لبنان بين ضغوط الحرب وإعادة تشكيل النظام الإقليمي
فرع القاهرة

يشهد الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تحولات جيوسياسية متسارعة تعيد رسم ملامح النظام الإقليمي بصورة غير مسبوقة، في ظل تصاعد الصراعات العسكرية وتداخل المصالح الدولية والإقليمية وفي قلب هذه التحولات يبرز لبنان باعتباره إحدى الساحات الأكثر حساسية وتأثرًا بموازين القوى المتغيرة، نظرًا لموقعه الجغرافي الاستراتيجي وتشابك أوضاعه الداخلية مع ملفات الأمن الإقليمي والنفوذ الدولي.

ولم يعد من الممكن النظر إلى التطورات الجارية في لبنان باعتبارها مجرد مواجهة حدودية بين إسرائيل وحزب الله، أو امتدادًا تقليديًا للصراع العربي الإسرائيلي، بل أصبحت جزءًا من عملية أوسع لإعادة هندسة التوازنات السياسية والأمنية في منطقة المشرق العربي فالمفاوضات الجارية، والتحركات العسكرية المتواصلة، والتدخلات الدولية المتزايدة، جميعها تعكس محاولة لإنتاج واقع إقليمي جديد تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد والنفوذ الاستراتيجي.

وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل أبعاد المشهد اللبناني الراهن من خلال قراءة التحولات الدولية والإقليمية المؤثرة فيه، واستشراف مستقبل التوازنات السياسية والأمنية التي قد تنتج عن المرحلة الحالية.

التحول الأمريكي وإعادة بناء المعادلة الأمنية

شهدت السياسة الأمريكية تجاه لبنان خلال السنوات الماضية تحولًا تدريجيًا من نهج يركز على إدارة الاستقرار ومنع الانهيار الداخلي إلى مقاربة أكثر طموحًا تستهدف إعادة صياغة البيئة الأمنية اللبنانية بصورة شاملة فبعد حرب عام 2006 ركزت الولايات المتحدة على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز قدرات الجيش اللبناني باعتباره أحد ركائز الاستقرار الداخلي مع الحرص على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات السياسية الداخلية.

إلا أن التطورات الراهنة تشير إلى تغير واضح في طبيعة الرؤية الأمريكية فواشنطن لم تعد تكتفي بالحفاظ على التوازن القائم، بل تسعى إلى بناء معادلة أمنية جديدة يكون فيها الجيش اللبناني الطرف الأساسي المسؤول عن إدارة الأمن في الجنوب، مع تقليص مساحة الحركة العسكرية للقوى المسلحة غير الحكومية.

ويظهر هذا التوجه من خلال تكثيف اللقاءات الأمنية والعسكرية بين المسؤولين الأمريكيين واللبنانيين، وربط مستويات الدعم العسكري والمالي المقدم للمؤسسة العسكرية بمدى التقدم في معالجة القضايا الأمنية المرتبطة بالسلاح خارج إطار الدولة ويعكس ذلك قناعة أمريكية متزايدة بأن مستقبل الاستقرار في لبنان يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومختلف القوى الفاعلة على الساحة الداخلية.

غير أن هذه المقاربة تواجه تحديات معقدة، إذ يعمل الجيش اللبناني ضمن بيئة سياسية وطائفية شديدة الحساسية، ما يجعل أي تغيير جذري في أدواره أو مهامه محفوفًا بالمخاطر. ولذلك تبدو الاستراتيجية الأمريكية قائمة على التدرج وإحداث تحولات تراكمية طويلة الأمد بدلاً من اللجوء إلى خطوات سريعة قد تؤدي إلى اضطرابات داخلية واسعة.

الاستراتيجية الإسرائيلية و فرض واقع جديد

تنظر إسرائيل إلى المواجهة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة صياغة البيئة الأمنية في جنوب لبنان بصورة مختلفة عن تلك التي نتجت عن حرب عام 2006 فصانع القرار الإسرائيلي يرى أن الترتيبات السابقة لم تحقق الأهداف الأمنية المرجوة، وأنها سمحت بإعادة بناء القدرات العسكرية والبنية التنظيمية لحزب الله خلال السنوات الماضية.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر الأهداف الإسرائيلية على وقف العمليات العسكرية أو إبعاد التهديدات المباشرة عن الحدود بل تمتد إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي والأمني في المناطق الحدودية ويتجلى ذلك في حجم العمليات العسكرية الواسعة التي تستهدف البنية التحتية والطرق وشبكات الاتصال والمرافق الحيوية، بالإضافة إلى فرض موجات نزوح وإخلاء متكررة في عدد من المناطق الجنوبية.

كما تسعى إسرائيل إلى تعزيز قدرتها على مراقبة الحدود والتحكم بالمجال الأمني عبر تطوير منظومات الرصد والاستهداف وإقامة ترتيبات ميدانية تمنحها هامشًا أوسع للتدخل عند الحاجة. ويواكب ذلك ضغط سياسي ودبلوماسي يهدف إلى إدخال ترتيبات أمنية جديدة ضمن أي اتفاق مستقبلي، بما يضمن تحقيق المصالح الأمنية الإسرائيلية على المدى الطويل.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على فرض وقائع ميدانية قبل الوصول إلى التسويات السياسية، بحيث تصبح نتائج المفاوضات انعكاسًا للمعادلات التي أفرزتها العمليات العسكرية. وهو ما يجعل المشهد الحالي أقرب إلى مرحلة إعادة هندسة أمنية شاملة أكثر منه مجرد جولة عسكرية محدودة.

حزب الله وإشكالية إعادة التموضع

تمثل المرحلة الراهنة تحديًا استراتيجيًا كبيرًا لحزب الله، ليس فقط بسبب المواجهة العسكرية مع إسرائيل، وإنما بسبب التحولات الأوسع التي تشهدها البيئة الإقليمية والدولية المحيطة به. فالحزب يدرك أن الضغوط الحالية تستهدف في جوهرها إعادة صياغة دوره داخل لبنان وتقليص هامش نفوذه الإقليمي.

وتزداد حساسية الحزب تجاه أي ترتيبات أمنية جديدة قد تؤدي إلى تعزيز دور الجيش اللبناني في المناطق الحدودية أو إلى إقامة آليات تنسيق أمني بإشراف دولي، باعتبار أن مثل هذه الترتيبات قد تمثل بداية لتغيير قواعد اللعبة السياسية والأمنية التي سادت خلال العقود الماضية.

وفي الوقت نفسه، يواجه الحزب معضلة معقدة تتمثل في رغبته بالحفاظ على موقعه الاستراتيجي دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية مع مؤسسات الدولة اللبنانية. فالصدام المباشر مع الجيش أو مع القوى السياسية الأخرى قد يؤدي إلى خسائر سياسية واجتماعية كبيرة ويضعف من قدرته على الحفاظ على شرعيته الداخلية.

كما أن البيئة الإقليمية تشهد تغيرات ملحوظة تتعلق بأولويات القوى الفاعلة في المنطقة، سواء على مستوى إيران أو سوريا أو دول الخليج العربي، وهو ما يفرض على الحزب إعادة تقييم استراتيجياته المستقبلية بما يتناسب مع التحولات الجارية لذلك تبدو المرحلة الحالية بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الحزب على التكيف مع واقع إقليمي جديد يتسم بدرجة أعلى من البراغماتية والتنافس الجيوسياسي.

الأبعاد الإقليمية في المشرق

لا يمكن فهم التطورات اللبنانية بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط فلبنان أصبح جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية تشمل العلاقات الأمريكية الإيرانية ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، وأمن الطاقة العالمي، وأدوار القوى العربية الصاعدة.

وتتبنى إيران سياسة تقوم على إدارة التفاوض وتجنب الوصول إلى مواجهات شاملة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أوراق النفوذ التي تمتلكها في المنطقة ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها عنصرًا مهمًا ضمن معادلة الردع والتفاوض الإقليمي، الأمر الذي يجعل أي تسوية في لبنان مرتبطة بدرجة كبيرة بمسار العلاقات بين طهران وواشنطن.

في المقابل، تتبنى دول الخليج العربية مقاربة أكثر براغماتية تركز على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع اندلاع صراعات واسعة قد تؤثر على أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية ولذلك تدعم هذه الدول المسارات التي تسهم في خفض التوترات وتعزيز دور مؤسسات الدولة اللبنانية، مع الحرص على عدم السماح بترسيخ اختلالات استراتيجية جديدة في موازين القوى الإقليمية.

أما على المستوى الدولي، فإن القوى الكبرى تنظر إلى لبنان باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين ولهذا السبب أصبحت المفاوضات والعمليات العسكرية والتفاهمات الأمنية في لبنان مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل التوازنات في المشرق العربي ككل.

خاتماً: تكشف التطورات الراهنة في لبنان عن مرحلة مفصلية تتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي لتلامس جوهر عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط فالمواجهة الحالية لم تعد مجرد نزاع حدودي أو خلاف أمني محدود، بل أصبحت ساحة لاختبار توازنات جديدة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية والمحلية.

وفي ظل استمرار الضغوط العسكرية والسياسية وتداخل الملفات الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية الكبرى، يقف لبنان أمام مفترق طرق تاريخي. فمن جهة، تبرز إمكانية التوصل إلى ترتيبات جديدة تسهم في تعزيز الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة ضمن توازنات أكثر استدامة. ومن جهة أخرى، تبقى مخاطر التصعيد والانزلاق إلى أزمات أعمق قائمة إذا فشلت جهود التسوية أو تعثرت مسارات التفاوض.

وعليه، فإن مستقبل لبنان خلال السنوات المقبلة سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين على إدارة هذه المرحلة الحساسة بحكمة وتوازن، بما يحول دون تحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوح، ويمنحها فرصة حقيقية للانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارًا وأمنًا وتنمية في إطار نظام إقليمي جديد لا تزال ملامحه قيد التشكل.

 

 

المصدر: مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية

التاريخ : 25/5/2026

------------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: صحيفة النهار 

التاريخ : 26/5/2026


المقالات الأخيرة