شهدت السياسة الخارجية الروسية خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا في طبيعة حضورها داخل القارة الأفريقية، إذ انتقلت موسكو من الاعتماد على أدوات النفوذ غير الرسمية إلى بناء منظومة أكثر تنظيمًا ترتكز على المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية التابعة للدولة الروسية. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا لدى صناع القرار في الكرملين لأهمية أفريقيا باعتبارها إحدى الساحات الرئيسية للتنافس الدولي خاصة في ظل التغيرات التي يشهدها النظام الدولي وتراجع النفوذ الغربي في عدد من مناطق القارة.
وتحظى منطقة شمال أفريقيا بمكانة استثنائية ضمن الاستراتيجية الروسية؛ نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر ومنطقة الساحل والصحراء، وهو ما يمنحها قيمة جيوسياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة كما تمثل المنطقة نقطة ارتكاز تسمح لموسكو بتوسيع حضورها نحو عمق القارة الأفريقية، مع الحفاظ على قدرة أكبر على التأثير في التوازنات الأمنية بمنطقة المتوسط، ومراقبة خطوط الملاحة الدولية ومسارات الطاقة والتجارة العالمية.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل خريطة الانتشار العسكري الروسي في شمال أفريقيا، واستعراض الأهداف الاستراتيجية التي تحرك السياسة الروسية، وتقييم محددات استمرار هذا النفوذ خلال السنوات المقبلة، في ضوء التحولات الأمنية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
خريطة الانتشار الروسي
أصبح الانتشار العسكري الروسي في شمال أفريقيا يعتمد على نموذج الشبكات اللوجستية ونقاط الارتكاز الاستراتيجية، بدلاً من نموذج القواعد العسكرية الدائمة الذي اتبعته القوى الكبرى خلال العقود الماضية ويتيح هذا النموذج لموسكو حرية الحركة بتكاليف أقل، مع تقليل الضغوط السياسية والدبلوماسية المرتبطة بإقامة قواعد عسكرية واسعة النطاق. كما يسمح لها بربط عملياتها العسكرية والأمنية في شمال أفريقيا بمنطقة الساحل والبحر الأحمر والبحر المتوسط ضمن منظومة عمليات متكاملة.
وتتصدر ليبيا خريطة النفوذ الروسي في المنطقة، حيث تمثل الحلقة الأكثر أهمية في الاستراتيجية العسكرية لموسكو فالموقع الجغرافي الليبي يمنح روسيا قدرة على الربط بين شرق البحر المتوسط وعمق القارة الأفريقية، كما يوفر منفذًا مناسبًا لدعم عملياتها في منطقة الساحل. وخلال السنوات الماضية تطور الحضور الروسي من تقديم الدعم العسكري إلى استخدام عدد من القواعد الجوية والمرافق اللوجستية التي أصبحت تؤدي دورًا رئيسيًا في نقل المعدات والأفراد بين مناطق الانتشار المختلفة، الأمر الذي جعل ليبيا مركز الثقل الرئيسي للتحركات الروسية في أفريقيا.
ولا تنفصل أهمية ليبيا عن التنافس المتصاعد في شرق البحر المتوسط، سواء فيما يتعلق بأمن الطاقة أو خطوط الملاحة البحرية أو التوازنات العسكرية مع حلف شمال الأطلسي، إذ يمنح الوجود الروسي في الأراضي الليبية قدرة أكبر على مراقبة التحركات العسكرية في جنوب أوروبا، ويعزز التواصل بين مسارح العمليات الروسية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يجعل ليبيا إحدى أهم ركائز الاستراتيجية الروسية خارج الفضاء السوفيتي السابق.
ويمثل السودان الحلقة الثانية في شبكة النفوذ الروسي، إلا أن أهميته ترتبط بالبعد البحري والاقتصادي أكثر من البعد العسكري المباشر. فالموقع السوداني على البحر الأحمر يمنح موسكو فرصة للوصول إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وهو ما يفسر استمرار اهتمامها بإقامة مركز للدعم اللوجستي البحري في بورتسودان، رغم تعقيدات المشهد السياسي والأمني داخل البلاد. كما يرتبط الحضور الروسي في السودان باستثمارات واسعة في قطاع التعدين، وخاصة الذهب، بما يوفر موارد مالية تسهم في دعم الأنشطة الروسية الخارجية وتعزيز استدامة وجودها الإقليمي.
أما الجزائر، فتمثل نموذجًا مختلفًا للعلاقات العسكرية الروسية، إذ يقوم التعاون بين الجانبين على الشراكة الدفاعية طويلة المدى وصفقات التسليح ونقل الخبرات الفنية، دون وجود قوات قتالية روسية كبيرة داخل الأراضي الجزائرية. وتعد الجزائر من أكبر مستوردي السلاح الروسي في العالم، وهو ما يرسخ مكانتها باعتبارها أحد أهم الشركاء العسكريين لموسكو في أفريقيا، بينما يقتصر الوجود الروسي على الخبراء والفنيين والمستشارين العسكريين المسؤولين عن التدريب والصيانة والتطوير.
وتسير العلاقات الروسية مع مصر وفق النهج ذاته، حيث يركز التعاون على التدريب العسكري المشترك، وصفقات التسليح، وتبادل الخبرات الفنية، مع الحفاظ على طبيعة العلاقات الاستراتيجية التي توازن بين الشراكات المصرية مع روسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية. كما تشير بعض التقديرات إلى أن التعاون اللوجستي بين الجانبين أسهم في تسهيل حركة بعض عمليات الإمداد المرتبطة بالمسرح الليبي، دون أن يعني ذلك وجودًا عسكريًا روسيًا دائمًا داخل الأراضي المصرية.
المصالح الاستراتيجية الروسية في شمال إفريقيا
لا يمكن فهم التوسع الروسي في شمال إفريقيا بمعزل عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث تنظر موسكو إلى المنطقة باعتبارها إحدى الساحات الرئيسية لإعادة تشكيل توازنات القوة العالمية وتعزيز مكانتها كقوة دولية منافسة للولايات المتحدة وحلفائها ومن هذا المنطلق، فإن التحركات العسكرية والسياسية الروسية لا تمثل استجابة ظرفية للأزمات الإقليمية، وإنما تندرج ضمن استراتيجية طويلة المدى تستهدف بناء منظومة نفوذ متكاملة تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى العمق الإفريقي، بما يمنح روسيا أدوات إضافية للتأثير في القضايا الدولية والإقليمية.
ويأتي في مقدمة الأهداف الروسية تعزيز الحضور العسكري على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، بما يوفر لموسكو قدرة أكبر على مراقبة التحركات العسكرية الغربية، ولا سيما أن المنطقة تمثل الامتداد الجنوبي لحلف شمال الأطلسي، وتشكل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط وإفريقيا. ومن خلال هذا التموضع، تسعى روسيا إلى امتلاك أوراق ضغط استراتيجية يمكن توظيفها في إدارة علاقاتها مع القوى الغربية، سواء في ملفات الأمن الأوروبي أو الأزمات الدولية الأخرى.
ومن أبرز ملامح التحول في السياسة الروسية الانتقال من نموذج الاعتماد على الشركات العسكرية الخاصة إلى نموذج مؤسسي يخضع لإشراف مباشر من مؤسسات الدولة، وهو ما تجسد في إنشاء "فيلق إفريقيا". وقد وفر هذا التحول مزايا استراتيجية عديدة، أهمها توحيد القيادة والسيطرة، وتحسين مستوى التنسيق بين الأجهزة العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية، فضلاً عن تقليل المخاطر السياسية المرتبطة بالاعتماد على كيانات شبه عسكرية مستقلة. كما أتاح لموسكو دمج أنشطتها في إفريقيا ضمن منظومتها الدفاعية الشاملة، بما يعزز من استدامة وجودها وقدرتها على الاستجابة السريعة للمتغيرات الميدانية.
وفي الجانب البحري، تولي روسيا أهمية خاصة لتأمين منافذ على المياه الدافئة، باعتبارها عنصراً أساسياً في عقيدتها العسكرية والاستراتيجية. فامتلاك منشآت لوجستية على البحر المتوسط والبحر الأحمر يمنح الأسطول الروسي حرية حركة أكبر، ويحد من القيود الجغرافية التي يفرضها الاعتماد على البحر الأسود وحده، كما يتيح توسيع نطاق الانتشار البحري نحو المحيط الهندي وشرق إفريقيا، ويعزز قدرة موسكو على حماية خطوط الملاحة البحرية المرتبطة بمصالحها الاقتصادية والعسكرية.
محددات مستقبل النفوذ الروسي
يرتبط مستقبل النفوذ الروسي في شمال إفريقيا بمجموعة من المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية التي ستحدد قدرة موسكو على الحفاظ على مكتسباتها وتوسيع نطاق حضورها خلال السنوات المقبلة. فعلى الرغم من النجاحات التي حققتها روسيا في ترسيخ وجودها العسكري والأمني في عدد من الدول الإفريقية، فإن استمرار هذا النفوذ يظل مرهوناً بقدرتها على التكيف مع التحولات السياسية والأمنية المتسارعة، فضلاً عن إدارة المنافسة المتزايدة مع القوى الدولية الأخرى.
ومن المرجح أن تستمر روسيا في الاعتماد على نموذج الانتشار العسكري المرن الذي يجمع بين المستشارين العسكريين، والدعم اللوجستي، وبرامج التدريب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بدلاً من إنشاء قواعد عسكرية ضخمة تتطلب استثمارات مالية وسياسية كبيرة. وقد أثبت هذا النموذج فعاليته في توفير حضور دائم بأقل التكاليف، كما يمنح موسكو حرية أكبر في إعادة توزيع قواتها وفقاً لتطور الأوضاع الميدانية.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن ليبيا ستظل محور الارتكاز الرئيسي للاستراتيجية الروسية في القارة الإفريقية، نظراً لما توفره من موقع جغرافي يربط البحر الأبيض المتوسط بمنطقة الساحل والصحراء. كما أن استمرار عمل "فيلق إفريقيا" تحت الإشراف المباشر لوزارة الدفاع الروسية يعكس توجهاً نحو ترسيخ الطابع المؤسسي للوجود الروسي، بما يعزز ثقة الشركاء الأفارقة في استمرارية التعاون الأمني والعسكري، ويحد من حالة الغموض التي ارتبطت سابقاً بعمل الشركات العسكرية الخاصة.
وفي المقابل، يبقى مستقبل الحضور الروسي على البحر الأحمر مرتبطاً بالتطورات السياسية والأمنية في السودان. فإذا توافرت الظروف الملائمة لإنشاء منشآت بحرية روسية على الساحل السوداني، فإن ذلك سيمنح موسكو قدرة أكبر على الربط بين عملياتها في البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويعزز من مرونة تحركاتها البحرية، ويمنحها موقعاً مؤثراً بالقرب من أحد أهم الممرات التجارية في العالم. أما في حال استمرار حالة عدم الاستقرار، فمن المرجح أن تواصل روسيا الاعتماد على التفاهمات السياسية والتعاون اللوجستي دون الانتقال إلى مرحلة الانتشار البحري الكامل.
وفيما يتعلق بالعلاقات مع الجزائر ومصر، يتوقع أن يستمر التعاون العسكري في إطار الشراكات الدفاعية التقليدية القائمة على صفقات التسليح، وبرامج التدريب، والصيانة الفنية، والمناورات المشتركة، دون أن يتحول إلى وجود عسكري دائم. ويعكس ذلك رغبة هذه الدول في الحفاظ على سياسة التوازن في علاقاتها الخارجية، بما يتيح لها الاستفادة من التعاون مع روسيا دون الإضرار بشراكاتها مع القوى الغربية.
أما في منطقة الساحل الإفريقي، فإن استمرار النفوذ الروسي سيعتمد بصورة كبيرة على قدرة الحكومات المحلية على احتواء التهديدات الأمنية ومواجهة الجماعات المسلحة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن القوات الروسية وحلفاءها المحليين يواجهون تحديات ميدانية معقدة، إلا أن موسكو لا تبدو مستعدة للتراجع عن استراتيجيتها، بل تسعى إلى إعادة تنظيم انتشارها بما يضمن حماية المراكز الحيوية، وتأمين الحكومات الحليفة، والمحافظة على المصالح الاقتصادية المرتبطة بقطاعات التعدين والطاقة.
خاتماً: خلصت الدراسة إلى أن الاستراتيجية الروسية في شمال إفريقيا شهدت تحولاً جوهرياً خلال السنوات الأخيرة، انتقلت بموجبه من الاعتماد على الأدوات غير الرسمية إلى نموذج مؤسسي أكثر تنظيماً يخضع لإشراف مباشر من مؤسسات الدولة الروسية. وقد أسهم هذا التحول في تعزيز قدرة موسكو على إدارة انتشارها العسكري والأمني بصورة أكثر فاعلية، وربط أنشطتها الدفاعية بأهدافها السياسية والاقتصادية في القارة الإفريقية.
كما أظهرت الدراسة أن شمال إفريقيا تمثل محوراً أساسياً في الرؤية الجيوسياسية الروسية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وإنما أيضاً لكونها حلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر ومنطقة الساحل، الأمر الذي يمنح روسيا فرصاً واسعة لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي. وقد اعتمدت موسكو في تحقيق ذلك على استراتيجية تقوم على بناء شبكة من الشراكات الأمنية ونقاط الارتكاز اللوجستية، بدلاً من إنشاء قواعد عسكرية تقليدية، بما وفر لها مرونة كبيرة في إدارة عملياتها الخارجية.
المصدر: مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية
التاريخ : 30/6/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: صحيفة الخليج
الكاتب : الحسين الزاوي
التاريخ : 28/6/2026
