المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي: النشأة، الأهداف، والآفاق المستقبلية في ظل التحولات العالمية
فرع بنغازي

يشهد النظام العالمي المعاصر تحولات جوهرية، تتصدرها عودة تشكيل الكتل السياسية والاقتصادية متعددة الأطراف، وتنامي دور الدبلوماسية البرلمانية كأداة فاعلة في صياغة السياسات الدولية. في هذا السياق، برزت مبادرة تأسيس "المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي" في سبتمبر 2025، كنتيجة منطقية لتطور العلاقات التاريخية الوثيقة بين دول القارتين، وترجمة عملية للرغبة المشتركة في تعزيز الحوار المؤسسي بين برلماناتها ومجالسها التشريعية.

لم ينشأ هذا المجلس من فراغ، بل يمثل تتويجاً لمسيرة طويلة من التضامن الآسيوي الأفريقي، بدأت مع مؤتمر باندونغ التاريخي عام 1955 الذي شكل نقطة انطلاق لحركة عدم الانحياز ودعم قضايا التحرر الوطني، ولا تزال القوتان الكبيرتان تمتلكان إمكانات هائلة للتكامل الاقتصادي والسياسي في ظل العولمة المتعددة الأقطاب. ويأتي إنشاء هذا الإطار البرلماني كآلية لتعزيز التعاون بين آسيا - القوة الاقتصادية العالمية - وأفريقيا - قارة الفرص والموارد الشابة - ضمن شراكة استراتيجية قائمة على المنفعة المتبادلة.

تظهر مشكلة البحث في عدم وجود دراسات عربية كافية تناولت هذه المنظمة الناشئة بالبحث والتحليل، مما يستدعي تقديم رؤية علمية متكاملة حول نشأتها وأهدافها وهياكلها وآفاقها المستقبلية. لذلك، تهدف هذه الورقة إلى سد هذه الفجوة المعرفية، من خلال استعراض التجربة التأسيسية للمجلس، وتحليل أهدافه، وتقييم إمكاناته في تعزيز التعاون جنوب-جنوب، مع تقديم رؤية نقدية للتحديات التي قد تواجهه.

النشأة والتأسيس: من بيروت إلى بنغازي

انعقاد المؤتمر العام الأول وإعلان بيروت

شهدت العاصمة اللبنانية بيروت، وتحديداً في مقر مجلس النواب اللبناني، يومي 8-9 سبتمبر 2025، حدثاً بارزاً تمثل في انعقاد المؤتمر العام الأول للمجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي، برعاية رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري. حضر المؤتمر وفود برلمانية من العديد من الدول الآسيوية والأفريقية، إلى جانب منظمات إقليمية ودولية.

في افتتاح المؤتمر، ألقى نائب رئيس مجلس النواب اللبناني إلياس بو صعب كلمة نيابة عن الرئيس بري، شدد فيها على أهمية التكاتف الدولي لمواجهة جماعات الضغط التي تروج لسياسات تتعارض مع إرادة الشعوب، مشيراً إلى أن قراءة الماضي وحفظ دروسه لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى تشكيل جبهة لفك ضغط هذه الجماعات. كما تضمنت الكلمة إشارة إلى القضية الفلسطينية، مؤكداً أن صوت الأرض أقوى من سياسة ساكنيها، في إشارة إلى استمرار المقاومة رغم التحديات.

أما الإعلان التاريخي، فكان على لسان النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي، محسن المندلاوي، الذي أعلن رسمياً تأسيس "المجلس البرلماني الآسيوي الإفريقي"، وأكد أن تأسيس المجلس وانعقاد أول اجتماعاته في بيروت يجسدان مشروع نهضة يعيد آسيا وأفريقيا إلى مكانتهما الطبيعية في صُنع القرار العالمي. وقد اختتم المؤتمر أعماله بإصدار بيان ختامي عُرف بـ "إعلان بيروت"، الذي أصبح بمثابة الوثيقة التأسيسية للمجلس.

الانتقال إلى بنغازي وتحديد المقر الدائم

في خطوة لافتة تعكس ديناميكية المجلس، انتقلت رئاسته ومركزه من بغداد، التي كانت قد اختيرت مقراً مؤقتاً، إلى مدينة بنغازي الليبية. ففي مايو 2026، تم التوقيع على اتفاق رسمي بين رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح ووفد من المجلس، يحدد بنغازي مقراً دائماً للمجلس. وقد أشاد وفد المجلس بالمشاريع التنموية والاستقرار الأمني الذي تشهده بنغازي، معتبرين أن اختيارها يعكس الثقة الدولية في ليبيا وقدرتها على استضافة الفعاليات الدولية الكبرى.

المؤتمر العام الثاني: "الرؤية المستقبلية للعلاقات الأفريقية الآسيوية"

في 15-16 يونيو 2026، انطلقت في بنغازي أعمال المؤتمر العام الثاني للمجلس، تحت عنوان "الرؤية المستقبلية للعلاقات الأفريقية الآسيوية"، وشعار "آسيا وأفريقيا.. شراكة من أجل المستقبل". شارك في المؤتمر وفود من دول عربية وأفريقية وآسيوية واسعة، من بينها مصر وجزر القمر والكونغو وسيراليون ونيبال، بالإضافة إلى وفود من جنوب السودان والمغرب والنيجر وغيرها.

ناقش المؤتمر على مدى يومين عدداً من الملفات البرلمانية والتنموية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين المؤسسات التشريعية في القارتين. وأكد رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، الذي تم ترشيحه لرئاسة المجلس خلال هذا المؤتمر، أهمية تعزيز التعاون البرلماني بين دول القارتين، مشيراً إلى أن هذا الحدث يعكس المكانة المحورية لليبيا كشريك فاعل في محيطيها الإقليمي والقاري.

ثالثاً: الأهداف الاستراتيجية والإطار المؤسسي

الأهداف الأساسية

يتمحور الهدف الأساسي للمجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي حول بناء إطار برلماني مشترك يعزز التعاون والتنسيق بين برلمانات الدول في قارتي آسيا وأفريقيا، بما يسهم في دعم الحوار السياسي وتبادل الخبرات التشريعية ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك. ويمكن تفصيل الأهداف الاستراتيجية على النحو التالي:

أولاً، تعزيز الديمقراطية وبناء المؤسسات، حيث يسعى المجلس إلى تعزيز الممارسات الديمقراطية في الدول الأعضاء، والمساهمة في بناء القدرات المؤسسية داخل البرلمانات الوطنية.

 

ثانياً، التكامل الاقتصادي والتنموي، وذلك عبر العمل على تطوير أطر مشتركة للتجارة والاستثمار بين القارتين، ومعالجة التحديات المشتركة مثل الفقر والبطالة والتنمية المستدامة.

ثالثاً، الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، حيث يوفر المجلس منصة لمناقشة قضايا الأمن الإقليمي والدولي، ومكافحة الإرهاب والتطرف، وتعزيز السلم والأمن الدوليين.

رابعاً، الدبلوماسية البرلمانية متعددة الأطراف، وذلك عبر تمثيل القارتين في المحافل الدولية، وتنسيق المواقف بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، لا سيما في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الدولية الأخرى.

الهيكل التنظيمي والقيادة

تأسس المجلس بهيكل تنظيمي يجمع بين الخبرة البرلمانية والنقابية، حيث تم إنشاؤه بالشراكة مع الاتحاد الدولي لنقابات آسيا وأفريقيا (IFAATU)، الذي حصل على مقعد دائم في المجلس، ممثلاً برئيسه سعود الحجيلان. ويمكن توضيح الهيكل القيادي على النحو التالي:

الرئاسة: تم انتخاب محسن المندلاوي، النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي، رئيساً للمجلس في المؤتمر التأسيسي. وفي المؤتمر الثاني، تم ترشيح رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح لرئاسة المجلس.

النائب الأول للرئيس: تم تعيين سعود راشد الحجيلان، رئيس الاتحاد الدولي لنقابات آسيا وأفريقيا، نائباً أول لرئيس المجلس.

النواب: تم انتخاب سيدني درامان سوخونا، النائب الأول لرئيس الجمعية الوطنية الموريتانية، نائباً لرئيس المجلس المكلف بشؤون أفريقيا.

الأمانة العامة: تم تعيين فايز الشوابكة أميناً عاماً للمجلس.

هذا المزيج بين القيادة البرلمانية والنقابية يشكل خصوصية للمجلس، حيث يجمع بين الخبرة التشريعية والنقابية في إطار مؤسسي واحد.

اللجان الدائمة والمؤتمرات

يتضمن الإطار المؤسسي للمجلس تشكيل لجان دائمة متخصصة، تغطي مجالات الاقتصاد، الشؤون الاجتماعية، البيئة، حقوق الإنسان، والثقافة. يتم تشكيل هذه اللجان من ممثلين عن البرلمانات الأعضاء، وتجتمع بشكل دوري لإعداد الدراسات وصياغة التوصيات. كما تُعقد المؤتمرات العامة بشكل سنوي، وتكون الجمعية العمومية هي السلطة العليا في المجلس.

رابعاً: الإنجازات والتطلعات: بين الواقع والطموح

الإنجازات المحققة

على الرغم من حداثة تأسيسه، تمكن المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي من تحقيق عدد من الإنجازات الملموسة:

1.  الإطار القانوني والمؤسسي: تم إنجاز النظام الأساسي للمجلس، والإعلان عن وثيقة "إعلان بيروت" التي تحدد المبادئ والأهداف الأساسية.

2.  التوسع العضوي: شهد المؤتمر العام الثاني مشاركة وفود برلمانية من دول عديدة، مما يعكس الإقبال المتزايد على الانضمام إلى هذا الإطار.

3.  الاعتراف الدولي: بدأ المجلس يحظى باعتراف متزايد من المنظمات الإقليمية والدولية، حيث تم بحث حصوله على صفة مراقب في الجمعية البرلمانية الآسيوية.

4.  الدعم السياسي: حظيت فكرة المجلس بدعم سياسي رفيع المستوى، كما تجلى في كلمات رؤساء البرلمانات المشاركين، الذين شددوا على أهميته في تعزيز التعاون جنوب-جنوب.

التطلعات المستقبلية

تتطلع القيادة الحالية للمجلس إلى تحقيق أهداف أوسع:

- تحول إلى منظمة جامعة: السعي إلى أن يصبح المجلس منظمة جامعة تضم جميع الدول الآسيوية والأفريقية، على غرار الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية.

- صنع القرار المشترك: تعزيز دور المجلس في صياغة المواقف المشتركة تجاه القضايا الدولية الكبرى، مثل التغير المناخي، الأمن الغذائي، والطاقة.

- التكامل الاقتصادي: العمل على إنشاء مناطق تجارة حرة بين دول القارتين، وتعزيز التعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة.

- الدبلوماسية البرلمانية المؤثرة: تمثيل أصوات القارتين في المحافل الدولية، والمساهمة في إصلاح النظام متعدد الأطراف ليكون أكثر عدلاً وتمثيلاً.

الخاتمة

يمثل تأسيس المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي نقلة نوعية في مسار التعاون المشترك بين قارتي آسيا وأفريقيا، حيث يأتي كاستجابة مؤسسية للحاجة الملحة إلى تنسيق العمل البرلماني في ظل التحديات العالمية المتسارعة. تعكس هذه المبادرة إدراكاً متزايداً لأهمية الدبلوماسية البرلمانية كأداة فاعلة في بناء السلام وتعزيز التنمية وحماية حقوق الإنسان، وهي رسالة مفادها أن المستقبل يتطلب تكاتف الجهود بين أكبر تجمعين بشريين على وجه الأرض.

ومع ذلك، يواجه المجلس العديد من التحديات التي يجب معالجتها لضمان نجاحه واستمراريته، أبرزها: ضمان التمويل المستدام، تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والدولية، بناء قدرات الأمانة العامة، وتوسيع العضوية لتشمل جميع الدول دون استثناء. كما سيكون اختبار المجلس الحقيقي في قدرته على تحويل القرارات والتوصيات إلى أفعال على الأرض، من خلال مشاريع ملموسة تخدم شعوب القارتين.

في الختام، يمكن القول إن المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي يحمل في طياته إمكانات هائلة ليكون صوتاً قوياً للجنوب العالمي، ومحركاً فاعلاً للتحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر عدلاً وتوازناً. وإذا نجح في تحقيق أهدافه الطموحة، فسيكون قد كتب فصلاً جديداً في تاريخ التعاون البرلماني الدولي، يعيد تعريف مفهوم الشراكة من أجل التنمية والسلام.

 

المراجع:

وكالة الأناضول (2025، سبتمبر 8). بيروت.. تأسيس مجلس برلماني آسيوي إفريقي ودعوة لشبكة تضامن مع فلسطين. تم الاسترجاع من https://www.aa.com.tr/ar/أفريقيا/ بيروت- تأسيس-مجلس-برلماني-آسيوي-إفريقي-ودعوة-لشبكة-تضامن-مع-فلسطين/3681507.

صحيفة العنوان الليبية (20226، يونيو 15). اليوم.. انطلاق أعمال مؤتمر المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي في بنغازي. تم الاسترجاع من اليوم-انطلاق-أعمال-مؤتمر-المجلس-البرلماني الاسيوي الافريقي .

المقالات الأخيرة