في 14 أكتوبر 2020، أصدر معهد آلان تورينغ البريطاني (The Alan Turing Institute) تقريراً بعنوان "مواجهة التهديدات التي تتعرض لها عملية اتخاذ القرارات المستنيرة في المجتمعات الديمقراطية: تعزيز الأمن المعرفي في عالم متقدم تقنياً"، لفت الانتباه إلى تحول نوعي لا يقل خطورة عن التهديدات العسكرية التقليدية. فهذا التقرير أشار إلى أن الحصول على معلومات موثوقة هو أمر حاسم لقدرة المجتمع الديمقراطي على تنسيق عمل جماعي فعال عند الاستجابة لأزمة ما، مثل الجائحة العالمية أو تحدي تغير المناخ المعقد، كما قال مؤلفوه.
بعد ست سنوات فقط، وفي خضم الحرب الأمريكية الإيرانية (2026)، لم يعد الحديث عن "الأمن المعرفي" مجرد توصية أكاديمية، بل ضرورة وجودية تفرض نفسها على أروقة صنع القرار في التحالفات العسكرية الكبرى. فمع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتزييف العميق (Deepfakes)، أصبحت القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال أكبر تحدٍ يواجه تماسك أي تحالف. وأمام هذا الواقع، لم يعد السؤال: "هل ينبغي لنا إدراج الأمن المعرفي في مواثيقنا؟" بل أصبح: "كيف يمكن إعادة تعريفه كبند إلزامي في مواثيق التحالفات العسكرية؟"
تتجلى خطورة هذا التهديد في أن الحرب المعرفية (Cognitive Warfare) تستهدف ما هو أعمق من البيانات أو البنى التحتية؛ فهي تستهدف العقل البشري ذاته. وكما لاحظ تقرير حديث صادر عن مركز التحالفات والتواصل الاستراتيجي (STRATCOMCOE) التابع لحلف الناتو، فإن "الناتو يواجه شكلاً جديداً من الحرب الباردة، تُعرَّف بالمنافسة التكنولوجية العالية، حيث يستخدم الخصوم تقنيات ناشئة لاستهداف مواطني الدول الأعضاء في الناتو". والأكثر خطورة من ذلك، أن هذه الحرب لا تميز بين أطراف النزاع، بل قد ترتد آثارها على الحلفاء أنفسهم، آكلة من أسس التعاون.
في حالة نضوب مصطلح "الأمن السيبراني" عن وصف عمق هذه المخاطر، برز مفهوم "الأمن المعرفي" كإطار أكثر شمولية. ويعرفه علماء الاجتماع بأنه "انعكاس لسلامة الفكر والفهم، ووعي الفرد بالعالم المحيط به". ويتجاوز هذا التعريف حماية المعلومات إلى حماية العمليات المعرفية التي تنتجها المجتمعات وتوزعها وتقيمها وتستوعبها، فضلاً عن التصدي للتهديدات التي تحد من الوصول إلى المعلومات أو تقوض القدرة على تقييم صحتها أو موثوقية مصادرها. عندما تتعرض هذه القدرات الجماعية للاختراق، تصبح المجتمعات – بما فيها النخب السياسية والعسكرية داخل التحالفات – أقل قدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة في الوقت المناسب.
يستعرض هذا المقال الأهمية المتزايدة للأمن المعرفي في ظل السياق التكنولوجي المتسارع، ويحلل كيف يمكن إعادة تعريفه كبند إلزامي في مواثيق التحالفات العسكرية. وينقسم المقال إلى ثلاثة أقسام رئيسية: أولاً، وضع إطار مفاهيمي يشرح "الحرب المعرفية" و"الأمن المعرفي". ثانياً، تحليل لآليات تهديد هذه الظاهرة لتماسك التحالفات. وأخيراً، تقديم خارطة طريق عملية لإدراج الأمن المعرفي في مواثيق التحالفات، مع دراسة حالة مقارنة ومناقشة التحديات.
أولاً: الإطار النظري والمفاهيمي: فهم الأبعاد الثلاثة للتهديد
1- الحرب المعرفية (Cognitive Warfare)
الحرب المعرفية هي "فن توظيف الأدوات التكنولوجية لإحداث تغيير في إدراك ومعرفة الأهداف البشرية، وهي أهداف غالباً ما تكون غير مدركة لمحاولات التأثير هذه". وكما يشير تعريف حلف الناتو لها بأنها تركز على "مهاجمة وتدهور العقلانية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى استغلال الثغرات وإضعافها بشكل منهجي". ما يجعل هذا النوع من الحروب بالغ الخطورة هو أنه يتجاوز مجرد تضليل قصير المدى، ليخلق "عوائق معرفية" (cognitive biases) طويلة المدى يصعب تصحيحها.
في إحدى دراسات الناتو حول هذا المفهوم، وصفت الحرب المعرفية بأنها "تسليح المعلومات الذي يستغل الثغرات المعرفية الطبيعية لتعطيل وتلاعب والسيطرة على تصورات الأفراد للواقع". ويعني ذلك أن الخصم لم يعد بحاجة إلى تدمير أهدافك ليجعلك تتراجع، بل يكفيه أن يزرع داخلك الشك في قدرتك على الانتصار، أو في نوايا حلفائك، أو في حقيقة ما تراه عيناك.
2- الأمن المعرفي (Epistemic Security)
لم يعد الأمن المعرفي مجرد أداة مساعدة في مواجهة التضليل، بل أصبح إطاراً نظرياً متكاملاً لفهم كيفية حماية العمليات المعرفية للمجتمع. وفقاً للمعهد ذاته، فإن الأمن المعرفي "يتضمن التأكد من أننا فعلاً نعرف ما نظن أننا نعرفه، وأننا قادرون على كشف الادعاءات غير المدعومة ببراهين، وأن أنظمتنا المعلوماتية قوية في مواجهة ''التهديدات المعرفية'' مثل الأخبار المزيفة".
هذا التحول من "الأمن السيبراني" (الذي يحمي الأنظمة والبيانات) إلى "الأمن المعرفي" (الذي يحمي العمليات العقلية والعقلانية الجماعية) يعكس إدراكاً أن أضعف حلقة في أي منظومة دفاعية ليست الخوادم أو الكوابل، بل العقل البشري. فبينما يمكن تحديث بروتوكولات التشفير بشكل شبه فوري، يتطلب تغيير تصور خاطئ راسخ أسابيع أو شهوراً – إن كان ممكناً أصلاً.
3- الواقعية المفرطة (Hyperreality)
يكتمل الإطار النظري باستحضار مفهوم "الواقعية المفرطة" الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، حيث تختلط المحاكاة بالواقع إلى حد انفصال العلامات عن مرجعياتها الواقعية، في تنويع مرئي يخلق واقعاً بديلاً مستقلاً بذاته. في هذا العالم، لم يعد الهدف من المحتوى المضلل هو تقليد الواقع بدقة، بل إنتاجه في نسخته المثالية والأكثر إثارة. وهذا يفسر كيف يمكن لصورة مزيفة لم يتم التقاطها على الإطلاق أن تصبح أكثر "حقيقية" في أذهان الجماهير من الصورة الحقيقية نفسها، وكيف يمكن أن تتحول الحرب من فضاء للعمليات العسكرية إلى "منتج إعلامي" قابل للتوليف والمونتاج.
ثانياً: آليات تهديد الحرب المعرفية لتماسك التحالفات
التحالفات العسكرية بطبيعتها مؤسسات هشة، تعتمد على افتراضات ضمنية حول الثقة والمصداقية. جاءت الحرب المعرفية لتهاجم هذه الافتراضات من عدة محاور، يمكن تفصيلها كما يلي:
أ. استهداف القنوات "الآمنة" لقادة التحالف
إذا كانت التحالفات تعتمد على حصانة قنوات اتصالها المباشرة، فإن الحرب المعرفية دفعتها إلى إعادة النظر في هذا المبدأ. ففي الصراعات الأخيرة لم يعد الأمر مقتصراً على اعتراض المعلومات بقدر ما تحول إلى إنتاجها وإعادة إخراجها. في نظام أصابته "الواقعية المفرطة"، قد تصل إلى القائد العسكري رسالة صوتية تبدو وكأنها صادرة من قائد الحلفاء المجاور، تأمره بالانسحاب. وقد تتمكن أجهزة الاستخبارات من كشف الخداع لاحقاً، لكن الضرر – الذي يتمثل في تأخير أو إلغاء عملية مشتركة – يكون قد وقع بالفعل.
ب. "تأثير الموجة المرتدة" (Backfire Effect)
الرواية التي تُطلق لتقويض معنويات العدو لا تبقى محصورة داخل صفوفه، بل قد ترتد إلى شبكات الحلفاء الذين يشاركون نفس المنصات والسرديات. فالمقاطع المزيفة التي تنشرها إيران عن هزيمة أمريكية يتم تداولها على نطاق واسع على "إكس" (تويتر سابقاً) في أوروبا وأمريكا، مما يخلق حالة من التضارب المعرفي: فبينما تؤكد المعلومات الاستخباراتية أن الوضع تحت السيطرة، فإن مقاطع الفيديو المروعة على الشاشات تناقض ذلك. هذا التضارب، حتى وإن حُل لصالح المعلومات الاستخباراتية لاحقاً، يُحدث تآكلاً لا يمكن إصلاحه بسرعة في ثقة الرأي العام بالقيادة، ويدفع قادة التحالف إلى إنفاق وقت ثمين في التصدي للشائعات بدلاً من التركيز على العمليات العسكرية.
ج. شرعنه التضليل كأداة للدعاية
أخطر الآثار طويلة المدى للحرب المعرفية على التحالفات هو ما يمكن تسميته بـ"شرعنه التضليل". ففي حرب 2026، اتهمت إيران باستخدام محتوى مضلل مولد بالذكاء الاصطناعي، بينما قام الجانب الأمريكي باستخدام مواد دعائية تمزج بين لقطات حقيقية ومشاهد من أفلام وألعاب فيديو لتمجيد قوته العسكرية استخدام لم يُقدم على أنه تزييف انتهاكي، بل "وسيلة فعالة لإظهار القوة".
هذا التباعد في المعايير يخلق منحدراً زلقاً: إذا أصبح كل عضو في التحالف يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لتجميل صورته وإظهار قدراته بشكل مثالي، فلسوف تفوت فترة قصيرة حتى يفقد جميع الأعضاء القدرة على الوثوق بأي معلومة يتلقونها من شركائهم، حتى وإن كانت صحيحة. عندئذ تختفي القيمة المضافة الأساسية لأي تحالف عسكري. فالتحالفات لم تُنشأ فقط للقتال معاً، بل للتصديق على رواية مشتركة للواقع تسمح بتخطيط وتنفيذ العمليات المشتركة.
د. تهديد الانضمام "الانتقائي" للتحالفات
الأمن المعرفي لا يهدد فقط تماسك الحلفاء الحاليين، بل يؤثر أيضاً على قرارات التحالفات المستقبلية. فالدول التي تتردد في الانضمام إلى حلف عسكري قد تجد في سهولة إنتاج الروايات المضللة مبرراً للبقاء خارج التحالف: إذا كان من السهل على خصوم أي حلف تشويه صورته وتقويض شعبيته داخلياً، فإن الفوائد الاستراتيجية من الانضمام قد لا تعوّض المخاطر السياسية المحلية التي تنجم عن الانكشاف للحملات المعلوماتية. هذا البعد المستقبلي يبدو واضحاً في تحفظات دول حليفة للغرب لم تنضم مباشرة إلى الناتو بعد، والتي ترى أن التحالف لم يطور بعد الأدوات المعرفية الكافية لحماية نفسه من التضليل، فكيف سيحميها؟
ثالثاً: ضرورة إدراج الأمن المعرفي في مواثيق التحالفات
المبررات الاستراتيجية
استناداً إلى التحديات المذكورة أعلاه، تبرز أربعة مبررات رئيسية تجعل إدراج الأمن المعرفي كبند إلزامي في مواثيق التحالفات أمراً لا مفر منه:
1. تحول طبيعة التهديدات: ما لم يعد الخطر مقتصراً على الغزو العسكري بل امتد إلى غزو العقول. فالمادة الخامسة من معاهدة الناتو (الدفاع المشترك) قد تصبح عاجزة إذا لم يُسبقها بند يحمي القدرة الجماعية للحلفاء على تحديد متى وأين وقع الهجوم، ومن هو المعتدي فعلاً.
2. تناظر التهديد: بينما تستثمر الدول الخصوم بكثافة في تقنيات التضليل والحرب المعرفية، تظل التحالفات حتى الآن تتعامل مع هذه الظاهرة كأزمة عابرة وليس كجبهة قتال دائمة. تضمين الأمن المعرفي في مواثيق التحالفات يخلق الالتزام المتبادل بتخصيص الموارد والاهتمام اللازمين لمواجهة هذا التهديد المتناظر.
3. حماية آليات صنع القرار: يعمل الأمن المعرفي كـ"درع واقٍ" لعمليات صنع القرار المشتركة، حيث يوفر إطاراً تحليلياً لتقييم المعلومات قبل أن تُستخدم في وضع الخطط. وهذا يمنع الحالات التي قد يُبنى فيها قرار بشن عملية عسكرية على معلومات مختلقة أو تم التلاعب بها.
4. تعزيز المصداقية الدولية: حلف لا يستطيع حماية حقائقه الأساسية من التشويه لا يمكن أن يحتفظ بمصداقيته كمؤسسة دولية. إدراج الأمن المعرفي في الميثاق ليس مجرد حماية داخلية، بل إشارة خارجية إلى أن الحلف جاد في التصدي لأخطر أدوات الحرب في القرن الحادي والعشرين.
رابعاً: آلية الإدراج: من الفكرة إلى البند الإلزامي
يتطلب تحويل الأمن المعرفي من مفهوم فضفاض إلى بند إلزامي في مواثيق التحالفات تقديم إطار عمل متكامل. يمكن تقسيم هذه الآلية إلى أربعة مستويات متداخلة:
المستوى الأول: التضمين الميثاقي
ينبغي إعادة صياغة مواد المواثيق التقليدية لتحقيق هدفين: أولاً، إضافة "الأمن المعرفي" كبند مستقل بجانب الأمن العسكري التقليدي في تعريف الأهداف والغايات. ثانياً، تعديل مواد التنسيق والمساعدة المتبادلة (كالمواد 3 و4 و5في ميثاق الناتو) بحيث تشمل صراحةً حالات الهجمات المعرفية كتهديدات تتطلب تحركاً وتنسيقاً عاجلين. صياغة مقترحة: "يُعتبر أي هجوم معرفي يمس القدرة الجماعية لأي دولة عضو على الحفاظ على سلامة عملياتها المعرفية، أو يزعزع ثقة الجمهور في المؤسسات الديمقراطية أو في قدرات الحلفاء، هجوماً يستدعي تفعيل آليات التنسيق العاجلة."
المستوى الثاني: البنية المؤسسية
يتطلب التنفيذ الفعال إنشاء "قيادة معرفية" أو على الأقل خلية أزمات دائمة تتبع أعلى مستوى عسكري (SACEUR). هذه القيادة تكون مسؤولة عن:
- التنسيق المركزي لتتبع المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي عبر الدول الأعضاء.
- تطوير أنظمة مشتركة لكشف العلامات المائية والتناقضات البصرية.
- التدريب المتبادل على الأساليب المعرفية الدفاعية.
المستوى الثالث: التمويل المشترك
لا يمكن بناء الحصانة المعرفية دون إنفاق فعلي، ولذلك يُقترح تخصيص نسبة لا تقل عن 2% من ميزانية الدفاع لكل دولة عضو لدعم أنشطة الأمن المعرفي المشتركة. يشمل ذلك تمويل البحث والتطوير، بناء أنظمة التحقق الآلية، وتدريب الكوادر على مهارات تقييم المصادر وكشف التزييف.
المستوى الرابع: آليات التحقق والمراجعة
لكيلا يتحول البند الجديد إلى نصوص نظرية، ينبغي أن تتضمن المواثيق آليات مراجعة إلزامية، مثل إعداد تقرير سنوي مشترك عن حالة الأمن المعرفي، وإجراء تدريبات محاكاة للهجمات المعرفية بشكل دوري، وتقارير مستقلة عن مصداقية المصادر المستخدمة في عمليات التخطيط المشتركة.
خامساً: دراسة حالة مقارنة
مقاربة الناتو (الغرب)
يُعتبر حلف الناتو الأكثر تقدماً في هذا المجال، ويرجع ذلك جزئياً إلى خطورته المباشرة. فقد أصدر كبير العلماء في الناتو في 2025 تقريراً شاملاً عن الحرب المعرفية، معترفاً بأن الصراعات المعاصرة "تتجه بشكل متزايد نحو السلوك، وأن التضاريس الحاسمة غالباً ما لا تكون جغرافية بل كيف ينظر الأفراد والجماعات إلى الواقع ويفسرونه ويقررونه ويتصرفون بناء عليه".
وبناءً على هذا التقرير، بدأ الحلف باتخاذ إجراءات عملية: فقد أدرجت القيادة العليا للحلف في مناوراتها العسكرية، مثل "Cyber Coalition 2025" و"Crossed Swords 2025"، سيناريوهات كاملة للحرب المعرفية، حيث تستخدم الخصوم افتراضياً تقنيات التزييف العميق والتضليل بالذكاء الاصطناعي لتعطيل قدرات صنع القرار لدى قوات الحلف. كما تم تطوير "مجتمع اتصالات استراتيجي شبكي" (networked Strategic Communications community) قادر على كشف وتحليل ومواجهة عمليات التأثير العدائية. وفي خطوة متقدمة، وافق الناتو على مفهوم الحرب المعرفية الجديد في 18 يونيو 2025، في انتظار الموافقة النهائية من المجلس.
ومع ذلك، تعاني هذه المقاربة من مشكلات عدة: عدم الإلزام، حيث تبقى معظم المبادرات ضمن نطاق "استراتيجيات الاتصالات" بدلاً من الرقابة العسكرية الملزمة؛ بطء التفاعل المؤسسي؛ وأخيراً التباين في القدرات بين الدول الأعضاء. بينما تمتلك بعض حكومات الناتو أقساماً متخصصة في التحقق من المعلومات، تفتقر دول أخرى إلى أدنى البنى التحتية المعرفية.
مقاربة الدول العربية
أما على الجانب العربي، فيختلف الوضع جذرياً. فلم تتبنَّ أياً من التحالفات العربية الكبرى (كدول الخليج أو جامعة الدول العربية) مفهوماً واضحاً للأمن المعرفي. وتتصدر "الحرب المعرفية" عناوين المؤتمرات الأمنية في المنطقة، لكنها لم تترجم بعد إلى بنود ملزمة. ربما يعود ذلك إلى تركيز هذه التحالفات على التهديدات العسكرية التقليدية كالإرهاب أو الحروب بالوكالة، لكن مع التزايد الكبير للمحتوى الموجه ضد هذه التحالفات من الدول الخصوم، وخاصة باللغتين العربية والإنجليزية، صارت ضرورة التحرك ملحة. بخلاف الناتو، لم تجرِ التحالفات العربية مناورات عسكرية تتضمن سيناريوهات للحرب المعرفية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، كما أنها لم تنشئ مراكز عمليات موحدة لمواجهة هذه المخاطر. ولا توجد بند واحد في أي من مواثيقها يذكر "الأمن المعرفي" أو "الحماية من التزييف العميق". هذه الفجوة ستجعلها أهدافاً مكشوفة في أي صراع مستقبلي مع خصوم ماهرين في هذا المجال.
سادساً: خطة عمل استراتيجية لتفعيل الأمن المعرفي
بناءً على التحليل أعلاه، يُقترح خطة عمل متعددة المراحل لتفعيل الأمن المعرفي في مواثيق التحالفات العسكرية.
المرحلة الأولى ـ التشخيص والمواءمة (الأشهر 0-6):تشخيص الثغرات في المواثيق الحالية؛ ومواءمة التعريفات بين الدول الأعضاء لما يشكل "هجوماً معرفياً" يستدعي التفعيل العسكري؛ وتجميع القدرات الحالية للدول الأعضاء في مجال كشف المحتوى المولّد.
المرحلة الثانية ـ الصياغة والاعتماد (الأشهر 6-12): تشكيل لجنة قانونية لصياغة تعديلات الميثاق؛ صياغة التعريفات التشغيلية بأنظمة التهديد، مثل الفرق بين التزييف في الدعاية اليومية (التي قد لا تستدعي تفعيلاً عسكرياً) والتزييف الذي يعطل فعلياً عمليات صنع القرار؛ وإقرار البنود الجديدة عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة.
المرحلة الثالثة ـ بناء القدرات (الأشهر 12-24): إنشاء القيادة المعرفية الموحدة؛ تخصيص التمويل المشترك وبدء مشاريع التقنيات المتفق عليها؛ وتدريب الكوادر في "أكاديمية الحرب المعرفية" التابعة للتحالف (مقترحة).
المرحلة الرابعة ـ دمج وتطوير (ما بعد 24 شهراً): إدراج تدريبات الحرب المعرفية في جميع المناورات العسكرية المشتركة؛ مراجعة سنوية للبنود لمواكبة التطور التكنولوجي المتسارع؛ وربما توسيع التحالف ليشمل شراكات مع منظمات مدنية متخصصة في الأمن المعرفي، مثل معاهد البحوث وشركات التقنية العابرة للحدود، للاستفادة من خبراتها في الكشف المبكر والتوعية.
خلاصة
عندما كان الفيلسوف الفرنسي جان بودريار يتأمل في تآكل الحدود بين الواقع وتمثيلاته بفعل التقنيات الرقمية، ربما لم يكن يتصور أن تأملاته النظرية ستصبح يوماً وصفاً دقيقاً لساحات القتال الفعلية. اليوم، وبعد حروب أوكرانيا وغزة وإيران، لم نعد في عالم يمكن فيه التمييز بسهولة بين الصورة الحقيقية والصورة المصطنعة. نحن نعيش في عصر المنصات الرقمية حيث تقع الحرب مرة على الأرض ومرة على الشاشات، وقد تكون المعركة الأخيرة هي الأعنف؛ لأنها تحدد كيف سيتذكر الرأي العام كل ما حدث.
إذا كانت المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على أن الهجوم على أي دولة عضو هو هجوم على الجميع، كانت تمثل ذروة الردع التقليدي، فإن القرن الحادي والعشرين يتطلب ما يمكن تسميته بـ"المادة الخامسة المعرفية": هجوم على عمليات المعرفة لأي دولة عضو هو هجوم على الجميع. فالخبرات التي نراها اليوم متكررة، حتى أن الناتو أعلن رسمياً قبول مفهوم الحرب المعرفية في منتصف 2025 أملاً في حماية أعضائه.
يحتاج مفهوم الأمن المعرفي إلى ما هو أكثر من مجرد الكشف عن التزييف العميق، فهو يحتاج إلى الترسيخ في بنود الميثاق ذاتها، وتحويله من توصية تقنية إلى التزام سياسي وعسكري ملزم. إن مستقبل التحالفات وقدرتها على الحفاظ على التماسك والثقة المتبادلة يتوقف على مدى استعدادها لمواجهة هذا التحول المعرفي اليوم، قبل أن تندلع حروب مقبلة وقد وجد الحلفاء أنفسهم يعيشون في أجنحة منفصلة من "الواقعية المفرطة"، لا حقيقة واحدة تجمعهم ولا صورة مشتركة يوافقون عليها.
المراجع:
1. معهد آلان تورينغ (The Alan Turing Institute). "مواجهة التهديدات التي تتعرض لها عملية اتخاذ القرارات المستنيرة في المجتمعات الديمقراطية: تعزيز الأمن المعرفي في عالم متقدم تقنياً". لندن، 14 أكتوبر 2020.
2. خليفة، إيهاب. *الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي*. المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد 25، أكتوبر 2025.
