لم يعد من الممكن النظر إلى الحرب السودانية بوصفها صراعاً داخلياً محضاً أو مجرد امتداد لأزمات الدولة الوطنية في أفريقيا. فقد تحولت هذه الحرب، وما ترتبط به من تحركات وأدوار سياسية، إلى جزء من سياق إقليمي ودولي أكثر تعقيداً، تتشابك فيه المصالح الإقليمية والدولية على نحو غير مسبوق ومن بين المتغيرات الرئيسة التي أعادت تشكيل هذه الخريطة نجد التصعيد العسكري ضد إيران، الذي لم يعِد مجرد قضية في الشرق الأوسط، بل أصبح عنصراً محورياً يحدد أولويات القوى الكبرى، ويعيد رسم خرائط الصراع في الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها السودان. فالبلاد لم تعد مجرد ساحة صراع داخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى عقدة استراتيجية مهمة تتقاطع فيها ملفات أمن البحر الأحمر، والشبكات المرتبطة بالإسلام السياسي، والاستراتيجيات الدولية لاحتواء النفوذ الإيراني، وكل ذلك يجعل أي محاولة لفهم ديناميات وقف الحرب السودانية مستحيلة بمعزل عن المتغير الإيراني، حيث باتت طبيعة الفاعلين وشرعيتهم وحدود مشاركتهم في الترتيبات السياسية المستقبلية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتوازنات الإقليمية والدولية.
السودان في خريطة الصراع الإقليمي
تاريخياً، لم تكن العلاقة بين السودان وإيران علاقة عابرة أو ظرفية، بل تأسست على تقاطعات أيديولوجية واستراتيجية عميقة منذ صعود الإسلاميين إلى السلطة عام 1989. فقد شكلت الثورة الإيرانية نموذجاً ملهمًا للنخبة الإسلامية السودانية، فيما فتحت العقوبات الدولية المفروضة على الخرطوم أبواب التعاون العسكري والأمني الممتد لعقود، شمل التدريب، وبناء القدرات، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية وقد أتاح هذا التقاطع للأحزاب والتيارات الإسلامية النفوذ المستمر داخل الدولة، وعزز قدرة النظام على تجاوز العقوبات الدولية من خلال شبكات تحالفات مع إيران ودول أخرى. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، استفادت هذه التيارات من انهيار الانتقال السياسي، ومن الحاجة المتزايدة لتعبئة الموارد البشرية لمواجهة قوات الدعم السريع، الأمر الذي لم يجعل الصراع محصوراً في النزاع العسكري بين فصائل محلية، بل أظهره كجزء من صراع إقليمي أوسع، حيث تتقاطع مصالح الفاعلين المحليين مع الشبكات الإقليمية، خصوصاً فيما يتعلق بالحضور الإيراني في البحر الأحمر ونفوذ التيارات الإسلامية في إعادة تشكيل المشهد السوداني.
مع اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران في عام 2026، دخل السودان مرحلة جديدة من إعادة التموضع على الخريطة الاستراتيجية الإقليمية، حيث لم تعد الحرب مجرد نزاع داخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل أصبحت جزءاً من الصراع الإقليمي الأوسع الذي تهدف القوى الدولية من خلاله إلى احتواء النفوذ الإيراني خارج نطاقه المباشر. انعكس ذلك في الاهتمام الدولي المتزايد بأمن البحر الأحمر، وإعادة تقييم موقع السودان كحلقة وصل بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط، مع تصاعد القلق من إمكانية استخدام البلاد كمنصة خلفية لشبكات مرتبطة بطهران، ما يزيد حساسية التعامل مع الصراع ويحول كل تسوية محتملة إلى لعبة معقدة بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. كما أن هذه الديناميات أعادت تعريف الفاعلين داخل السودان، ووضعت شرعيتهم وقدرتهم على الاندماج في أي ترتيبات سياسية جديدة تحت مراقبة دولية دقيقة، حيث باتت أي خطوة سياسية مرتبطة مباشرة بعلاقات السودان مع القوى الإقليمية، ما يجعل الاستقرار المحلي رهيناً بموازين القوى الإقليمية والدولية في آن واحد.
التنظيمات الإرهابية وتداعياتها
شكل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كتنظيم إرهابي نقطة تحول فارقة في مسار الحرب، إذ لم يقتصر أثر هذا القرار على تقليص المجال السياسي أمام الجماعة، بل أعاد صياغة قواعد اللعبة داخل المؤسسة العسكرية وعلى مستوى العلاقات الدولية أصبح استبعاد هذه الجماعة شرطاً ضمنياً لأي تسوية محتملة، وهو ما يثير معضلة واضحة: فالاستبعاد قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع، بالنظر إلى عمق تغلغل الجماعة في الدولة والمجتمع، وقدرتهم على إعادة إنتاج أنفسهم في أشكال تنظيمية وعسكرية جديدة، بينما استمرارهم في المشهد السياسي يضاعف المخاطر الإقليمية، ويضع السودان في قلب معادلة الأمن الإقليمي، وليس فقط ضمن التوازنات الداخلية السودانية. وهذا يعكس بشكل مباشر كيفية تحول النزاعات المحلية إلى جزء من صراع إقليمي أوسع، حيث تصبح أي قرارات محلية مرتبطة بسلوكيات القوى الدولية وأولوياتها الإقليمية.
تشير تقديرات دولية إلى أن السودان أصبح بمثابة ساحة اختبار لتداعيات الحرب على إيران، حيث تتقاطع استراتيجيات احتواء النفوذ الإيراني مع الحاجة إلى استقرار محلي نسبي، ويصبح أي مسار لوقف الحرب مشروطاً بإعادة هيكلة الفاعلين وضمان عدم تمكين القوى المصنفة إرهابية من لعب أي دور مستقبلي. يعكس هذا التوجه تحوّل أولويات القوى الدولية، التي تميل إلى دعم صياغة استقرار وظيفي أكثر من السعي إلى التحولات الديمقراطية، مما يضع القوى المدنية السودانية أمام تحديات جمة فيما يتعلق بمستقبل مشاركتها في النظام السياسي القادم. وفي الوقت نفسه، فإن حضور الفاعلين الدوليين يتطلب تكيفاً مستمراً للسياسات المحلية وإعادة التوازن بين المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، وهو ما يعقد عملية التوصل إلى حلول شاملة ومستدامة.
السيناريوهات المستقبلية للصراع
تتزايد احتمالات تدويل الصراع، بما يحوّل السودان إلى ساحة مواجهة بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، إذ تعمل الحرب على إيران كعامل مسرّع لهذه الديناميات. في ضوء ذلك، تتعدد السيناريوهات المحتملة لوقف الحرب السودانية، لكنها جميعها تظل مرتبطة بتطورات الحرب على إيران وبكيفية إدارة التنافس الإقليمي والدولي. السيناريو الأول يتمثل في تسوية مشروطة تستبعد الفصائل الإسلامية المصنفة إرهابية، لكنه يواجه مخاطر الاستدامة في ظل احتمالات التمرد وإعادة إنتاج العنف. السيناريو الثاني يرتبط بتعميق الحرب بالوكالة، حيث يتحول السودان إلى ساحة صراع غير مباشر بين محور مناهض لإيران وشبكات مرتبطة بها والإسلاميين السودانيين المتعاطفين معهم، مما قد يطيل أمد الحرب ويعقد مسارات التسوية. أما السيناريو الثالث فيرتبط بإمكانية التوصل إلى صفقة إقليمية أوسع تخفف من حدة التوتر مع إيران، لكنها تظل رهينة لتطورات يصعب التنبؤ بها على المدى القريب وفي هذا الإطار، تبرز دلالات استراتيجية مهمة لكل من مصر والمملكة العربية السعودية، اللتين تواجهان تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على استقرار السودان ومنع تحوله إلى منصة نفوذ لإيران أو لقوى إقليمية منافسة، وفي الوقت ذاته دعم الدولة الوطنية السودانية، واحتواء الفاعلين الأيديولوجيين، وتعزيز الأطر الإقليمية للتسوية، بما يضمن تقليص فرص حروب الوكالة على الأراضي السودانية.
خاتماً: تكشف الحرب على إيران حقيقة تتجاوز الحالة السودانية، مفادها أن الصراعات المحلية لم تعد قابلة للفصل عن السياقات الإقليمية والدولية، وأن مسارات السلام لم تعد تصاغ داخل حدود الدولة فقط، بل في ضوء توازنات أوسع تعيد تعريف مفهوم السيادة والشرعية. إن مستقبل السودان أصبح مرهوناً ليس فقط بقدرة أطرافه على التوصل إلى تسوية، بل بمدى نجاح القوى الإقليمية والدولية في إدارة تناقضاتها ومنع الانزلاق إلى صراع لا يملك البلد أدوات التحكم فيه. ومن ثم، فإن السؤال لم يعد فقط "كيف تتوقف الحرب في السودان؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى "كيف يمكن إعادة إدماج السودان في نظام إقليمي جديد يتشكل على وقع صراع يمتد من إيران إلى البحر الأحمر، ويعيد رسم خرائط النفوذ والشرعية في الوقت ذاته؟"، وهو ما يضع البلاد على مفترق طرق تاريخي حاسم، بين الاستقرار أو الانزلاق إلى دوامة صراعات تتجاوز حدودها الوطنية.
المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. أماني الطويل
التاريخ : 23/3/2026
-----------------------------------------------------------------------------------
المصدر: مركز تقدم للسياسات
الكاتب : ذوالنون سليمان
التاريخ : 24/3/2026
