تشهد العلاقات عبر الأطلسي منذ عودة الرئيس الأمريكي Donald Trumpإلى البيت الأبيض مرحلة غير مسبوقة من إعادة التقييم السياسي والاستراتيجي داخل القارة الأوروبية فلم تعد أوروبا تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الثابت لأمن القارة كما كان الحال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بل باتت تتعامل مع واشنطن باعتبارها شريكًا متغيرًا تحكمه الحسابات الانتخابية والضغوط الاقتصادية الداخلية بصورة متزايدة وقد ساهم الخطاب الأمريكي الجديد القائم على إعادة توزيع أعباء التحالفات، والتشكيك في جدوى بعض الالتزامات الدفاعية التقليدية، في دفع أوروبا إلى مراجعة عميقة لأولوياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، برزت مجموعة من التحولات الأوروبية المتسارعة، تمثلت في زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الصناعات العسكرية الأوروبية، والسعي نحو بناء استقلالية استراتيجية أكبر بالتوازي مع الحفاظ على تماسك حلف شمال الأطلسي باعتباره الإطار الأمني الأكثر أهمية للقارة كما تزامنت هذه التحولات مع محاولات أوروبية لإعادة صياغة العلاقات مع القوى الدولية الأخرى، وعلى رأسها الصين، بما يمنح أوروبا هامشًا أوسع من المناورة في ظل التقلبات الأمريكية.
وتزداد أهمية هذه التطورات في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد الأزمات في الشرق الأوسط، وتنامي التنافس الدولي على النفوذ والطاقة وسلاسل الإمداد ومن ثم، يسعى هذا التقرير إلى تحليل طبيعة التحول الأوروبي بعد عودة ترامب، ودراسة انعكاسات ذلك على بنية الأمن الأوروبي، ومستقبل حلف الناتو، وعلاقات أوروبا بالقوى الدولية، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المحتملة لمكانة أوروبا في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
أزمة الثقة عبر الأطلسي
أعادت عودة إدارة ترامب إلى الحكم فتح ملف الثقة الأوروبية في الشريك الأمريكي بصورة غير مسبوقة فالتصريحات المتكررة التي شككت في جدوى حلف شمال الأطلسي، والحديث المتكرر عن الأعباء المالية التي تتحملها الولايات المتحدة دفاعًا عن أوروبا، دفعت العديد من العواصم الأوروبية إلى إعادة التفكير في طبيعة الاعتماد الأمني على واشنطن.
لقد أدركت أوروبا أن التحالف التقليدي لم يعد قائمًا على الأسس ذاتها التي حكمته طوال العقود الماضية، خاصة مع تحول السياسة الأمريكية نحو مقاربة أكثر براغماتية وتجارية في إدارة العلاقات الدولية فالإدارة الأمريكية الجديدة باتت تنظر إلى الحلفاء وفق حسابات الكلفة والعائد، وليس فقط وفق اعتبارات الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد.
وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على المزاج السياسي الأوروبي، حيث بدأت دول مثل France وGermany في تعزيز التنسيق الدفاعي الداخلي، ورفع ميزانيات التسلح، وتطوير خطط لبناء قدرات أوروبية أكثر استقلالًا كما تصاعد الحديث داخل مؤسسات European Union عن مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، الذي يقوم على تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة دون الوصول إلى القطيعة الكاملة معها.
وفي المقابل، لا تزال أوروبا تدرك أن الانفصال الكامل عن المظلة الأمريكية ليس خيارًا واقعيًا في المدى المنظور، خاصة في ظل استمرار التهديدات الروسية والتحديات الأمنية الممتدة من شرق أوروبا إلى البحر المتوسط ولذلك، فإن السياسة الأوروبية الحالية تقوم على محاولة تحقيق توازن دقيق بين تعزيز الاستقلالية والحفاظ على الشراكة الأطلسية.
الحرب الأوكرانية والتحول الدفاعي
شكّلت الحرب في Ukraine نقطة تحول استراتيجية كبرى بالنسبة إلى أوروبا، حيث لم تعد الأزمة تُفهم باعتبارها نزاعًا إقليميًا محدودًا، بل أصبحت اختبارًا مباشرًا لقدرة أوروبا على حماية أمنها القاري ومع تزايد الشكوك بشأن استمرارية الدعم الأمريكي غير المشروط لكييف بدأت العواصم الأوروبية تتحرك لسد الفجوات العسكرية والمالية بصورة أكثر استقلالًا.
وقد أدى هذا التحول إلى ارتفاع غير مسبوق في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، سواء عبر تحديث الجيوش، أو تعزيز الصناعات العسكرية، أو تطوير أنظمة الدفاع الجوي والقدرات اللوجستية كما تسارعت الجهود الأوروبية لبناء منظومة إنتاج عسكري مشتركة تقلل من الاعتماد على الصناعات الدفاعية الأمريكية.
وفي السياق ذاته، بدأت أوروبا تنظر إلى الحرب الأوكرانية باعتبارها جزءًا من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الردع الأوروبي في مواجهة Russia فإضعاف أوكرانيا أو تراجع الدعم الغربي لها قد يُنظر إليه أوروبيًا باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمن القارة، وربما يشجع موسكو على توسيع نطاق الضغط السياسي والعسكري في شرق أوروبا.
ومن هنا، لم يعد دعم كييف مجرد التزام أخلاقي أو سياسي، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الأوروبي ولذلك تعمل أوروبا على ضمان استمرار المساعدات العسكرية والاقتصادية، حتى في ظل احتمالات تغير الموقف الأمريكي مستقبلًا.
الناتو والاستقلال الأوروبي
رغم التوتر المتزايد في العلاقات عبر الأطلسي، لا تزال أوروبا ترى في NATOإطارًا أمنيًا لا يمكن الاستغناء عنه في المدى القريب غير أن النظرة الأوروبية للحلف تغيّرت بصورة واضحة، حيث لم يعد يُنظر إليه باعتباره مؤسسة تقودها الولايات المتحدة بشكل مطلق، بل كمنظومة ينبغي أن تتحمل أوروبا داخلها دورًا أكبر.
وفي هذا الإطار، برز اتجاه أوروبي نحو ما يمكن وصفه بـ“أوربة الناتو”، أي تعزيز الوزن الأوروبي داخل الحلف من حيث القيادة، والإنفاق، وصناعة القرار الأمني وتسعى العواصم الأوروبية إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن داخل المنظومة الأطلسية، بحيث لا تبقى قرارات الأمن الأوروبي رهينة بالكامل للتغيرات السياسية داخل واشنطن.
وقد انعكس هذا التوجه في سلسلة من المبادرات الأوروبية المتعلقة بتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة، وتعزيز التنسيق العسكري، وإنشاء آليات استجابة أوروبية للأزمات كما تسعى أوروبا إلى بناء قدرة ردع مستقلة نسبيًا، تتيح لها التحرك حتى في حال تراجع الالتزام الأمريكي مستقبلاً.
لكن هذا المسار لا يخلو من التحديات، فبعض الدول الأوروبية الشرقية لا تزال تعتبر الولايات المتحدة الضامن الأمني الرئيسي في مواجهة روسيا، وهو ما يخلق تفاوتًا في الرؤى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه كما أن بناء استقلال دفاعي أوروبي كامل يتطلب موارد مالية ضخمة وتوافقًا سياسيًا قد يستغرق سنوات طويلة.
أوروبا بين الصين والشرق الأوسط
بالتوازي مع إعادة تقييم العلاقة مع واشنطن، بدأت أوروبا تنظر بصورة أكثر براغماتية إلى علاقتها مع China فالعواصم الأوروبية تدرك أن تنويع الشراكات الدولية يمنحها هامشًا أوسع من المناورة في مواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة.
وفي هذا السياق، تسعى الصين إلى استغلال حالة التوتر النسبي بين أوروبا والولايات المتحدة من أجل بناء علاقات اقتصادية وسياسية أكثر استقرارًا مع الأوروبيين إلا أن أوروبا تتعامل بحذر مع هذا التقارب، إدراكًا منها أن بكين تمثل في الوقت ذاته شريكًا اقتصاديًا ومنافسًا استراتيجيًا.
أما في الشرق الأوسط، فقد ظهرت ملامح استقلالية أوروبية نسبية في بعض الملفات الإقليمية خاصة فيما يتعلق بالحرب في غزة والملف الإيراني ففي القضية الفلسطينية، اتجهت بعض الدول الأوروبية نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية في رسالة سياسية تعكس رغبة أوروبا في إظهار هامش من الاستقلال عن الموقف الأمريكي.
وفي الملف الإيراني، فضلت أوروبا الحفاظ على المسار الدبلوماسي، ورفضت الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة، إدراكًا منها أن أي تصعيد كبير ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة والأسواق الأوروبية ويعكس ذلك إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن مصالح القارة لا تتطابق دائمًا بصورة كاملة مع الأولويات الأمريكية.
خاتماً: تكشف التحولات الجارية في أوروبا بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض عن لحظة تاريخية فارقة في مسار العلاقات عبر الأطلسي فالقارة الأوروبية لم تعد تتحرك باعتبارها شريكًا مطمئنًا إلى استمرار القيادة الأمريكية التقليدية، بل أصبحت تسعى إلى بناء موقع أكثر استقلالًا داخل النظام الدولي، دون التخلي الكامل عن التحالف مع واشنطن.
وتشير التطورات الحالية إلى أن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة “الاستقلال القلق”، حيث تحاول الجمع بين تعزيز قدراتها الذاتية والحفاظ على التوازنات الأمنية القائمة كما أن الحرب الأوكرانية، وتصاعد التنافس الدولي، والضغوط الاقتصادية، دفعت القارة إلى مراجعة مفاهيم الأمن والسيادة والتحالف بصورة أكثر عمقًا من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي ضوء ذلك، تبدو السنوات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت أوروبا قادرة على التحول إلى لاعب استراتيجي مستقل نسبيًا، أم أنها ستظل مرتبطة بدرجات متفاوتة بالتقلبات السياسية الأمريكية وفي كل الأحوال، فإن ما بعد ترامب لن يشبه ما قبله بالنسبة إلى أوروبا، لأن القارة القديمة باتت تدرك أن مستقبلها الأمني والسياسي لم يعد يمكن بناؤه فقط على افتراضات الماضي، بل على القدرة على التكيف مع عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
المصدر: مجلة السياسة الدولية
الكاتب : م/ حسام الدين على
التاريخ : 21/5/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: التلفزيون العربي
التاريخ : 12/2/2026
