تشهد الأزمة السودانية منذ اندلاع المواجهات المسلحة في أبريل 2023 تحولات متسارعة نقلتها من إطار الصراع الداخلي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والإنسانية والجيوسياسية ومع استمرار الحرب لأكثر من ثلاثة أعوام، لم تعد تداعياتها تقتصر على الداخل السوداني، بل امتدت لتشمل أمن البحر الأحمر، واستقرار منطقة القرن الإفريقي، وأمن الحدود مع دول الجوار، فضلاً عن انعكاساتها على حركة التجارة الدولية والهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب.
وفي هذا السياق، اكتسبت جلسات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالسودان أهمية متزايدة باعتبارها منصة تعكس اتجاهات القوى الدولية تجاه مستقبل الأزمة وقد مثلت المواجهة الدبلوماسية بين كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس والمندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، محطة فارقة في تطور المواقف الدولية، إذ كشفت عن تباين واضح بين الرؤية الأمريكية التي تسعى إلى فرض هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية، وبين موقف الحكومة السودانية التي تربط أي عملية تفاوضية بتحقيق مكاسب ميدانية وضمانات أمنية محددة.
الاستراتيجية الأمريكية تجاه الأزمة السودانية
شهدت السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال الأشهر الأخيرة تحولاً نوعياً انتقلت بموجبه من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة ممارسة الضغوط المباشرة على أطراف النزاع فبعد فترة اتسمت بالتركيز على الوساطة الدبلوماسية وتشجيع الحوار، بدأت واشنطن تتبنى أدوات أكثر صرامة تستهدف دفع الأطراف المتحاربة نحو القبول بوقف إطلاق النار، مستفيدة من تزايد القناعة الدولية بأن استمرار الحرب يهدد الأمن الإقليمي بصورة متصاعدة.
وقد عكست تصريحات مسعد بولس أمام مجلس الأمن هذا التحول بوضوح، إذ تضمنت اتهامات مباشرة لمجلس السيادة السوداني بعرقلة مسودة الهدنة الإنسانية، وهو خطاب يختلف عن الصيغة التقليدية التي كانت تعتمدها الإدارة الأمريكية والقائمة على توزيع المسؤولية بصورة متوازنة بين طرفي الصراع. ويشير هذا التغيير إلى أن واشنطن أصبحت أكثر استعداداً لتسمية الجهات التي ترى أنها تعطل جهود التسوية، بما يفتح المجال أمام تصعيد سياسي ودبلوماسي لاحق.
ولم يقتصر التحول الأمريكي على الخطاب السياسي، بل امتد إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والقانوني، حيث اتجهت الإدارة الأمريكية إلى فرض عقوبات جديدة استهدفت شخصيات وكيانات مرتبطة بالنزاع، إلى جانب تشديد القيود على التعاون المالي والاقتصادي مع السودان وتعكس هذه الإجراءات توجهاً نحو توظيف العقوبات باعتبارها أداة لإعادة تشكيل حسابات الأطراف المتحاربة، وتقليص قدرتها على الاستمرار في العمليات العسكرية عبر الحد من مصادر التمويل والإمداد.
كما برز بعد آخر في السياسة الأمريكية يتمثل في التركيز على البعد الإقليمي للأزمة، إذ أشارت واشنطن إلى وجود شبكات دعم خارجي تقدم مساعدات عسكرية ولوجستية للأطراف المتصارعة، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً للطابع العابر للحدود الذي اكتسبته الحرب السودانية. ومن ثم، لم تعد الأزمة تُنظر إليها باعتبارها نزاعاً داخلياً فحسب، وإنما أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من التنافسات الإقليمية التي تؤثر في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
التوازنات الدولية داخل مجلس الأمن
لم تعد الأزمة السودانية شأناً داخلياً أو إقليمياً محدود التأثير، بل أصبحت إحدى القضايا التي تعكس طبيعة التوازنات الدولية داخل مجلس الأمن، في ظل تزايد ارتباطها بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتأثيرها المباشر على الاستقرار الإقليمي وحركة التجارة الدولية ومن هذا المنطلق، اكتسبت مواقف القوى الكبرى أهمية خاصة، باعتبارها مؤشراً على الاتجاه الذي قد تتخذه الجهود الدولية خلال المرحلة المقبلة.
وقد كشفت جلسة مجلس الأمن الأخيرة عن وجود درجة غير مسبوقة من التقارب بين عدد من القوى الدولية بشأن ضرورة وقف العمليات العسكرية، وهو ما يمثل تحولاً مهماً مقارنة بالمراحل الأولى من الصراع، التي اتسمت بتباين واضح في المواقف الدولية وغياب توافق حقيقي حول آليات إنهاء الحرب ويشير هذا التقارب إلى إدراك متزايد بأن استمرار النزاع لم يعد يهدد السودان وحده، وإنما ينعكس على منظومة الأمن الإقليمي بأكملها، بما في ذلك أمن البحر الأحمر، واستقرار دول الجوار، وأمن الملاحة الدولية.
وفي هذا الإطار، برز الموقف الصيني بوصفه أحد أبرز المؤشرات على إعادة تشكيل المواقف الدولية. فقد دعت بكين بصورة واضحة إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، مؤكدة أن الحسم العسكري لن يؤدي إلى إنهاء الأزمة، وأن الحل السياسي يظل الخيار الوحيد القادر على الحفاظ على وحدة السودان واستقراره ويكتسب هذا الموقف أهمية مضاعفة بالنظر إلى العلاقات التقليدية التي ربطت الصين بالسودان على المستويات الاقتصادية والاستثمارية، وهو ما يعني أن بكين باتت تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
ويعكس هذا التحول أيضاً تغيراً في أولويات السياسة الصينية تجاه القارة الإفريقية، حيث أصبح الحفاظ على الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية الاستثمارات ومشروعات البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. ومن ثم، فإن بكين لم تعد تكتفي بالدعوة العامة إلى الحوار بل أصبحت أكثر ميلاً لدعم المبادرات الدولية الرامية إلى وقف القتال، بما ينسجم مع مصالحها الاقتصادية والأمنية طويلة المدى.
الرؤية الرسمية السودانية
تكشف المواقف الصادرة عن القيادة السودانية خلال المرحلة الأخيرة عن تمسك واضح بخيار الحسم العسكري بوصفه المدخل الأساسي لإنهاء الصراع، وهو ما يعكس اختلافاً جوهرياً مع الرؤية التي تتبناها الأمم المتحدة وعدد من القوى الدولية، والتي ترى أن وقف إطلاق النار يمثل الخطوة الأولى نحو إطلاق عملية سياسية شاملة. ويبرز هذا التباين باعتباره أحد أهم العوامل التي تعقد جهود الوساطة الدولية، وتؤخر الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، جاء رد المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، ليؤكد أن الحكومة السودانية لا ترفض مبدأ الهدنة الإنسانية من حيث المبدأ، وإنما تعترض على بعض البنود والإجراءات الواردة في المقترحات الدولية وأوضح أن الخرطوم قدمت ملاحظات وتعديلات على مسودة الاتفاق، تضمنت ترتيبات تتعلق بجدول زمني لانسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمرافق الحيوية، بما يضمن عدم استغلال الهدنة لإعادة التموضع العسكري أو تحقيق مكاسب ميدانية جديدة.
وتعكس هذه الرواية الرسمية محاولة لإظهار أن الخلاف لا يتعلق برفض الحلول السياسية وإنما بطبيعة الضمانات الأمنية المصاحبة لأي اتفاق. ومن ثم، تسعى الحكومة السودانية إلى تقديم نفسها باعتبارها طرفاً منفتحاً على التفاوض، شريطة أن يسبق ذلك تنفيذ إجراءات ميدانية تؤدي إلى تقليص القدرات العسكرية للطرف الآخر، وهو ما يمنحها أفضلية استراتيجية في أي مرحلة تفاوضية لاحقة.
وتتضح ملامح هذا التوجه بصورة أكبر في الخطاب السياسي والعسكري الصادر عن رئيس مجلس السيادة وقائد القوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن أي عملية تفاوضية يجب أن تسبقها إجراءات تتعلق بتفكيك قوات الدعم السريع وتسليم أسلحتها ومقارها للدولة ويعكس هذا الموقف رؤية تعتبر أن الأزمة الحالية ليست نزاعاً سياسياً بين أطراف متنافسة، وإنما مواجهة وجودية تستهدف الحفاظ على الدولة ومؤسساتها العسكرية، الأمر الذي يجعل تقديم تنازلات سياسية قبل تحقيق أهداف عسكرية أمراً غير مقبول من وجهة نظر القيادة العسكرية.
ويحمل هذا الخطاب عدة رسائل داخلية وخارجية. فعلى المستوى الداخلي، يسعى إلى تعزيز تماسك المؤسسة العسكرية ورفع الروح المعنوية للقوات النظامية، من خلال التأكيد أن العمليات العسكرية تحقق تقدماً ميدانياً، وأن خيار الحسم لا يزال ممكناً. أما على المستوى الخارجي، فيبعث برسالة إلى الوسطاء الدوليين مفادها أن أي مبادرة سياسية ينبغي أن تراعي الاعتبارات الأمنية للحكومة السودانية، وألا تؤدي إلى منح قوات الدعم السريع فرصة لإعادة تنظيم صفوفها أو اكتساب شرعية سياسية جديدة.
السيناريوهات المستقبلية للأزمة السودانية
تشير المؤشرات السياسية والعسكرية الراهنة إلى أن الأزمة السودانية دخلت مرحلة تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الدولية بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي يجعل مستقبل الصراع مرتبطاً بمجموعة من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية فمع استمرار العمليات العسكرية، وتزايد الضغوط الاقتصادية، واتساع نطاق الأزمة الإنسانية، أصبحت قدرة الأطراف المتحاربة على الاستمرار في النهج الحالي أكثر كلفة وتعقيداً من أي وقت مضى.
السيناريو الأول: استمرار الحرب والاستنزاف المتبادل: يقوم هذا السيناريو على استمرار المواجهات العسكرية دون قدرة أي من الطرفين على تحقيق حسم ميداني كامل، مع بقاء خطوط التماس متغيرة وفقاً لطبيعة العمليات العسكرية. ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير، في ظل تمسك كل طرف بشروطه السياسية والعسكرية، واستمرار حصولهما على أشكال متفاوتة من الدعم الخارجي.
وسيؤدي استمرار هذا الوضع إلى تعميق الأزمة الإنسانية، واتساع رقعة النزوح الداخلي واللجوء، وتدهور النشاط الاقتصادي، وانهيار المزيد من مؤسسات الدولة، بما يرفع احتمالات تحول السودان إلى بؤرة عدم استقرار مزمنة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
السيناريو الثاني: هدنة إنسانية تمهد لمسار سياسي: يفترض هذا السيناريو نجاح الضغوط الدولية والإقليمية في فرض هدنة مؤقتة تسمح بإيصال المساعدات الإنسانية ووقف العمليات العسكرية لفترة زمنية محددة، على أن تشكل هذه الهدنة مدخلاً لإطلاق مفاوضات سياسية أوسع.
السيناريو الثالث: تسوية سياسية شاملة برعاية دولية: يرتكز هذا السيناريو على نجاح الوساطات الدولية في جمع الأطراف السودانية ضمن عملية سياسية متكاملة تتناول قضايا وقف إطلاق النار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق مرحلة انتقالية جديدة. ويظل هذا السيناريو الأقل احتمالاً في المدى القريب، نظراً لعمق فجوة الثقة بين الأطراف، وتباين رؤيتها بشأن مستقبل السلطة والترتيبات الأمنية.
إلا أن استمرار الضغوط الدولية، وتزايد تكلفة الحرب، قد يدفع الأطراف تدريجياً إلى مراجعة مواقفها، خاصة إذا اقترنت الجهود السياسية بحوافز اقتصادية وإقليمية تضمن تنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
التأثيرات الإقليمية والدولية
لا تنفصل الأزمة السودانية عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بها، إذ يؤثر استمرار الصراع بصورة مباشرة في أمن البحر الأحمر، واستقرار دول القرن الإفريقي، وأمن الحدود مع دول الجوار، فضلاً عن انعكاساته على التجارة الدولية وممرات الملاحة والطاقة. ولذلك، أصبح السودان جزءاً من معادلة أمنية أوسع تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى والقوى الإقليمية، الأمر الذي يزيد من أهمية التوصل إلى تسوية سياسية تحول دون انتقال تداعيات الحرب إلى الإقليم بأسره.
وفي الوقت ذاته، تفرض الأزمة تحديات متزايدة على المنظمات الدولية، التي تواجه صعوبة في إيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين في ظل استمرار العمليات العسكرية. كما أن اتساع نطاق الدمار وتراجع مؤشرات التنمية يفرضان أعباءً إضافية على جهود إعادة الإعمار والاستقرار في مرحلة ما بعد النزاع.
خاتماً: تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة السودانية تجاوزت مرحلة الصراع الداخلي التقليدي، لتصبح قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية تتشابك فيها اعتبارات الأمن والاستقرار مع المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى. وقد أظهرت المواجهة الدبلوماسية داخل مجلس الأمن حجم التباين بين رؤية المجتمع الدولي، الذي يركز على وقف الحرب عبر الهدن الإنسانية والضغوط الاقتصادية، وبين الرؤية التي تتبناها القيادة السودانية، والتي تمنح الأولوية للحسم العسكري وتحقيق مكاسب ميدانية قبل الانخراط في أي عملية تفاوضية.
كما أبرزت الدراسة أن التحول في السياسة الأمريكية، المدعوم بتقارب نسبي في مواقف عدد من القوى الدولية، يعكس اتجاهاً متزايداً نحو استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لإجبار الأطراف المتحاربة على إعادة النظر في حساباتها. وفي المقابل، ما تزال القيادة السودانية ترى أن أي تسوية سياسية لا بد أن ترتبط بضمانات أمنية واضحة، بما يحافظ على مؤسسات الدولة ويمنع إعادة إنتاج الصراع في المستقبل.
المصدر: المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية
التاريخ : 29/6/2026
----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: ستيب نيوز
الكاتب : حمزة الشامي
التاريخ : 28/6/2026
