وتعطيل أنظمة الري، وتراجع الإنتاج المحلي. كما تؤثر النزاعات على سلاسل التوريد والنقل، مما يؤدي إلى نقص الغذاء وارتفاع الأسعار. وقد أظهر تقرير "بؤر الجوع" لعام 2025 أن النزاع المسلح والعنف هما المحركان الرئيسيان لانعدام الأمن الغذائي في 14 من أصل 16 بؤرة ساخنة.
ففي السودان، أدى النزاع في كردفان وشمال دارفور إلى ظهور ظروف المجاعة في خمس مناطق في أواخر عام 2024، مع توقعات بتوسعها إلى خمس مناطق إضافية بحلول مايو 2025. ويواجه أكثر من 24.6 مليون شخص - أي أكثر من نصف السكان - مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وفي قطاع غزة، تم تأكيد حدوث المجاعة (المرحلة الخامسة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي) في محافظة غزة حتى منتصف أغسطس 2025، مع توقعات بتوسعها إلى دير البلح وخان يونس.
2. النزوح وفقدان مصادر الدخل
تؤدي الحروب إلى نزوح السكان، مما ينتج عنه فقدان مصادر الرزق، وزيادة الاعتماد على المساعدات، وارتفاع معدلات الفقر والجوع. وفي مناطق النزاع، يصبح الوصول إلى الغذاء محدودًا بسبب غياب الاستقرار الأمني.
ففي لبنان، تشير تقديرات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إلى أن نحو 874 ألف شخص، بما في ذلك اللبنانيين واللاجئين والوافدين الجدد من سوريا، يعانون من مستويات أزمة (المرحلة الثالثة) أو أسوأ بين نوفمبر 2025 ومارس 2026.
3. استخدام الغذاء كأداة ضغط
في بعض النزاعات، يتم استخدام الغذاء كسلاح سياسي من خلال الحصار، ومنع دخول المساعدات، والتحكم في الموارد. وهذا ما يفاقم الأزمات الإنسانية بشكل كبير. ويؤكد تقرير منظمة الأغذية والزراعة أن القيود على الوصول بسبب انعدام الأمن، والنزاع المسلح والعنف، وظروف الحصار والحواجز، قد حوّلت الغذاء إلى سلاح حرب.
رابعًا: التفاعل المركّب بين تغيّر المناخ والحروب
العلاقة بين المناخ والحروب علاقة تبادلية معقدة، حيث يمكن أن يؤدي تغيّر المناخ إلى نزاعات على الموارد (مثل المياه والأراضي الصالحة للزراعة)، بينما تزيد الحروب من هشاشة الأنظمة الغذائية وتُضعف قدرتها على الصمود. وقد أشارت الدراسات إلى أن الجفاف المرتبط بالمناخ يمكن أن يسهم في زيادة احتمالات الصراعات، خاصة في المناطق الهشة.
في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، يتداخل تغير المناخ مع النزاع المسلح المستمر منذ أكثر من عقد. ففي النيجر ومالي وبوركينا فاسو، استمر العنف المميت منذ عام 2011، مدفوعًا بشكل رئيسي بالجماعات المتطرفة العنيفة وأجهزة الأمن الحكومية والميليشيات العرقية. وفي حوض بحيرة تشاد، واجهت أجزاء من نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون ديناميكيات نزاع متداخلة منذ عام 2010.
لكن من المهم تجنب التبسيط المفرط في فهم العلاقة بين المناخ والصراع. فقد أظهرت الدراسات الميدانية أن المجتمعات المحلية غالبًا ما تُظهر تضامنًا خلال الأزمات، حتى في ظل قيود الموارد الشديدة. ففي مقابلات أُجريت حول الروابط بين الصدمات المناخية والنزوح، تحدى كل من الأسر المضيفة والنازحة الرواية السائدة التي يروج لها المانحون الدوليون - وهي أن النزوح يؤدي إلى توترات وصراع عنيف بين المجتمعات. بدلاً من ذلك، أكد المشاركون أن المجتمعات غالبًا ما تُظهر تضامنًا ملحوظًا أثناء الأزمات.
ويخلص الباحثون إلى أنه ليس ندرة الموارد في حد ذاتها هي التي تدفع إلى انعدام الأمن، بل ضعف الحوكمة. لذا، فإن فهم السياقات المحلية الفريدة وتجنب التعميمات الواسعة أمر بالغ الأهمية لتصميم تدخلات فعالة.
خامسًا: واقع الأمن الغذائي في الدول العربية
1. الاعتماد على الاستيراد
تعتمد معظم الدول العربية على استيراد نسبة كبيرة من غذائها، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والأزمات الدولية. ويتجلى هذا الضعف بوضوح في منطقة الخليج العربي، حيث تستهلك دول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، عمان، البحرين) ما يقرب من 85% من غذائها مستوردًا، مع اعتماد شبه كامل (100%) على استيراد الأرز، واعتماد بنسبة 90% على استيراد الحبوب.
والأكثر خطورة أن 70% من هذه الواردات الغذائية تمر عبر مضيق هرمز، مما يجعل أمن هذه الدول الغذائي مرهونًا باستقرار ممر مائي واحد. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة في المنطقة مدى هشاشة هذا الوضع.
2. ضعف الإنتاج الزراعي
رغم توفر بعض الموارد، إلا أن الإنتاج الزراعي العربي لا يغطي الطلب، وهناك ضعف في الاستثمار الزراعي. كما أن بعض الاقتصادات العربية تعتمد على النفط، مما أدى إلى إهمال القطاع الزراعي وجعله أقل قدرة على المنافسة.
3. تأثير المناخ والنزاعات
تشير الدراسات إلى أن المنطقة العربية تواجه تحديات مترابطة تتمثل في التصحر وندرة المياه وعدم الاستقرار السياسي. وهذه العوامل مجتمعة تهدد الأمن الغذائي بشكل مباشر.
ففي سوريا، أدت العقوبات الدولية على المعاملات المالية، التي فُرضت منذ عام 2011 والتي رُفعت في يونيو 2025، إلى تعقيد عملية الاستيراد رغم الرفع، بسبب عدم اليقين الاقتصادي وانخفاض قيمة العملة الوطنية، مما لا يزال يُقيد الوصول إلى العملة الأجنبية اللازمة لتأمين واردات الحبوب.
سادسًا: التحديات المركبة للأمن الغذائي
يمكن تلخيص التحديات في ثلاثة مستويات متداخلة:
1. التحديات البيئية
- تغير المناخ وتزايد حدة الظواهر المتطرفة
- تدهور الموارد الطبيعية (التربة والمياه)
- فقدان التنوع البيولوجي الزراعي
2. التحديات السياسية
- النزاعات المسلحة والعنف
- ضعف الحوكمة والهشاشة المؤسسية
- الاعتماد الغذائي وغياب التكامل الإقليمي
3. التحديات الاقتصادية
- ارتفاع أسعار الغذاء والتضخم
- ضعف القدرة الشرائية للسكان
- تراجع التمويل الإنساني (الذي وصل إلى أدنى مستوى له منذ عقد)
يشير تقرير "بؤر الجوع" إلى أن التمويل الإنساني العالمي وصل إلى أدنى مستوياته منذ عشر سنوات. فحتى نهاية أكتوبر 2025، لم يُستلم سوى 10.55 مليار دولار من أصل 29 مليار دولار مطلوبة للسكان الأكثر عرضة للخطر. وفي 11 من أصل 16 بؤرة جوع، انخفضت أهداف المساعدات الغذائية من 68.2 مليون شخص إلى 47.6 مليون شخص.
سابعًا: استراتيجيات تعزيز الأمن الغذائي
1. الزراعة المستدامة والذكية مناخيًا
تشمل استخدام تقنيات حديثة، وتحسين كفاءة المياه، وتطوير أصناف مقاومة للجفاف. وقد أظهرت التجارب الميدانية في الصومال، حيث نفذت منظمة Norwegian Church Aid برامج زراعية على مدى ثلاثة عقود، أن الجمع بين المدخلات الزراعية المستدامة والتقنيات النظيفة والتعاونيات الشاملة أدى إلى زيادة غلات المحاصيل المنزلية بمعدل 68%، وتوسيع الأمن الغذائي المحلي، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وتشمل هذه الأساليب: استخدام البذور المقاومة للجفاف، وأنظمة الري بالطاقة الشمسية، والصوبات الزراعية الذكية مناخيًا، وتقنيات الري بالتنقيط التي توفر المياه وتقلل من تدهور التربة.
2. تنويع مصادر الغذاء والنظم الزراعية
يُعد تقليل الاعتماد على عدد محدود من المحاصيل الأساسية استراتيجية أساسية لبناء المرونة. فعلى الرغم من أن البشر استأنسوا أكثر من 50 ألف نبات صالح للأكل، فإن ثلاثة محاصيل فقط - الأرز والذرة والقمح - توفر حوالي 60% من الطاقة الغذائية العالمية. هذا الأساس الضيق يجعل النظام الغذائي العالمي شديد الهشاشة.
ويمكن للمحاصيل غير المستغلة والمهملة مثل الدخن والذرة الرفيعة والبقوليات والدرنات أن تقدم "عائدًا مزدوجًا": فهي غنية غذائيًا وقادرة على تحمل المناخ، وغالبًا ما تزدهر في البيئات الهامشية بمياه ومدخلات أقل. كما أن إحياء هذه المحاصيل لا يمثل مجرد استراتيجية زراعية، بل هو استثمار في المرونة والمساواة والتغذية.
3. تعزيز التعاون الإقليمي والدولي
تبادل الخبرات ودعم الدول المتضررة وتطوير سياسات مشتركة هي عناصر أساسية لمواجهة التحديات. وقد أظهرت منظمة الأغذية والزراعة أن هناك زخمًا سياسيًا قويًا في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، حيث تعمل الحكومات على تحديث النظم الزراعية الغذائية، بما في ذلك رقمنة الخدمات الزراعية، وإصلاحات سلامة الأغذية، وتطوير الموانئ وسلاسل التوريد.
كما أن التعاون بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في مجال المناخ والأمن يُظهر كيف يمكن للشراكات متعددة الأطراف أن تترجم الرؤية المشتركة إلى نتائج ملموسة للمجتمعات الضعيفة، من خلال تعزيز التكنولوجيات المناخية المحلية القيادة.
4. بناء أنظمة غذائية مرنة
يشمل ذلك تحسين التخزين، وتطوير سلاسل الإمداد، وتقليل الفاقد الغذائي، وتعزيز الأسواق المحلية والإقليمية. وقد أظهرت البرامج في غرب أفريقيا، مثل برامج التغذية المدرسية المحلية في دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS)، أن إنشاء طلب يمكن التنبؤ به على الحبوب والبقوليات والأغذية المدعمة المنتجة محليًا يساعد في استقرار الأسواق وتقليل خسائر ما بعد الحصاد.
5. الانتقال من المساعدات الإنسانية إلى التنمية المرنة
يشير الخبراء إلى ضرورة الانتقال من نموذج المساعدات الغذائية والإنسانية المباشرة إلى الاستثمار في البنية التحتية القابلة للتطوير، والتقنيات الخضراء، والمؤسسات المحلية التي تبني الاعتماد على الذات والأمن الغذائي المستدام في المناطق المتضررة من الأزمات. وهذا يتطلب إعادة التفكير في سياسات المانحين وربط الإغاثة قصيرة الأجل بأهداف التنمية طويلة الأجل.
6. استجابة مراعية للصراع وتعزيز التماسك الاجتماعي
أظهرت الأبحاث أن تبني ممارسات زراعية مرنة مناخيًا يمكن أن يسهم في التخفيف من النزاعات وتعزيز التماسك الاجتماعي، خاصة عندما يُرافقه برامج لبناء القدرات في مجال الإدارة السلمية للصراعات. ففي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، أفاد جميع المستفيدين من برامج الزراعة المرنة مناخيًا بأن هذه الممارسات ساعدت في تخفيف النزاعات، وأشارت الغالبية العظمى إلى وجود مؤشرات على التماسك الاجتماعي في مجتمعاتهم.
ويشمل ذلك العمل الجماعي في الأنشطة الزراعية، والتعاون الاقتصادي ضمن سلاسل القيمة الزراعية، والمشاركة في مجموعات الادخار والقروض، مما يعزز الروابط الاقتصادية والاجتماعية ويقلل التوترات.
ثامنًا: نحو نموذج عربي مستدام للأمن الغذائي
لمواجهة التحديات المتزايدة، تحتاج الدول العربية إلى تبني استراتيجية متكاملة ترتكز على عدة محاور:
1. الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية والابتكار
- تطوير أصناف محاصيل مقاومة للجفاف والحرارة باستخدام تقنيات التربية المتقدمة
- نشر أنظمة الري الذكية والطاقة المتجددة في الزراعة
- تعزيز أنظمة الإنذار المبكر والرصد الجغرافي المكاني
2. تطوير سياسات مائية فعالة
- الاستثمار في تحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة
- إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة
- تحسين كفاءة الري وتقليل الفاقد
3. تعزيز التكامل الاقتصادي العربي
- إنشاء سوق عربية مشتركة للحبوب والسلع الغذائية الأساسية
- تطوير مخزونات استراتيجية إقليمية للطوارئ
- تنسيق السياسات الزراعية والتجارية
4. دعم البحث العلمي ونقل المعرفة
- إنشاء مراكز إقليمية لأبحاث الأمن الغذائي وتغير المناخ
- تعزيز تبادل المعرفة والخبرات بين الدول العربية
- بناء قدرات المزارعين في الممارسات الزراعية المستدامة
كما يجب الانتقال من نموذج "الاستيراد" إلى نموذج "الإنتاج المرن"، حيث تركز الدول على إنتاج ما تنتجه بكفاءة مع تأمين سلاسل توريد مرنة للمواد المستوردة.
خاتمة
أصبح الأمن الغذائي في العصر الحديث قضية مركبة تتداخل فيها العوامل البيئية والسياسية والاقتصادية. وقد أدى تغيّر المناخ والحروب إلى تعقيد هذه القضية بشكل غير مسبوق، مما يتطلب استجابة شاملة ومتكاملة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
إن ضمان الأمن الغذائي لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار والتنمية. ويتطلب ذلك إعادة التفكير في السياسات الزراعية، وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، والحد من آثار النزاعات. كما أن الانتقال من الاستجابة التفاعلية إلى الإدارة الاستباقية للمخاطر - بما في ذلك أنظمة الإنذار المبكر، والتأمين ضد المخاطر المناخية، والاستثمار في البنية التحتية القادرة على الصمود - أصبح ضرورة ملحة.
وفي النهاية، فإن بناء أنظمة غذائية قادرة على الصمود - أنظمة "تنحني ولا تنكسر" - يتطلب تحولًا جذريًا في طريقة إنتاجنا وتداولنا واستهلاكنا للغذاء. وهذا التحول ليس ممكنًا فحسب، بل هو ضروري لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
المراجع
عنتر، مصطفى محمود. تأثير التغيرات المناخية على الأمن الغذائي في المنطقة العربية: دراسة حالة مصر. المركز الديمقراطي العربي، 2024.
الإسكوا ESCWA موجزات سياسات الأمن الغذائي في المنطقة العربية. الأمم المتحدة.
