تداعيات التغيرات المناخية على الاستراتيجيات الدفاعية العالمية
فرع بنغازي

لم يعد تغير المناخ مجرد تحدي بيئي أو قضية علمية محايدة، بل تحول إلى تهديد استراتيجي يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي والعسكري عالميًا. ففي الوقت الذي كانت فيه النقاشات الأمنية محصورة في التهديدات التقليدية كالنزاعات الحدودية والصراعات المسلحة، باتت التحولات المناخية تحتل موقعًا متقدمًا في أجندات الأمن القومي للدول الكبرى والصغرى على حد سواء. منذ عام 2007، حين عقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أول مناقشة له بشأن تغير المناخ، أصبح الموضوع في صدارة مناقشات الأمن الدولي.

تدرك الدول اليوم أن تغير المناخ يغير، ولو تدريجيًا، السياق الاستراتيجي الدولي، مما يؤثر على المهام والقدرات العملياتية للقوات المسلحة. ومن هذا المنطلق ظهر مصطلح "الأمن المناخي" ليشمل كل ما يتعلق بتأثير تغير المناخ على السياق الاستراتيجي والتوازنات الجيوسياسية، ومهام الجيوش ووسائل تنفيذها، فضلاً عن تدابير الاستشراف والتكيف.

تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤال رئيسي: كيف تؤثر التغيرات المناخية على الاستراتيجيات الدفاعية العالمية؟ وذلك من خلال تحليل الأبعاد المختلفة لهذه التأثيرات، بدءًا من فهم تغير المناح كمضاعف للتهديدات الأمنية، مرورًا بتأثيراته المباشرة على البنية التحتية العسكرية والعمليات القتالية، وصولاً إلى استجابات المؤسسات الدفاعية الدولية وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي (الناتو) والقوى الكبرى. وتنطلق الورقة من فرضية أن التكيف مع تغير المناخ لم يعد خيارًا ثانويًا في السياسات الدفاعية، بل أصبح ضرورة استراتيجية تؤثر في مستقبل الجيوش وميزانياتها وعقائدها القتالية.

تغير المناخ كمضاعف للتهديدات الأمنية

_ مفهوم مضاعف التهديدات 

تُعرِّف العديد من الجيوش الكبرى، مثل البنتاغون الأمريكي وحلف الناتو، تغير المناخ بأنه "مضاعف للتهديدات" (Threat Multiplier)، أي أنه يعمق التحديات الأمنية القائمة ويخلق أخرى جديدة، مما يضع أعباءً غير مسبوقة على القوات المسلحة والعمليات العسكرية. وهذا المفهوم يعني أن تغير المناخ لا يولد بالضرورة صراعات جديدة بذاته، لكنه يفاقم الظروف التي تؤدي إلى النزاعات ويزيد من حدتها.

فالتحولات المناخية تؤدي إلى تدهور إمدادات المياه، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، وتدهور البنية التحتية للطاقة. وهذه التغيرات الحادة تفرض تداعيات سلبية خطيرة على الاقتصاد العالمي، وتؤدي إلى الهجرة القسرية والنزوح، مما يفرض تحديات إضافية على الحكومات ويزيد من عدم الاستقرار السياسي. كما يشير تقرير البنك الدولي إلى أن تغير المناخ من المرجح أن يؤدي إلى نزوح حوالي 140 مليون شخص بحلول عام 2050.

_ تغير المناخ والصراعات المسلحة

تشير الدراسات إلى أن تغير المناخ يُنذر بخطر نشوب نزاعات مسلحة، حيث يؤدي التنافس المكثف على الموارد والاحتكاك المتزايد بين الطبقات الاجتماعية إلى صراع عنيف داخل الدول وربما بينها. وتتجلى هذه الديناميكية بوضوح في مناطق مثل الساحل الأفريقي وحوض بحيرة تشاد، حيث يدفع تغير المناخ السكان إلى منافسة شرسة على الموارد النادرة.

ويمكن للصراعات الناجمة عن تغير المناخ أن تسهم في انعدام الأمن العالمي وتخلق مزيدًا من الحوافز للدول لتعزيز قدراتها العسكرية. وفي هذا السياق، حذرت الأمم المتحدة من أن الفئات والسكان الأكثر تضررًا من تغير المناخ هم أيضًا الأكثر عرضة لتجنيد الجماعات الإرهابية والعنف.

التأثيرات المباشرة لتغير المناخ على القدرات العسكرية

البنية التحتية العسكرية

تشكل البنية التحتية العسكرية أحد أكثر القطاعات عرضة لتأثيرات تغير المناخ. فالقواعد العسكرية المنتشرة في جميع أنحاء العالم، والبالغ عددها 750 قاعدة أمريكية وحدها في 80 دولة تواجه تهديدات متزايدة من ارتفاع منسوب مياه البحار والعواصف الشديدة والفيضانات.

يؤدي ارتفاع درجات الحرارة والجفاف إلى تقليل العمر الافتراضي للمنشآت والبنية الأساسية، وزيادة مستوى المصروفات على المعدات العسكرية، والتأثير على جودة تخزين الذخيرة. كما يمكن للفيضانات والزلازل والحرائق أن تلحق أضرارًا جسيمة بمدارج الطائرات ومخازن الذخائر ومراكز الاتصالات. وتقع العديد من المنشآت العسكرية الأمريكية في مناطق منخفضة معرضة لخطر العواصف الساحلية وارتفاع منسوب البحار، وتوجد في دول يُتوقع أن تتأثر بشدة بتداعيات المناخ.

الجاهزية القتالية والتدريب

تشكل درجات الحرارة العالمية المرتفعة تحديًا كبيرًا للاستعداد العسكري. فبحلول عام 2050، قد تواجه مناطق مثل الشرق الأوسط ارتفاعًا في درجات الحرارة يهدد قدرة القوات على العمل في الظروف الميدانية. وتشير التقارير إلى أن أكثر من 10000 جندي أمريكي تعرضوا لإصابات مرتبطة بالحرارة منذ عام 2018.

تتطلب الظروف المناخية المتغيرة تطوير برامج تدريبية وتمارين مشتركة تهدف إلى تحسين وتطوير خبرات التدريب الشاملة للقدرة على مواجهة التغيرات البيئية والمناخية. كما تزداد مخاطر العمليات العسكرية في حال عدم مناسبة جودة ونوعية الأسلحة لمستوى تغير الطقس في المستقبلوتأثيراتها الجانبية على كفاءتها.

_ سلاسل الإمداد والعمليات اللوجستية

تزداد صعوبة تأمين خطوط الإمداد في ظل الظروف المناخية القاسية. فالحاجة إلى توفير المياه والطاقة للقوات في مناطق قد تعاني من ندرة الموارد تزيد من التحديات اللوجستية. وتؤثر الرياح القوية، وضعف الرؤية، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الاضطرابات الجوية على عمليات إقلاع الطائرات وهبوطها، والملاحة، واستهلاك الوقود، مما يؤخر المهام العسكرية.

العمليات البحرية والجوية

تغير المناخ سيغير بعض الظروف الفيزيائية الأساسية التي تقوم عليها العمليات البحرية. إذ تجبر الظروف المناخية المتغيرة القوات البحرية بالفعل على إعادة التفكير في السفن التي تبنيها وتشغلها. فذوبان الجليد في القطب الشمالي يفتح ممرات ملاحية جديدة ويعيد تشكيل المعادلاتالاستراتيجية في المنطقة، مما يخلق مسرحًا جديدًا للتنافس العسكري.

الاستجابات الدفاعية الدولية لتغير المناخ

حلف شمال الأطلسي (الناتو)

يعد حلف الناتو في طليعة المؤسسات الدفاعية التي تتعامل مع تداعيات تغير المناخ. فوفقًا لمفهوم الناتو الاستراتيجي لعام 2022، فإن "تغير المناخ هو تحدي محدد لعصرنا، مع تأثير عميق على أمن الحلفاء". ولتحقيق ذلك، اعتمد الناتو خطة عمل لتغير المناخ والأمن تركز على أربعة مسارات رئيسية لمواجهة تحديات الأمن المناخي.

وفي مايو 2024، اعتمد الناتو رسميًا "مركز التميز لتغير المناخ والأمن" في مونتريال، كندا، والذي افتتح في أكتوبر من نفس العام بمشاركة اثنتي عشرة دولة راعية. ويهدف المركز إلى تعزيز فهم كيفية تأثير تغير المناخ على التخطيط الاستراتيجي والعمليات العسكرية. وفي مايو 2025، أطلق المركز أول دورة تدريبية أسبوعية له حول الأمن المناخي بمشاركة متدربين من 22 دولة من أربع قارات. كما يسهم المركز في تقارير رفيعة المستوى مثل التقييم السنوي لتأثير المناخ المعد للأمين العام للناتو.

الجيش الأمريكي

يعد الجيش الأمريكي من أكثر المؤسسات العسكرية استجابة لتحديات تغير المناخ. فقد أصدر البنتاغون خطة التكيف المناخي للفترة 2024-2027، التي تركز على تمكين القوات من العمل في بيئات متغيرة وتحقيق ميزة تنافسية من خلال الاستعداد الجيد. وتشمل استراتيجية الجيش الأمريكي إطارًا عمل طويل الأجل لتفعيل التكيف مع المناخ والتخفيف من آثاره.

وتشير التقديرات إلى أن الجيوش في العالم مجتمعة تنتج حوالي 5,5% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، ما يصنف القطاع العسكري كرابع أكبر مصدر للانبعاثات على مستوى العالم. ويدفع هذا الواقع الجيوش إلى مراجعة ممارساتها، ليس فقط لتحقيق أهداف المناخ ولكن أيضًاللحفاظ على تفوقها الاستراتيجي في المشهد الجيوسياسي المتطور.

_ الجيش الفرنسي

تماشياً مع الإعلان المشترك لوزراء الدفاع "تغير المناخ والقوات المسلحة" الذي اعتمد في منتدى باريس للسلام في نوفمبر 2021 بدعم من 26 دولة، قدمت هيئة الأركان العامة الفرنسية استراتيجية لإشراك القوات المسلحة بشكل مستدام في التكيف مع تغير المناخ. وتتضمن هذه الاستراتيجية الالتزام بـ"الدفاع الأخضر" طويل الأمد للمساهمة في تحقيق هدف الحكومة الفرنسية بخفض الانبعاثات للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050.

استجابات دولية أخرى

يبادر العديد من الدول إلى وضع سياسات واستراتيجيات تضطلع فيها الجيوش بمهمات تتناغم مع حجم التهديدات المناخية. وفي المنطقة العربية، تعمل المؤسسات الدفاعية والأمنية على دمج البعد المناخي في استراتيجياتها، مع التركيز على تعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخيةالتي تهدد الأمن القومي.

وتولي دول الخليج اهتمامًا متزايدًا للعلاقة بين الأمن المائي والأمن العسكري، حيث أصبحت المياه تحتل موقعًا حاسمًا في تقاطع الأمن العسكري والاقتصادي والإنساني والمناخي. ويشير ذلك إلى أن الاستراتيجية العسكرية أصبحت قادرة بشكل متزايد على استغلال الهشاشة البيئية والبنية التحتية لأغراض ردعية.

تحديات التكيف والتخفيف في القطاع العسكري

ازدواجية المهمة

تواجه الجيوش في جميع أنحاء العالم تحديات مزدوجة: الحفاظ على مهمتها الأساسية المتمثلة في ضمان الأمن، مع التكيف مع البيئة المتغيرة. ويتعين على المؤسسات الدفاعية أيضاً أن تخوض "حربًا على انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري". فمن ناحية، تحتاج الجيوش إلى الحفاظ على جاهزيتها القتالية وقدرتها على العمل في أي وقت وفي أي مكان، ومن ناحية أخرى، يتعين عليها تقليل بصمتها الكربونية والمساهمة في أهداف الحياد الكربوني.

البصمة الكربونية للقطاع العسكري

تُعد الجيوش والمؤسسات العسكرية من أكبر مصادر انبعاثات غازات الدفيئة، نظرًا للاستخدام الكثيف للوقود الأحفوري في العمليات العسكرية والتدريب. وقد تسببت العمليات الدفاعية والتدريبية السابقة في أضرار بيئية كبيرة، بما في ذلك تلوث البحار بعوامل الحرب الكيميائية والتلوث الناجم عن المعادن الثقيلة مثل الرصاص.

ويشير التقدير إلى أن القطاع العسكري مسؤول عن نسبة هائلة تبلغ 5,5% من الانبعاثات العالمية سنويًا. ومع ذلك، وفقًا لمنظمة مرصد الصراع والبيئة (CEOBS)، لم يكن هناك سوى قدر ضئيل من التدقيق في التأثير المناخي لقطاع الدفاع.

_ الابتكار والتكنولوجيا الخضراء

في المستقبل، يمكن للجيوش أن تمنع الضرر البيئي طويل الأمد من خلال استخدام تقنيات لتقليل كمية المخاطر والنفايات، والمواد البديلة الأقل تلويثاً. ويشمل ذلك تطوير ذخيرة صديقة للبيئة بدلاً من الذخائر التقليدية، وإنتاج المركبات التكتيكية ذات الدفع الهجين، وتوفير الكهرباءالخالية من التلوث.

كما يمكن للجيوش أن تمنع الضرر البيئي من خلال تبسيط الممارسات المستدامة في جميع الأنشطة العسكرية، مما سيجعل عمليات الدعم الإنساني والإغاثي أكثر فعالية واستدامة.

_ التكاليف المالية

تتطلب مواجهة الاضطرابات المناخية والتحول المناخي توفير تمويل إضافي للقطاع الدفاعي. فمنذ عام 2013، ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 21,3%، ويزيد الإنفاق العسكري من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ويشكل هذا تحديًا كبيرًا للدول التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين متطلباتالأمن والالتزامات البيئية.

الخاتمة

تؤكد هذه الورقة أن تغير المناخ لم يعد مجرد قضية بيئية هامشية في النقاشات الدفاعية، بل تحول إلى عامل استراتيجي رئيسي يعيد تشكيل أسس الأمن القومي والاستراتيجيات العسكرية للدول حول العالم. فمن خلال مفهوم "مضاعف التهديدات"، يبرز تغير المناخ كقوة دافعة تزيد من حدة النزاعات القائمة وتخلق تحديات أمنية جديدة، بدءًا من ندرة الموارد والهجرة القسرية، وصولاً إلى تهديد البنية التحتية العسكرية والجاهزية القتالية.

لقد أظهرت الاستجابات الدفاعية الدولية، ممثلة في حلف الناتو والجيشين الأمريكي والفرنسي وغيرهم، أن التكيف مع تغير المناخ أصبح أولوية استراتيجية تتطلب تطوير عقائد عسكرية جديدة، واستثمارات في التكنولوجيا الخضراء، وإعادة هيكلة للعمليات والتدريبات. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين حجم التهديدات المناخية ومستوى الاستعداد الدفاعي، خاصة فيما يتعلق بتقليل البصمة الكربونية للقطاع العسكري التي تشكل نحو 5,5% من الانبعاثات العالمية.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المؤسسات الدفاعية في القرن الحادي والعشرين يتمثل في تحقيق التوازن بين الحفاظ على الجاهزية القتالية والقدرة على الردع، وبين المساهمة الفعالة في التخفيف من حدة التغير المناخي والتكيف مع آثاره. وهذا يتطلب تحولاً جذريًا في مفهوم الأمننفسه، من الأمن التقليدي المتمركز حول القوة العسكرية إلى مفهوم "الأمن المناخي" الشامل الذي يدمج التهديدات البيئية في صلب الاستراتيجيات الدفاعية.

وفي ضوء ما تقدم، توصي الورقة بضرورة تعزيز التعاون الدولي في مجال الأمن المناخي، وتطوير آليات للرصد والاستشراف المناخي في التخطيط العسكري، والاستثمار في البحث والتطوير لتقنيات عسكرية منخفضة الكربون، مع إدماج البعد المناخي في جميع مراحل التخطيط الدفاعي والعملياتي. فإدارة المخاطر المناخية ليست تشتيتًا للجهود الدفاعية، بل هي في صلب الدفاع ذاته، والاستثمار في هذا المجال هو استثمار في الاستقرار والأمن على المدى الطويل.


 

المراجع:

الجنزوري، دينا عبد الراضي. "الدفاع الأخضر...التداعيات العسكرية لتغير المناخ على الأمن الأوروبي." المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، 2024.

_طرودي، ليندة. "الأمن المناخي بين الطرح النقدي والطرح الواقعي: دراسة في تداعيات تغير المناخ على الأمن القومي العربي." المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، 2025.

 
المقالات الأخيرة