شهدت السياسة الصينية تجاه الأزمات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة تطورًا تدريجيًا عكس تنامي المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لبكين خارج محيطها الآسيوي المباشر وفي الأزمة الإيرانية الراهنة، تبدو الصين أمام اختبار معقد لنهجها التقليدي القائم على تجنب الانخراط العسكري المباشر، والدعوة إلى الحوار، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع مختلف أطراف الصراع. فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية ضد إيران، حرصت بكين على تقديم نفسها باعتبارها طرفًا يدعو إلى وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات واحترام سيادة الدول، من دون الانضمام إلى العمليات العسكرية أو الدخول في التزامات أمنية علنية تجاه طهران. وفي المقابل، حافظت الصين على علاقاتها الاقتصادية مع إيران، ووفرت لها منفذًا مهمًا لتصدير النفط والحصول على السلع والمعدات، بما ساعدها على الحد من آثار العقوبات الغربية.
غير أن استمرار الحرب واتساع نطاق تداعياتها بدأ يفرض على الصين إعادة النظر في حدود هذا النهج. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وتهديد خطوط التجارة الدولية، باتت جميعها تمس المصالح الصينية بصورة مباشرة وتزداد حساسية الموقف بالنظر إلى اعتماد الصين الكبير على واردات الطاقة من منطقة الخليج، وارتباطها الاقتصادي المتزايد بدول مجلس التعاون الخليجي، فضلًا عن وجود استثمارات ومشروعات صينية واسعة في الموانئ والبنية التحتية وشبكات النقل الإقليمية.
الشراكة الصينية - الإيرانية وحدود الدعم
تمثل العلاقات الاقتصادية بين الصين وإيران أحد أهم مكونات قدرة طهران على التعامل مع الضغوط والعقوبات الغربية فقد أصبحت الصين خلال السنوات الماضية الوجهة الأساسية لصادرات النفط الإيرانية، الأمر الذي وفر لطهران مصدرًا مهمًا للعملة والإيرادات في ظل القيود المفروضة عليها من جانب الولايات المتحدة والدول الغربية ووفق المعطيات الواردة في المادة، اتجه أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية البحرية خلال عام 2025 إلى السوق الصينية، وهو ما يعكس حجم الاعتماد المتبادل بين الطرفين في قطاع الطاقة.
ولا يقتصر التعاون على شراء النفط، بل امتد إلى آليات مالية وتجارية ساعدت إيران على إعادة تدوير جزء من عائداتها النفطية في الاقتصاد المحلي. وقد تضمنت بعض هذه الآليات ترتيبات للمقايضة وتحويل عائدات النفط إلى مشتريات من السلع والمعدات الصينية، بما يسمح بتجاوز بعض القيود التي تفرضها العقوبات على التعاملات المالية الإيرانية. وتشير التقديرات إلى مرور مبالغ بمليارات الدولارات عبر بعض هذه الآليات، بما جعل العلاقات التجارية مع الصين عنصرًا مهمًا في قدرة إيران على الحفاظ على نشاطها الاقتصادي.
وتكمن أهمية هذه العلاقة بالنسبة إلى طهران في أنها توفر منفذًا إلى الاقتصاد العالمي في وقت تواجه فيه صعوبة في الوصول إلى الأسواق والمؤسسات المالية الغربية. كما تسمح للصين بالحصول على إمدادات طاقة بأسعار وشروط تجارية مرتبطة بظروف العقوبات، فضلًا عن تعزيز حضورها الاقتصادي في منطقة الخليج والشرق الأوسط. ومن ثم، فإن العلاقة الصينية–الإيرانية تقوم على مصالح متبادلة، وإن كانت غير متكافئة في بعض جوانبها.
لكن بكين حرصت، في الوقت نفسه، على إبقاء هذه الشراكة ضمن سقف محسوب. فلم تتحول العلاقات الاقتصادية إلى تحالف أمني معلن، ولم تقدم الصين التزامات عسكرية مباشرة تجاه إيران، كما حافظت على خطاب سياسي يركز على وقف الحرب واستئناف المفاوضات. ويكشف ذلك عن رغبة صينية في تحقيق معادلة دقيقة تقوم على منع انهيار إيران أو إخضاعها الكامل للضغط الأمريكي، من دون التورط في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
ويفسر هذا النهج طبيعة الاستراتيجية الصينية الأوسع؛ فبكين تنظر إلى إيران باعتبارها شريكًا مهمًا في مواجهة الضغوط الأمريكية، ومصدرًا للطاقة، وعنصرًا جغرافيًا مهمًا في منطقة تمتد بين الخليج وآسيا الوسطى. لكنها في الوقت نفسه تنظر إلى الخليج باعتباره فضاءً اقتصاديًا حيويًا، وترتبط بعلاقات واسعة مع السعودية والإمارات وقطر وعُمان وغيرها من دول المنطقة. وبالتالي، فإن دعم إيران بالنسبة إلى الصين ليس هدفًا قائمًا بذاته، وإنما جزء من إدارة شبكة واسعة من المصالح المتعارضة والمتداخلة.
تداعيات الحرب على المصالح الصينية
بدأت حدود السياسة الصينية التقليدية في الظهور مع اتساع التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب الإيرانية. فكلما طال أمد الصراع، أصبحت آثاره أكثر وضوحًا على حركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية، وهي قطاعات تمثل أهمية جوهرية للاقتصاد الصيني. وتعتمد الصين بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من منطقة الخليج، كما ترتبط تجارتها مع دول مجلس التعاون الخليجي بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا، ما يجعل استقرار الممرات البحرية في المنطقة مسألة استراتيجية بالنسبة إلى بكين.
ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الممرات، نظرًا إلى دوره المركزي في نقل النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المضيق يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التأمين والشحن، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الصيني. كما يمثل البحر الأحمر وباب المندب أهمية متزايدة في الحسابات الصينية بسبب ارتباطهما بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وبمشروعات البنية التحتية والموانئ التي تدخل ضمن مبادرة الحزام والطريق.
وتزداد المخاطر مع استمرار التوترات في البحر الأحمر وتهديد حركة السفن التجارية. فالمسار البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس يمثل جزءًا مهمًا من شبكات التجارة الصينية مع أوروبا والشرق الأوسط. وبالتالي، فإن استمرار الاضطرابات يفرض على الشركات الصينية تكاليف إضافية، سواء من خلال تغيير مسارات السفن أو زيادة تكاليف التأمين والنقل أو ارتفاع أسعار الطاقة.
وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة مع إيران تحمل بالنسبة إلى الصين جانبين متناقضين. فمن ناحية، تمثل طهران شريكًا استراتيجيًا مهمًا يمنح بكين نفوذًا إضافيًا في مواجهة الولايات المتحدة، ويوفر لها مصادر للطاقة ومساحة للتعاون الاقتصادي. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي استمرار التصعيد الإيراني والإقليمي إلى الإضرار بالمصالح الصينية نفسها، خصوصًا إذا طال أمد اضطراب الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
وتكشف هذه المفارقة عن تحول مهم في الحسابات الصينية. فقد كان بإمكان بكين في السابق التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة سياسية وأمنية تقع خارج نطاق مصالحها المباشرة، أما الآن فقد أصبحت تداعياتها الاقتصادية تصل إلى الداخل الصيني عبر أسعار الطاقة والشحن وسلاسل الإمداد. وكلما ارتفعت كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، ازدادت حاجة الصين إلى استخدام نفوذها لدى الأطراف المتصارعة لمنع اتساع نطاق الأزمة.
من الوساطة إلى الدبلوماسية الضاغطة
يمثل انتقال الصين من الدعوة إلى الحوار إلى ممارسة ضغط سياسي محسوب على إيران أحد أبرز التطورات في سياستها تجاه الأزمة. ويعني هذا التحول أن بكين بدأت تدرك أن الحفاظ على مصالحها لم يعد ممكنًا من خلال البقاء على مسافة متساوية من جميع الأطراف، بل يتطلب استخدام أدوات النفوذ التي تمتلكها في العلاقات مع طهران.
وفي هذا السياق، برزت دعوات صينية إلى استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وإلى العودة إلى تفاهمات سابقة يمكن أن توفر أساسًا لتخفيف التوتر. كما دعت بكين الأطراف الدولية إلى لعب دور أكبر في إنهاء الحرب، انطلاقًا من رؤيتها التي تقوم على ضرورة تجنب توسع الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية شاملة.
ويختلف هذا النهج عن الاستراتيجية الأمريكية القائمة على العقوبات والضغط المباشر. فالصين لا تبدو مستعدة للانضمام إلى سياسة تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني أو عزله اقتصاديًا بصورة كاملة، كما أنها لا ترغب في أن تصبح جزءًا من الاستراتيجية الأمريكية تجاه طهران. لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لتحمل تكاليف مفتوحة للحرب إذا أصبحت هذه التكاليف تهدد مصالحها التجارية والطاقة.
ومن هنا تتشكل معادلة صينية دقيقة يمكن تلخيصها في عدم مساعدة واشنطن على إخضاع إيران، وفي الوقت نفسه عدم السماح لطهران بجعل أمن الطاقة والتجارة الصينية رهينة لحساباتها العسكرية. وهذه المعادلة تفسر طبيعة التحركات الصينية الأخيرة، التي تجمع بين استمرار التعاون الاقتصادي مع إيران، والضغط السياسي عليها لتقليل التداعيات الإقليمية للحرب.
ويظهر هذا التوازن كذلك في موقف الصين من المؤسسات الدولية. فعلى الرغم من تعاونها مع روسيا في بعض الملفات الدولية، فإن بكين لا تبدو مستعدة لتقديم دعم غير محدود لجميع السياسات الإيرانية. وفي المقابل، تستخدم الصين وروسيا أدواتهما الدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية لمنع تحويل العقوبات الدولية إلى آلية لإخضاع إيران بصورة كاملة.
ويكشف ذلك عن رغبة صينية في الحفاظ على مساحة مستقلة بين الطرفين الأمريكي والإيراني. فبكين تريد أن تمنع واشنطن من احتكار إدارة الأزمة، لكنها تريد أيضًا أن تضمن أن طهران لا تتجاوز حدودًا تضر بالمصالح الصينية. ولذلك فإن "الدبلوماسية الضاغطة" الصينية لا تستهدف تغيير النظام الإيراني أو تقويضه، وإنما تهدف بصورة أساسية إلى تعديل السلوك الذي يتعارض مع مصالح بكين.
اختبار النفوذ الصيني في الخليج
تضع الأزمة الحالية الصين أمام اختبار حقيقي لقدرتها على ترجمة نفوذها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي وأمني فقد سبق لبكين أن لعبت دورًا مهمًا في استئناف العلاقات السعودية - الإيرانية عام 2023، وهو نجاح دبلوماسي عزز صورة الصين باعتبارها قوة قادرة على لعب أدوار وساطة في الشرق الأوسط. غير أن الأزمة الحالية تختلف بصورة جوهرية؛ فالمطلوب لم يعد مجرد استعادة العلاقات الدبلوماسية بين دولتين، وإنما التأثير في سلوك أطراف منخرطة في حرب مفتوحة ومرتبطة بشبكة معقدة من المصالح العسكرية والأمنية.
وتزداد صعوبة المهمة بسبب طبيعة العلاقة بين إيران والحوثيين. فإيران تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا على الجماعة، لكنها لا تتحكم بالضرورة في جميع قراراتها بصورة مباشرة. كما أن الحوثيين لديهم حساباتهم المحلية والإقليمية الخاصة، وهو ما يجعل أي محاولة صينية للضغط على طهران مرتبطة بقدرة الأخيرة نفسها على التأثير في الجماعة.
ومن ناحية أخرى، فإن المصالح الصينية في الخليج تتجاوز إيران بصورة كبيرة. فالصين ترتبط بعلاقات اقتصادية واستثمارية واسعة مع السعودية والإمارات وقطر وعُمان، كما تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الخليجية. وبالتالي، فإن استمرار الأزمة بصورة تهدد هذه العلاقات يضع بكين أمام ضرورة تحقيق توازن بين الحفاظ على شراكتها مع إيران وعدم الإضرار بعلاقاتها مع بقية دول الخليج.
ويعني ذلك أن أهمية إيران بالنسبة إلى الصين لم تعد تقاس فقط بما توفره من فرص استراتيجية، وإنما كذلك بحجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استمرار التصعيد. فكلما أصبحت الحرب أكثر اتساعًا، ارتفعت تكلفة دعم طهران سياسيًا واقتصاديًا، وأصبح على الصين أن توازن بين مكاسب الحفاظ على الشراكة الإيرانية وتكاليف اضطراب أسواق الطاقة والملاحة.
ومن هذا المنطلق، تمثل الأزمة الحالية اختبارًا لمفهوم النفوذ الصيني في الشرق الأوسط. فإذا استطاعت بكين التأثير في طهران ودفعها إلى تقليص المخاطر التي تهدد الملاحة، فإن ذلك سيعزز صورتها باعتبارها قوة قادرة على استخدام أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية لتحقيق نتائج سياسية. أما إذا ظلت قدرتها على التأثير محدودة، فقد تكشف الأزمة عن وجود فجوة بين حجم المصالح الاقتصادية الصينية في المنطقة وبين قدرتها على حماية هذه المصالح في أوقات الأزمات العسكرية.
خاتماً: تكشف الأزمة الإيرانية الراهنة عن تحول تدريجي في طبيعة الدور الصيني في الشرق الأوسط، إذ لم يعد بإمكان بكين التعامل مع الصراع باعتباره أزمة بعيدة عن مصالحها المباشرة. فقد أصبحت الصين طرفًا اقتصاديًا رئيسيًا في المنطقة، وتعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة الخليجية وعلى استقرار طرق التجارة البحرية التي تربطها بالشرق الأوسط وأوروبا. وفي الوقت ذاته، أصبحت إيران شريكًا اقتصاديًا واستراتيجيًا مهمًا بالنسبة إلى الصين، ولا سيما في مجال الطاقة، وهو ما يجعل بكين غير مستعدة للتخلي عن علاقتها بطهران أو الانضمام إلى سياسة تستهدف عزلها بالكامل.
غير أن استمرار الحرب أدى إلى تغيير المعادلة. فكلما اتسعت المخاطر التي تهدد مضيق هرمز والبحر الأحمر، أصبحت العلاقة مع إيران تحمل تكاليف مباشرة على المصالح الصينية. ومن هنا ظهرت ملامح التحول من "الدبلوماسية الهادئة" إلى "الدبلوماسية الضاغطة"، حيث تحاول بكين استخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي لحث طهران على الحد من السلوكيات التي يمكن أن تؤثر في أمن الطاقة والتجارة.
المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. أحمد قنديل
التاريخ : 20/9/2026
-------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: يورونيوز
التاريخ : 16/9/2026
