الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران
فرع القاهرة

شهد الشرق الأوسط خلال الأشهر الأخيرة تحولات سياسية وأمنية متسارعة أعقبت انتهاء المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من سلسلة تفاهمات واتفاقات هدفت إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة فقد أسهمت الوساطات الإقليمية والدولية في التوصل إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، إلى جانب اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية، الأمر الذي خلق انطباعًا أوليًا بإمكانية الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مسار التهدئة السياسية.

ورغم أهمية هذه التطورات، فإنها لم تعالج الأسباب الجوهرية للصراعات القائمة، بل ركزت على احتواء تداعياتها الآنية وتأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا إلى مراحل تفاوضية لاحقة. فالقضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، وسلاح حزب الله وأمن الحدود اللبنانية، ومستقبل قطاع غزة، ما زالت تمثل نقاط خلاف رئيسية قابلة لإعادة إنتاج التوتر في أي وقت، وهو ما يجعل حالة الاستقرار الراهنة أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة منها إلى تسوية استراتيجية شاملة.

المشهد إقليمي بين التهدئة والتصعيد

أفرزت الحرب الأخيرة على إيران واقعًا إقليميًا جديدًا يختلف عن المراحل السابقة، إذ انتقلت الأطراف المتصارعة من المواجهة العسكرية المباشرة إلى إدارة الصراع عبر التفاهمات السياسية والضغوط الدبلوماسية وأسهمت الوساطات الدولية والإقليمية في بلورة مجموعة من الترتيبات المؤقتة التي هدفت إلى وقف التصعيد ومنع توسع نطاق الحرب، إلا أن هذه الترتيبات جاءت بوصفها آليات لإدارة الأزمة أكثر من كونها حلولًا نهائية لها، وهو ما أبقى المنطقة في حالة توازن دقيق يمكن أن ينهار مع أي تطور ميداني أو سياسي.

وتبرز مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها أحد أهم ملامح هذه المرحلة، إذ وفرت إطارًا عامًا لتنظيم العلاقة بين الطرفين بعد المواجهة العسكرية، وفتحت المجال أمام استئناف المفاوضات بشأن عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية غير أن المذكرة لم تتضمن حلولًا تفصيلية للقضايا الأكثر حساسية، بل اكتفت بتأجيلها إلى جولات تفاوضية لاحقة، الأمر الذي جعلها أقرب إلى اتفاق لاحتواء الأزمة وليس لإنهائها.

وفي السياق ذاته، جاء الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان ليعكس الرغبة الأمريكية في منع انتقال المواجهة إلى الجبهة اللبنانية، إلا أن نجاح هذا الاتفاق يظل مرهونًا بقدرته على معالجة القضايا الخلافية المرتبطة بانتشار القوات، وترسيم الترتيبات الأمنية، ومستقبل سلاح حزب الله، وهي ملفات ما زالت محل تباين حاد بين مختلف الأطراف، بما يجعل الاتفاق معرضًا لاختبارات متكررة خلال مراحل تنفيذه.

كما أسهمت الحرب في إعادة رسم أولويات القوى الإقليمية؛ فالدول العربية، ولا سيما الخليجية، باتت أكثر اهتمامًا بتجنب الانخراط في مواجهات عسكرية جديدة قد تؤثر في استقرارها الاقتصادي وأمنها الداخلي، في حين تسعى القوى الدولية إلى الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية وضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية وقد أدى ذلك إلى تكثيف الاتصالات السياسية وتوسيع مسارات الوساطة، مع استمرار الاستعدادات العسكرية كأداة ردع في حال انهيار المسار التفاوضي.

ورغم هذا الحراك الدبلوماسي، فإن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط لا تزال تعاني غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف الرئيسية. فكل طرف ينظر إلى التفاهمات الحالية باعتبارها مرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب أوراقه وتعزيز مواقعه التفاوضية، وليس بوصفها تسوية نهائية للصراع ولذلك تستمر عمليات إعادة التموضع العسكري، وتعزيز القدرات الدفاعية، ومراقبة تحركات الخصوم، بما يعكس استمرار منطق الردع المتبادل إلى جانب المسار التفاوضي.

مواقف القوى الإقليمية والدولية 

أفرزت التطورات التي أعقبت الحرب على إيران واقعًا سياسيًا جديدًا أعاد ترتيب أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين، إذ سعت كل دولة إلى توظيف نتائج المواجهة بما يحقق مصالحها الاستراتيجية ويحافظ على توازنات القوة القائمة ورغم التوصل إلى تفاهمات سياسية واتفاقات أولية، فإن مواقف الأطراف المختلفة لا تعكس وجود رؤية مشتركة لتحقيق تسوية شاملة، بقدر ما تعكس محاولات لإدارة المرحلة الانتقالية وتقليل الخسائر، مع الاحتفاظ بأوراق الضغط استعدادًا لأي تطورات مستقبلية.

الموقف الإسرائيليتعاملت إسرائيل مع مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية بحذر واضح، إذ رأت أنها لم تحقق جميع المطالب الإسرائيلية المتعلقة بتقييد البرنامج النووي الإيراني وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران ورغم التصريحات الرافضة التي صدرت عن عدد من أعضاء الائتلاف الحاكم، فإن الحكومة الإسرائيلية حرصت على عدم الدخول في مواجهة سياسية مع واشنطن إدراكًا منها للدور الأمريكي المركزي في صياغة التفاهمات الجديدة، ولأهمية الحفاظ على مستوى التنسيق الاستراتيجي بين الجانبين.

وفي المقابل، سعت تل أبيب إلى الفصل بين التفاهم الأمريكي مع إيران وبين الملف اللبناني، انطلاقًا من اعتبارها أن أمن الحدود الشمالية يمثل قضية إسرائيلية خالصة لا يمكن ربطها بالمفاوضات الأمريكية مع طهران ولذلك وافقت على الدخول في مفاوضات مباشرة مع لبنان برعاية أمريكية، مستندة إلى تفوقها العسكري والسياسي، وإلى اعتقادها بأن هذا المسار سيحد من قدرة إيران على التأثير المباشر في مستقبل الساحة اللبنانية.

الموقف الأمريكيتنظر الولايات المتحدة إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية دون الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة جديدة فمذكرة التفاهم مع إيران تمثل، من وجهة النظر الأمريكية، إطارًا يسمح باحتواء التصعيد وتهيئة الظروف لاستئناف التفاوض بشأن الملفات الخلافية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سياسة الردع العسكري والضغوط الاقتصادية لضمان التزام طهران بما يتم الاتفاق عليه.

وفي الوقت نفسه، واصلت واشنطن جهودها لاحتواء التوتر على الجبهة اللبنانية عبر رعاية الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لمنع تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة مواجهة جديدة قد تهدد الاستقرار الإقليمي. كما حرصت الإدارة الأمريكية على الموازنة بين دعمها التقليدي لإسرائيل وبين احتواء سياسات الحكومة الإسرائيلية التي قد تؤدي إلى إفشال جهود التهدئة، وهو ما يعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على نفوذها القيادي في إدارة أزمات المنطقة.

الموقف الإيراني: تمكنت إيران من الخروج من مرحلة المواجهة العسكرية مع الاحتفاظ بجزء مهم من أوراقها التفاوضية، إذ لا تزال تعتبر أن نفوذها في لبنان، وسيطرتها غير المباشرة على عدد من الملفات الإقليمية، يمثلان عنصرًا رئيسيًا في موازين القوة مع الولايات المتحدة وإسرائيل كما تسعى طهران إلى ربط أي تقدم في الملف النووي برفع العقوبات الاقتصادية واستعادة قدرتها على تصدير النفط بصورة طبيعية.

ورغم مشاركتها في تنفيذ التفاهمات الأخيرة، فإن القيادة الإيرانية لا تزال تتعامل بحذر مع النوايا الأمريكية، وتفترض احتمال تراجع واشنطن أو تل أبيب عن الالتزامات التي تم الاتفاق عليها ولذلك تواصل إيران تعزيز قدراتها العسكرية، والحفاظ على شبكة تحالفاتها الإقليمية باعتبارها أدوات ردع يمكن استخدامها إذا تعثرت المفاوضات أو تعرضت مصالحها الاستراتيجية للتهديد.

المواقف العربية والخليجية واللبنانية

اتسم الموقف العربي الرسمي بالتمسك بالدعوة إلى الحلول السياسية، واحترام سيادة الدول، والحفاظ على وحدة أراضيها، مع التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها أحد مفاتيح الاستقرار الإقليمي إلا أن هذا الموقف ما زال يواجه تحديات تتعلق بتباين أولويات الدول العربية واختلاف تقديراتها للمخاطر، وهو ما يحد من قدرة العمل العربي المشترك على التأثير المباشر في مسارات الأزمات.

أما دول الخليج، فقد اتجهت إلى تبني سياسة أكثر براغماتية تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز العلاقات مع القوى الإقليمية، بما في ذلك استمرار الحوار مع إيران، بهدف تقليل احتمالات المواجهة العسكرية وحماية المصالح الاقتصادية، خصوصًا في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار ومع ذلك، لا تزال حالة عدم الثقة في السياسات الإيرانية تمثل عاملًا مؤثرًا في طبيعة العلاقات الخليجية–الإيرانية.

وفي لبنان، تسعى الدولة إلى استثمار المسار التفاوضي لاستعادة الاستقرار وضمان الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة، إلا أن تنفيذ الاتفاق الإطاري يظل مرتبطًا بملفات معقدة، أبرزها مستقبل سلاح حزب الله وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة ويعد هذا الملف التحدي الأكبر أمام السلطات اللبنانية، في ظل استمرار التباين بين المواقف الداخلية والإقليمية بشأن مستقبل دور الحزب في المعادلة الأمنية والسياسية.

وفي المجمل، تكشف مواقف مختلف الأطراف أن المنطقة لا تزال تعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي وتعزيز أدوات نفوذه قبل الانتقال إلى أي تسويات نهائية ومن ثم، فإن استمرار حالة الاستقرار سيظل مرهونًا بقدرة القوى الإقليمية والدولية على تجاوز حسابات المكاسب المرحلية، والانخراط في ترتيبات أمنية أكثر استدامة وشمولًا.

السيناريوهات المستقبلية للمشهد الإقليمي

تشير المؤشرات الراهنة إلى أن مستقبل الشرق الأوسط سيظل رهينًا بمسار العلاقات بين القوى الإقليمية والدولية، ومدى نجاحها في تحويل التفاهمات المؤقتة إلى تسويات سياسية أكثر استدامة وفي ضوء التطورات الحالية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأوضاع خلال المرحلة المقبلة.

يتمثل السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحًا، في استمرار حالة التهدئة الحذرة، بحيث تواصل الأطراف الالتزام النسبي بالتفاهمات القائمة، مع استمرار المفاوضات بشأن الملفات الخلافية دون التوصل إلى حلول نهائية ويقوم هذا السيناريو على إدارة الأزمات بدلًا من حلها، مع احتواء أي تصعيد محدود عبر الوساطات الدولية والإقليمية، بما يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار ويمنع اندلاع حرب واسعة.

أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار الجمود السياسي، حيث تتعثر المفاوضات بسبب الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل حزب الله، والترتيبات الأمنية في لبنان وغزة، دون أن يؤدي ذلك إلى مواجهة عسكرية شاملة. وفي هذه الحالة ستبقى المنطقة في حالة استنزاف سياسي وأمني، مع تكرار الأزمات المحدودة والتوترات المتقطعة، واستمرار الضغوط الاقتصادية على مختلف الأطراف.

ويتمثل السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنه الأكثر خطورة، في انهيار التفاهمات الحالية وعودة التصعيد العسكري نتيجة فشل المفاوضات أو تنفيذ عمليات عسكرية متبادلة أو تصاعد المواجهات عبر الوكلاء الإقليميين. وقد يقود هذا السيناريو إلى اتساع رقعة الصراع لتشمل أكثر من جبهة، بما في ذلك لبنان وغزة والخليج العربي والبحر الأحمر، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وبالنظر إلى توازنات القوى الحالية، يبدو أن الأطراف الرئيسية تدرك التكلفة الباهظة لأي مواجهة عسكرية جديدة، وهو ما يعزز فرص استمرار التهدئة النسبية خلال المدى القريب. إلا أن استمرار هذه الحالة سيظل مشروطًا بقدرة القوى الفاعلة على تجاوز الحسابات التكتيكية، والانتقال إلى معالجة القضايا الجوهرية التي تمثل مصدرًا دائمًا للتوتر وعدم الاستقرار.

خاتماً: كما يتضح أن المشهد الإقليمي بات محكومًا بتوازن دقيق بين مسارين متوازيين؛ أولهما استمرار القنوات الدبلوماسية والجهود الدولية الرامية إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، وثانيهما احتفاظ جميع الأطراف بعناصر القوة والردع استعدادًا لأي احتمال. فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت معادلة توازن جديدة تحافظ على نفوذها في المنطقة، وإسرائيل تواصل إعادة صياغة بيئتها الأمنية بما يضمن تقليص مصادر التهديد المحيطة بها، بينما تتمسك إيران بأدوات نفوذها الإقليمي باعتبارها الضمانة الأساسية لتعزيز موقعها التفاوضي. وفي المقابل، تحاول الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، تبني سياسات أكثر براغماتية تقوم على احتواء التوترات، وتنويع الشراكات الإقليمية والدولية، وتجنب الانخراط في صراعات جديدة قد تؤثر في استقرارها الاقتصادي والأمني.

 

 

المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

الكاتب : اللواء محمد إبراهيم الدويري

التاريخ : 30/6/2026

-----------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: صحيفة النهار

التاريخ : 6/3/2026

المقالات الأخيرة