شهدت العلاقات عبر الأطلسي خلال العقد الحالي تحولاً جذرياً في نمط التعامل مع ملف العقوبات الاقتصادية. لقد كان الرد الغربي على الحرب الروسية الأوكرانية منذ فبراير 2022 مثالاً نادراً على التنسيق المتقدم بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وحلفاء آخرين، حيث تم الاتفاق على حزم عقوبات متزامنة استهدفت القطاعات المصرفية والطاقوية والتكنولوجية في روسيا. لكن هذا الانسجام لم يدم طويلاً. مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، بدأت بوادر الانقسام تظهر على السطح. فبينما شهدت الأشهر التسعة الأولى من إدارة ترامب جموداً ملحوظاً في السياسة العقابية تجاه روسيا، تلتها موجة من التصعيدات الأحادية الجانب التي فاجأت الحلفاء الأوروبيين.
هذا التحول في المسار الأميركي أثار إرباكاً واسعاً في العواصم الأوروبية ودفع إلى التساؤل: لماذا تمضي واشنطن في فرض حزم عقوبات قاسية على روسيا في الوقت الذي تظهر فيه أوروبا غموضاً وتردداً؟ هل الغموض الأوروبي حقيقي أم مفبرك أم ناتج عن تناقضات داخلية أوروبية؟ ولماذا تختار واشنطن التصعيد رغم إدراكها أن العقوبات لا تكون فعالة إلا عندما تكون متعددة الأطراف؟
تتحدد إشكالية البحث في الإجابة عن السؤال المركزي المذكور، من خلال استكشاف الأسباب الجيوستراتيجية والاقتصادية والداخلية التي تدفع واشنطن إلى هذه السياسة. تنقسم الورقة إلى أربعة محاور رئيسية: أولاً، استعراض المشهد الراهن للعقوبات الأميركية والأوروبية وعرض حالات التباين بين الجانبين. ثانياً، تحليل أسباب الغموض الأوروبي الجوهرية وهشاشة الموقف الأوروبي. ثالثاً، تفنيد الأسباب التي تجعل واشنطن تصر على التصعيد رغم ذلك، بالتركيز على التحولات في الثقافة الاستراتيجية الأميركية والدوافع الداخلية. وأخيراً، دراسة الانعكاسات المترتبة على هذا التصعيد الأحادي، وآفاق تطور العلاقات عبر الأطلسي في المدى القريب.
أولاً: المشهد الراهن والمتباين للعقوبات (2025-2026)
1. الجانب الأميركي: من الجمود إلى الاندفاع الأحادي
خلال الأشهر التسعة الأولى من ولاية ترامب الثانية (يناير – سبتمبر 2025)، اتسم الموقف الأميركي بشيء من الحذر. فخلافاً للعهد السابق، لم تفرض الإدارة الجديدة أي عقوبات جديدة على روسيا، ولم تدرج أي أفراد أو كيانات إضافية على قوائم العقوبات الخاصة بها. كما رفضت واشنطن في يوليو 2025 دعم فرض سقف سعري أقل على صادرات النفط الروسية، مما أثار قلق الأوروبيين الذين كانوا يأملون في تعزيز الضغط الاقتصادي على موسكو.
لكن المشهد تغير جذرياً في أكتوبر 2025، حيث أقدمت إدارة ترامب على خطوة مفاجئة: فرض عقوبات حظر كاملة (Full Blocking Sanctions) على أكبر شركتي نفط روسيتين، روسنفت (Rosneft) ولوك أويل (Lukoil) ، إلى جانب كيانات تابعة لهما. جاءت هذه الخطوة بالتزامن مع إلغاء محادثات ثنائية كانت مقررة مع الرئيس بوتين حول صفقة سلام محتملة في أوكرانيا. ومنحت وزارة الخزانة الأميركية مهلة محدودة حتى 21 نوفمبر 2025 لتصفية المعاملات المرتبطة بهذه الكيانات، مما يعني أن العقوبات دخلت حيز التنفيذ الكامل اعتباراً من ذلك التاريخ.
لم تتوقف واشنطن عند هذا الحد. في أوائل مايو 2026، أعلنت توسيع نطاق العقوبات لتشمل أكثر من 300 كيان فردي ومؤسسي في روسيا والصين وتركيا والإمارات، متهمة إياها بمساعدة موسكو على التهرب من العقوبات الغربية. وتم توسيع تعريف "القاعدة الصناعية العسكرية الروسية" ليشمل أي كيان متأثر بالعقوبات الأميركية، مما يمنح واشنطن صلاحية إدراج أي بنك في العالم يتعامل مع هذه الكيانات على القائمة السوداء.
وفي تطور لافت، طرح زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ وأعضاء من الحزبين في نوفمبر 2025 مشروع "قانون عدم تحقيق أرباح النفط للأعداء" (NOPE Act) ، وهو تشريع يهدف إلى سد الثغرات في قانون مواجهة أعداء أميركا عبر العقوبات (CAATSA). يقضي هذا القانون بتوسيع رقابة الكونغرس لتشمل جميع عقوبات ما بعد الغزو عام 2022، وإخضاع أي ترخيص أميركي يؤثر على قطاع الطاقة الروسي لمراجعة الكونغرس لمدة 30 يوماً.
2. الجانب الأوروبي: تعقيدات داخلية وتأخر في الاستجابة
في المقابل، استمر الاتحاد الأوروبي في نهج مختلف. فبحلول ربيع 2026، كان الأوروبيون قد أصدروا حزمة العقوبات العشرين ضد روسيا، مستهدفين القطاع المصرفي والنفط والغاز الطبيعي المسال والصناعات العسكرية. كما تبنى الاتحاد الأوروبي في أكتوبر 2025 حزمة عقوبات 19التي تضمنت حظراً على شراء واستيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي ليبدأ سريانه تدريجياً من أبريل 2026للعقود قصيرة الأجل ومن يناير 2027 للعقود طويلة الأجل.
مع ذلك، ظل الموقف الأوروبي متخماً بالثغرات والتعقيدات الداخلية. دول مثل هنغاريا وسلوفاكيا ظلت تعارض انضمامها إلى الحزمة العشرين من العقوبات، مما يعكس صعوبة تحقيق الإجماع داخل التكتل المكون من 27 دولة. والأكثر إثارة للجدل هو استمرار التبادل التجاري بين أوروبا وروسيا بحجم كبير رغم العقوبات المفروضة. وكما لاحظ المحلل السياسي إيغور ريتيروفيتش، فإن المفارقة تكمن في أن الاتحاد الأوروبي "بيد يضرب روسيا وبالأخرى يواصل التجارة معها".
3. التباين الأميركي-الأوروبي: ثلاث حالات نموذجية
يتجلى التباين بين الطرفين في ثلاث حالات دالة:
الحالة الأولى: العقوبات الثانوية. بينما اتجهت واشنطن إلى فرض عقوبات ثانوية صارمة على أي دولة أو بنك يتعامل مع روسيا، ظل الاتحاد الأوروبي متردداً في تبني أدوات مماثلة خوفاً من تداعياتها على مصالحه التجارية الواسعة مع الصين والهند ودول أخرى. وتركزت انتقادات أوروبا للأميركيين على أن مسار التصعيد الأحادي سيؤدي إلى "تقسيم أوروبا عمداً" وفقاً لتعبير مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس.
الحالة الثانية: رفع العقوبات على النفط الروسي. في مارس 2026، قامت واشنطن بخطوة فاجأت الحلفاء: رفع العقوبات عن صادرات النفط الروسية المنقولة بحراً ومنح إعفاءً للمصافي الهندية لشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات. واجهت هذه الخطوة انتقادات أوروبية لاذعة. قال المستشار الألماني فريدرش ميرتس: "نعتقد أن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو الأمر الخطأ الذي يجب فعله". كما كتب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا على وسائل التواصل الاجتماعي: "القرار الأميركي الأحادي برفع العقوبات عن النفط الروسي مقلق للغاية، لأنه يؤثر على الأمن الأوروبي". هذه الحالة تظهر تبايناً جوهرياً في تقدير التهديد: واشنطن ترى الأولوية في خفض أسعار النفط العالمية لمواجهة التضخم الداخلي، بينما يصر الأوروبيون على استمرار الضغط الاقتصادي على موسكو كأولوية قصوى.
الحالة الثالثة: "أسطول الظل". في مجال إنفاذ العقوبات، أثبتت الولايات المتحدة فعالية أكبر بكثير من أوروبا في اعتراض ناقلات "أسطول الظل" الروسي. إذ تعمل أميركا بحزم في مراقبة الشحنات البحرية، في حين أن أوروبا لم تحقق نفس المستوى من الإنفاذ. هذا التفاوت في التنفيذ يخلق تصوراً بأن أوروبا "غير جادة" في تطبيق العقوبات رغم توقيعها عليها.
ثانياً: أسباب الغموض الأوروبي: التبعية الطاقوية والانقسامات الداخلية
لفهم استمرار واشنطن في التصعيد رغم الغموض الأوروبي، علينا أولاً تفكيك جذور هذا الغموض ذاته.
1. الإرث التاريخي للتبعية الطاقوية
السبب الأعمق والأكثر جوهرية لتردد أوروبا هو اعتمادها التاريخي على الطاقة الروسية. فعلى مدى عقود، بنت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى بنى تحتية ضخمة (خطوط أنابيب مثل نورد ستريم 1 و2، وتوربينات، ومصافي متخصصة) مصممة لاستيعاب الغاز والنفط الروسي. وعلى الرغم من الجهود المبذولة منذ عام 2022 لتقليل هذا الاعتماد، فإن التحول الكامل إلى مصادر بديلة يستغرق سنوات ويتطلب استثمارات ضخمة. إن الإحجام عن فرض عقوبات أكثر صرامة، أو التردد في دعم الإجراءات الأميركية الأكثر قسوة، ينبع جزئياً من الخوف من تدمير ما تبقى من هذه البنية التحتية الاقتصادية. وبعبارة أخرى، فإن أوروبا "عالقة" بين الحاجة الأمنية لعزل روسيا اقتصاديةً، والحاجة الاقتصادية للحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة وأسعارها.
2. الانقسام الأوروبي الداخلي
لا يمكن الحديث عن "موقف أوروبي موحد" في ملف العقوبات على روسيا. فالتكتل الأوروبي المؤلف من 27 دولة يعاني من انقسامات حادة تعكس اختلاف المصالح الوطنية. على طرف نقيض توجد دول مثل بولندا ودول البلطيق التي تطالب بأقصى العقوبات الممكنة، وتنتقد أي تراخٍ في هذا الملف. على الجانب الآخر، توجد دول مثل المجر وسلوفاكيا التي تعارض بشدة عقوبات إضافية خوفاً من تداعياتها على اقتصاداتها التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الروسية. وإيطاليا وفرنسا وألمانيا تتأرجح بين هذين الموقفين. هذه الانقسامات تجعل من المستحيل تقريباً على الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف سريع وحاسم، بل تجعل قراراته دائماً نتيجة لأقل القواسم المشتركة.
3. التصور الأمني المختلف
على الرغم من الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا، لدى العديد من الدول الأوروبية تصوراً مختلفاً عن طبيعة التهديد الروسي. ترى بعض العواصم الأوروبية أن التعامل مع روسيا يجب أن يظل قائماً على خيارات الدبلوماسية والحوار في مرحلة ما، وأن تقطيع أوصال الاقتصاد الروسي بالكامل قد يقضي على أي فرصة لحل سياسي مستقبلي. في المقابل، ترى واشنطن، التي تبعد آلاف الكيلومترات عن النفوذ الروسي المباشر، أن الضغط الاقتصادي الأقصى هو السبيل الوحيد لإجبار موسكو على تقديم تنازلات. هذا التباين في إدراك الخطر يفسر لماذا تبدو أوروبا غامضة ومترددة في نظر صانع القرار الأميركي.
4. تكلفة العقوبات
لا يمكن تجاهل أن أوروبا تتحمل الجزء الأكبر من التكلفة الاقتصادية للعقوبات. فقد عانى الاقتصاد الأوروبي من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم وزيادة تكاليف الطاقة كنتيجة مباشرة للحرب والعقوبات. بالمقابل، تكبدت الولايات المتحدة تكاليف أقل بكثير، بل وزادت صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا بشكل كبير. هذا الخلل في توزيع التكاليف يُغذي الاستياء الأوروبي ويزيد من تردده في الانخراط في تصعيدات عقابية جديدة.
ثالثاً: لماذا تصعد واشنطن رغم ذلك؟ تحليل الدوافع الأميركية
إذا كان الغموض الأوروبي حقيقة واقعة، فلماذا لا تكتفي واشنطن بالضغط الدبلوماسي على حلفائها، وتصر بدلاً من ذلك على التصعيد الأحادي؟
1. الدافع الأول: إدراك واشنطن لحاجة أوروبا "للدفع"
من منظور واشنطن، فإن الغموض الأوروبي ليس عذراً لوقف التصعيد، بل هو بالضبط السبب الذي يستدعي المزيد من الضغط. ترى الإدارة الأميركية أن الأوروبيين بحاجة إلى "دفعة" قوية لكسر حالة الجمود التي يعيشونها. فمن خلال فرض عقوبات شديدة القسوة بشكل أحادي، فإن واشنطن ترسل رسالة مزدوجة: لموسكو مفادها أن الغرب مصمم على استمرار العقوبات رغم أي خلافات داخلية، وللأوروبي مفادها أنه لا يمكنه البقاء في المنطقة الرمادية بين الدعم اللفظي والاعتماد العملي على روسيا. هذه الاستراتيجية تهدف إلى جر الأوروبيين إلى موقف أكثر صرامة من خلال جعل موقفهم الحالي غير مقبول أكثر فأكثر.
2. الدافع الثاني: الأمن القومي الأميركي المباشر
على الرغم من الانتقادات الأوروبية، فإن العديد من صُنّاع القرار في واشنطن يدركون أن القيود المفروضة على روسيا تتعلق بالأمن القومي الأميركي بشكل مباشر. تحركت الكتلة المحافظة في مجلس النواب لإعادة هيكلة سياسة العقوبات بأكملها، زاعمة أن روسيا تشكل "تهديداً فورياً ومتصاعداً" للأمن القومي الأميركي. تقول الرسالة التي أرسلها رئيس فريق العمل للأمن القومي في الكتلة المحافظة، النائب زاك نان، إلى القيادة الجمهورية في الكونغرس: إن "عدوان بوتين يعمل على زعزعة استقرار الأسواق العالمية وتمكين أعداء أميركا". هذا التصور أن العقوبات على روسيا ليست مجرد سياسة خارجية تتعلق بأوكرانيا وحدها، بل هي جزء من صراع أوسع للحفاظ على الأمن والتفوق الأميركي، يدفع واشنطن إلى التصعيد بغض النظر عن الموقف الأوروبي.
3. الدافع الثالث: الضغوط الداخلية في واشنطن
تلعب السياسة الداخلية الأميركية دوراً كبيراً في دفع واشنطن نحو التصعيد. ففي الكونغرس، يجمع مشروع قانون غراهام-بلومنثال (الذي يحظى بدعم 83 سيناتوراً من الحزبين) على فرض رسوم جمركية بنسبة لا تقل عن 500%على أي دولة تشتري النفط أو اليورانيوم الروسيين. على الرغم من أن زعيم الأغلبية جون ثون أرجأ التصويت على مشروع القانون بناءً على طلب من البيت الأبيض، الذي أراد أن يمنح ترامب حرية التحرك أولاً، فإن وجود هذا الدعم الهائل في الكونغرس يعني أن الضغط على البيت الأبيض لتبني موقف متشدد تجاه روسيا مستمر ومكثف. البيت الأبيض نفسه ليس محصناً ضد هذا الضغط. في سبتمبر 2025، بدأ حتى الجمهوريون في مجلس الشيوخ في الضغط علناً على ترامب لفرض عقوبات جديدة بعد أن اخترقت الطائرات الروسية بدون طيار المجال الجوي البولندي.
4. الدافع الرابع: الرغبة في اختبار وتفكيك "الجمود الأمني" الأوروبي
هناك دافع أعمق وأكثر استراتيجية. فالإدارة الأميركية تدرك أن أوروبا لم تقم بعد بالتحولات الهيكلية اللازمة لتصبح قادرة على تحمل المسؤولية الكاملة عن أمنها. تهدف سياسة التصعيد الأحادي إلى دفع الأوروبيين إلى مواجهة هذه الحقائق الصعبة: استمرار الاعتماد على الطاقة الروسية، ونقص الاستثمار في الدفاع، والعجز عن اتخاذ قرارات سريعة بالإجماع. من خلال خلق واقع جديد لا يستطيع الأوروبيون فيه التمسك بموقفهم الحالي، تأمل واشنطن أن يجبروا أخيراً على إجراء هذه التغييرات. في هذا السياق، يمكن النظر إلى رفع العقوبات عن النفط الروسي في مارس 2026 كخطوة تهدف إلى إحداث "صدمة طاقوية" في الأسواق الأوروبية، لإجبارها على البحث عن بدائل أسرع. على الرغم من الانتقادات الأوروبية الحادة لهذه الخطوة، فإنها قد تحقق أهدافها الاستراتيجية المتمثلة في تسريع فك الارتباط الطاقوي بين أوروبا وروسيا.
رابعاً: التداعيات والسيناريوهات المحتملة
ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقة بين واشنطن وأوروبا في ملف العقوبات:
السيناريو الأول: تصاعد حدة الانقسام. إذا استمرت واشنطن في سياساتها الأحادية وتجاهلت الانتقادات الأوروبية، فقد نصل إلى نقطة انقطاع حيث تبدأ دول أوروبية في تخفيف عقوباتها بشكل أحادي لتخفيف الأعباء الاقتصادية على مواطنيها. هذا السيناريو من شأنه أن يؤدي إلى انهيار فعّال لنظام العقوبات الغربي، مما يسمح لروسيا بإعادة بناء علاقاتها الاقتصادية مع نصف أوروبا تقريباً.
السيناريو الثاني: التقارب القسري. بدلاً من ذلك، قد تؤدي التصعيدات الأميركية إلى إجبار الأوروبيين على التخلي عن ترددهم والخضوع للضغوط الأميركية، مما يؤدي في النهاية إلى تعزيز الوحدة عبر الأطلسي. هذا السيناريو هو الذي ترغب فيه واشنطن، ولكن تحقيقه يتطلب مستوى من التناغم السياسي داخل أوروبا غير موجود حالياً.
السيناريو الثالث: التعايش مع التباين والتكيف. السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسط هو التعايش بين "أميركا صارمة وأوروبا غامضة" دون انهيار كامل للتحالف. ستحافظ الولايات المتحدة على صرامتها تجاه موسكو، بينما ستحاول أوروبا تحقيق توازن دقيق بين الالتزام بالعقوبات وحماية مصالحها الاقتصادية. ستستمر العلاقات عبر الأطلسي في التوتر، لكنها لن تنهار تماماً بسبب المصالح المشتركة الأوسع في مواجهة روسيا والصين.
تشير الدلائل الحالية إلى اتجاه نحو السيناريو الثالث، مع بعض ملامح السيناريو الأول. ففي أعقاب رفع العقوبات على النفط الروسي في مارس 2026، انتقد الأوروبيون الخطوة بشدة لكنهم لم يتخذوا أي إجراء عقابي ضد واشنطن. وقد حافظوا على وتيرتهم الخاصة في فرض حزم عقوبات جديدة (الـ20)، بينما اختارت الولايات المتحدة تجاهل بعض الانتقادات ومضت في طريقها. هذا يشير إلى أن كلا الجانبين يدرك أن الخلاف لا يجب أن يتحول إلى قطيعة.
خاتمة: الإجابة عن السؤال المركزي
بعد هذا التحليل، يمكننا تقديم إجابة واضحة عن السؤال: لماذا تفرض واشنطن حزمة عقوبات قاسية على روسيا رغم الغموض الأوروبي؟
الإجابة متعددة الأبعاد، لكن الخيط الناظم بينها هو أن واشنطن لم تعد تنظر إلى "الغموض الأوروبي" كعائق أمام تحقيق أهدافها، بل كجزء من المشكلة التي تتطلب حلاً جذرياً. ففي نظر صانع القرار الأميركي، الغموض الأوروبي ليس مجرد تراجع تكتيكي مؤقت، بل هو مرض مزمن يتجلى في التبعية الطاقوية والانقسامات الداخلية وضعف الإرادة السياسية. ومن ثم فإن الرد الأميركي لا يتخذ شكل الضغط الدبلوماسي التقليدي، بل شكل التصعيد الأحادي الصارم، للأسباب التالية:
1. لإجبار الأوروبيين على الاختيار.* من خلال جعل الظرف الحالي غير قابل للاستمرار، تدفع واشنطن الأوروبيين إلى الاختيار بين الانضمام إلى سياسة الصرامة أو تحمل تداعيات العزلة الاقتصادية والسياسية.
2. لإثبات الجدية. في نظر واشنطن، عدم قدرة أوروبا على اتخاذ موقف حاسم حول روسيا يضعف مصداقية الغرب بأكمله. لذا فإن التصعيد الأميركي هو محاولة لإثبات أن هناك على الأقل طرفاً واحداً في التحالف مستعد لتحمل المسؤولية.
3. لأسباب داخلية أميركية. بعيداً عن الاعتبارات الأوروبية، هناك ضغوط داخلية هائلة في واشنطن تطالب بموقف متشدد تجاه موسكو سواء انضمت أوروبا أم لم تنضم. هذه الضغوط تجعل التصعيد أمراً لا مفر منه تقريباً.
4. لإعادة تعريف المصالح. تدرك واشنطن أن العقود القادمة ستشهد تحولاً في النظام العالمي، وأن العلاقة مع أوروبا ستختلف عما كانت عليه. التصعيد الحالي هو جزء من عملية إعادة تعريف للمصالح الوطنية الأميركية والغربية.
غير أن هذه السياسة لا تخلو من مخاطر كبيرة. فالتصعيد الأحادي قد يؤدي في النهاية إلى تفكك التحالف عبر الأطلسي، وهو ما سيكون مكسباً استراتيجياً لروسيا والصين. كما أن تجاهل المصالح الأوروبية المشروعة قد يدفع الأوروبيين إلى البحث عن ترتيبات أمنية واقتصادية بديلة، ربما مع الصين. في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل سينجح هذا النهج في "علاج" الغموض الأوروبي، أم سيجعله مزمناً أكثر مما كان؟
في هذا السياق، تظل الحاجة إلى حوار استراتيجي جاد بين واشنطن وبروكسل حول كيفية التعامل مع روسيا أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
المراجع :
اسكندر، ماجد عزيز عبد المسيح.* (2025). التجربة الروسية في مقاومة العقوبات الأمريكية والغربية وانعكاساتها على الجنوب العالمي. مجلة العلوم السياسية، جامعة بغداد. DOI: [https://doi.org/10.30907/jcopolicy.vi70.872](https://doi.org/10.30907/jcopolicy.vi70.872).
الجزيرة نت. (2025، 23 أكتوبر). بوتين: لن نرضخ لأميركا والعقوبات لن يكون لها أثر كبير على اقتصادنا. متاح على: [https://www.aljazeera.net](https://www.aljazeera.net).
