تشهد الساحة الفلسطينية، منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، تحولات سياسية وأمنية عميقة فرضت واقعاً جديداً على مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم حركة حماس التي تواجه ضغوطاً غير مسبوقة على المستويات العسكرية والسياسية والشعبية وبينما تتزايد المطالب الدولية والإقليمية بإعادة تشكيل منظومة الحكم في القطاع، تسعى الحركة إلى الحفاظ على نفوذها وإعادة ترتيب بنيتها التنظيمية والإدارية بما يضمن استمرار حضورها في أي ترتيبات مستقبلية وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت حماس تمر بمرحلة تراجع استراتيجي تمهّد لانحسار دورها، أم أنها تنفذ عملية إعادة هيكلة شاملة تهدف إلى التكيف مع المتغيرات وضمان البقاء. ومن هنا تأتي أهمية دراسة التحولات الراهنة التي تشهدها الحركة وانعكاساتها على مستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام.
حماس بين الحرب والمرحلة الانتقالية
تواجه حركة حماس منذ انتهاء العمليات العسكرية الكبرى في قطاع غزة تحديات مركبة تتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد سياسية وإدارية واقتصادية فالحركة تتعرض لضغوط إسرائيلية متواصلة تستهدف بنيتها القيادية والعسكرية، بالتوازي مع محاولات فرض ترتيبات سياسية جديدة في القطاع كما أن تعثر تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار ساهم في تعميق حالة الجمود السياسي، خاصة مع استمرار الخلافات حول مستقبل إدارة غزة وسلاح الفصائل الفلسطينية.
وفي ظل هذه البيئة المعقدة، تجد الحركة نفسها أمام معادلة صعبة تتمثل في الحفاظ على حضورها السياسي من جهة، والتعامل مع الضغوط الدولية الرامية إلى تقليص نفوذها من جهة أخرى كما أن استمرار الأزمة الإنسانية وتدهور الأوضاع المعيشية في القطاع يزيدان من حجم التحديات التي تواجهها الحركة في إدارة العلاقة مع المجتمع المحلي والحفاظ على شرعيتها السياسية والشعبية.
إعادة الهيكلة التنظيمية والعسكرية
أدركت حركة حماس أن استمرارها كفاعل رئيسي في المشهد الفلسطيني يتطلب إعادة بناء مؤسساتها التنظيمية والعسكرية بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة ولذلك شرعت في تنفيذ عملية إعادة هيكلة شاملة شملت الجوانب السياسية والإدارية والأمنية، مع التركيز على تعويض الخسائر القيادية التي تعرضت لها خلال الحرب.
وعلى المستوى التنظيمي، اتجهت الحركة إلى تعزيز نظام الإدارة الجماعية للقرار عبر المجلس القيادي، بما يضمن استمرارية العمل المؤسسي وتقليل تأثير استهداف القيادات الفردية. أما على المستوى العسكري، فقد عملت على إعادة ترتيب هياكلها الميدانية وتعيين قيادات جديدة وإعادة تأهيل بعض الوحدات القتالية، إلى جانب تطوير منظومات العمل الاستخباراتي والأمني.
وتعكس هذه الإجراءات قناعة لدى الحركة بأن المرحلة المقبلة ستتطلب مرونة أكبر في إدارة الصراع، وأن الحفاظ على البنية التنظيمية يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار دورها السياسي والعسكري في القطاع.
إدارة النفوذ الداخلي
لم تقتصر جهود حماس على إعادة بناء أجهزتها التنظيمية والعسكرية، بل امتدت إلى المحافظة على حضورها داخل المجتمع الغزي من خلال شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والإدارية. فالحركة لا تزال تملك نفوذاً واسعاً داخل العديد من المؤسسات المدنية والخدمية، كما تحتفظ بقدرات تنظيمية تمكنها من التأثير في الحياة اليومية داخل القطاع.
وفي هذا الإطار، سعت الحركة إلى منع ظهور مراكز قوة بديلة يمكن أن تنافسها على إدارة القطاع، سواء من خلال مواجهة محاولات بعض العشائر والقوى المحلية العمل بشكل مستقل، أو من خلال التصدي لمحاولات توسيع نفوذ السلطة الفلسطينية داخل غزة كما اعتمدت على أدوات متعددة للحفاظ على نفوذها، تشمل تقديم الخدمات الأساسية وإدارة شبكات الدعم المجتمعي واستثمار حضورها التاريخي داخل المجتمع الفلسطيني.
ويؤكد هذا المسار أن الحركة تنظر إلى المجتمع المحلي باعتباره أحد أهم مصادر قوتها، وأن الحفاظ على هذا الارتباط يمثل ركيزة أساسية لاستمرارها في المشهد السياسي الفلسطيني.
مستقبل باهت رغم الهيكلة
رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الحركة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، فإن مستقبلها لا يزال مرتبطاً بجملة من التحديات المعقدة. فمن جهة، تواجه الحركة ضغوطاً دولية وإقليمية متزايدة تشترط التخلي عن العمل المسلح والانخراط في ترتيبات سياسية جديدة كشرط للمشاركة في إدارة القطاع ومن جهة أخرى، تشير بعض المؤشرات إلى تراجع نسبي في مستوى التأييد الشعبي نتيجة تداعيات الحرب والأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وفي المقابل، تمتلك الحركة خبرة طويلة في التكيف مع المتغيرات السياسية والأمنية، وهو ما قد يمكنها من الحفاظ على دور مؤثر حتى في حال انتقال الإدارة الرسمية للقطاع إلى جهات أخرى. كما أن وجود قاعدة تنظيمية واسعة وشبكات اجتماعية متجذرة يمنحها هامشاً للمناورة السياسية خلال المرحلة المقبلة.
وعليه، يبدو أن مستقبل حماس سيتحدد بدرجة كبيرة وفق قدرتها على الموازنة بين متطلبات البقاء التنظيمي والاستجابة للمتغيرات السياسية الجديدة، فضلاً عن قدرتها على تقديم رؤية أكثر واقعية لمعالجة الأزمات التي يعاني منها قطاع غزة.
خاتماً: تشير التطورات الراهنة إلى أن حركة حماس لا تمر بمرحلة انهيار بقدر ما تعيش مرحلة إعادة تموضع استراتيجي تفرضها التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة فقد دفعت الضغوط المتزايدة الحركة إلى إعادة هيكلة مؤسساتها التنظيمية والعسكرية وتعزيز آليات إدارة النفوذ داخل المجتمع الفلسطيني، في محاولة للحفاظ على مكانتها كفاعل رئيسي في المعادلة الفلسطينية غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل رهناً بقدرتها على التكيف مع البيئة السياسية الجديدة، والاستجابة لمتطلبات إعادة الإعمار والاستقرار، والتعامل مع التحديات المرتبطة بالشرعية الشعبية والضغوط الدولية وبين احتمالات التكيف والتراجع، يبقى مستقبل الحركة جزءاً أساسياً من مستقبل قطاع غزة ذاته ومن شكل التوازنات السياسية والأمنية التي ستتبلور في الأراضي الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.
المصدر: المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية
التاريخ : 4/6/2026
------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: فرانس 24
التاريخ : 13/5/2026
