دور منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مواجهة التهديدات الهجينة بعد الحرب الباردة
فرع بنغازي

بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، وجد حلف شمال الأطلسي نفسه أمام مفترق طرق استراتيجي. فمع اختفاء التهديد الوجودي الذي مثله حلف وارسو، كان على الحلف إما أن يعلن اكتمال مهمته التاريخية، وإما أن يعيد تعريف نفسه لمواجهة تحديات جديدة. اختار الناتو المسار الثاني، فأطلق مبادرات شراكة مع دول الكتلة الشرقية السابقة، وتوسع شرقاً، وشارك في عمليات إدارة الأزمات خارج منطقة مسؤوليته التقليدية. لكن الأهم من ذلك كله، أن طبيعة التهديدات التي واجهها الناتو بدأت تتحول تحولاً جوهرياً. إلى جانب الإرهاب الدولي وانتشار أسلحة الدمار الشامل، برز مفهوم جديد عرّف نفسه بقوة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: "التهديدات الهجينة". هذه التهديدات، التي تشمل مزيجاً من العمليات السيبرانية، والحملات الإعلامية والدعائية، والتخريب، والضغط الاقتصادي، واستخدام الوكلاء والميليشيات، تمثل تحولاً جوهرياً في استراتيجيات الصراع، حيث لم يعد إعلان الحرب إجراء رسمياً يسبق إطلاق الرصاصة الأولى، بل أصبح وصفاً لاحقاً لحالة صراع متشعبة تبدأ في فضاءات خفية من الحيّز المعلوماتي والاقتصادي والنفسي.

في هذا السياق، تتبلور إشكالية البحث في سؤال رئيسي: *كيف يمكن لمنظمة حلف شمال الأطلسي أن تواجه التهديدات الهجينة بفعالية، بالنظر إلى طبيعتها غير التقليدية التي تختلف جذرياً عن الصراعات العسكرية التقليدية التي صُمم الحلف لمواجهتها أصلاً؟* يتفرع عن هذا السؤال تساؤلات فرعية تتعلق بالأدوات والاستراتيجيات التي طوّرها الناتو للمواجهة، ودرجة نجاحها، والتحديات التي لا تزال قائمة.

تفترض الدراسة أن نجاح الناتو في التصدي للتهديدات الهجينة لا يتوقف على القوة العسكرية التقليدية وحدها، بل على منظومة متكاملة تجمع بين الصمود المدني والعسكري (المرونة)، وقدرات الردع المبتكرة، والتنسيق الوثيق مع الاتحاد الأوروبي والشركاء الدوليين. كما تفترض أن الحرب في أوكرانيا تمثل مختبراً حقيقياً لتطوير استجابات الناتو في هذا المجال. يُقدّم البحث مساهمة أصيلة في الأدبيات العربية حول التهديدات الهجينة، مستنداً إلى مراجع حديثة ويقدم تحليلاً متكاملاً لدور الناتو في هذا المجال الحيوي.

المبحث الأول: التأصيل النظري للتهديدات الهجينة ومفهومها لدى الناتو

أولاً: تعريف التهديدات الهجينة ونشأتها

تمثل التهديدات الهجينة تحولاً جوهرياً في استراتيجيات الصراع المعاصر. وفقاً للتعريفات الأكاديمية والعسكرية، تتضمن الحرب الهجينة مزيجاً من العمليات السيبرانية، والهجمات الدعائية، والضغط الاقتصادي، والتهديدات النووية، واستخدام الوكلاء المحليين والميليشيات، بهدف إرباك الخصم واستنزافه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وتشمل التهديدات الهجينة عمليات التخريب تحت مياه البحار والمحيطات، وهو ما أثار مخاوف متزايدة لدى الدول الأعضاء في الناتو، لا سيما في منطقة بحر البلطيق.

ما يميز هذه التهديدات بشكل خاص، كما أشارت مديرة مركز الامتياز لمكافحة التهديدات الهجينة في هلسنكي تيجا تيليكاينين، هو أنها "تهدف إلى التلاعب بفضاء المعلومات وتنفيذ هجمات على البنى التحتية الحيوية"، وهو نوع غامض من التهديدات تجد الدول صعوبة بالغة في حماية أنفسها منه.

لقد تبنى الناتو مفهوم التهديدات الهجينة في قاموسه الاستراتيجي بداية من عام 2010، بقصد انتهاج استراتيجية فعالة تستجيب لطبيعة هذه التهديدات المعقدة. وقد تطور الفهم الناتوي لهذه الظاهرة تدريجياً، ليصبح اعتبار الحرب الهجينة أحد أخطر التحديات التي تواجه الحلف، إن لم تكن الأخطر. في تقرير نشره موقع "الجزيرة نت" في نوفمبر 2025، وصفت الحرب الهجينة بأنها "صراع متعدد الوجوه، لا يمكن حصره في معركة أو جبهة، ولا يقاس بحجم الدمار المادي فقط، بل بمدى اختراقها للعقول والمجتمعات". تتشكل ملامح هذه الحرب تحت غطاء الغموض وتعدد الأدوات، حرب بلا جبهات واضحة ولا إعلان رسمي، لكنها تترك بصماتها في الفضاء والبحر والإنترنت والأسواق المالية وحتى العقول.

ثانياً: تطور استراتيجية الناتو تجاه التهديدات الهجينة

لم تكن مواجهة التهديدات الهجينة حاضرة في العقدين الأولين من عمر الحلف بعد الحرب الباردة. بيد أن الأحداث المتسارعة في أوكرانيا منذ عام 2014، وما تبعها من تصعيد روسي في استخدام الأساليب الهجينة، شكلت حافزاً قوياً لتطوير أدوات واستراتيجيات ناتوية جديدة. فمنذ عام 2014، أشارت جميع إعلانات قمم الناتو إلى الإرهاب والحرب الهجينة باعتبارهما التهديدين الرئيسيين والأكثر إلحاحاً لأمن الحلف وأعضائه.

تبلورت هذه الاستراتيجيات بشكل مكثف بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. فقد أظهرت التجارب الميدانية أن الخصوم لم يعودوا يختارون "جيلاً واحداً" من الحروب في كل مرة، بل أصبحت ساحة المعركة الحديثة تتميز بالتزامن المتقاطع لجميع أجيال الحروب الخمسة معاً: من حشود الجنود والمدفعية المكثفة إلى عمليات المناورة، ومن استخدام المرتزقة إلى تشكيل الخطاب العام من خلال العمليات المعلوماتية. هذا الواقع الجديد أثبت أن نموذج الردع التقليدي في الناتو، المُحسَّن أصلاً لمواجهة العدوان العسكري المباشر لدولة ضد دولة، لم يعد كافياً لمواجهة هذه التحديات المركبة.

توج هذا التطور باعتماد المفهوم الاستراتيجي الجديد للناتو في قمة مدريد (يونيو 2022)، حيث اتهمت الوثيقة الصين بأنها "تضر بأمن الحلف باستهدافها الحلفاء من خلال العمليات الهجينة والسيبرانية الخبيثة، وخطابها التصادمي، وتضليلها". كما أشار المفهوم إلى روسيا باعتبارها تشكل التهديد الأكثر خطورة ومباشرة لأمن الحلفاء، مستخدمة ترسانة واسعة من الأدوات الهجينة.

المبحث الثاني: آليات واستراتيجيات الناتو في مواجهة التهديدات الهجينة

أولاً: تعزيز الصمود (Resilience) كركيزة دفاعية أساسية

لعلّ التحول الأكثر جوهرية في فكر الناتو تجاه التهديدات الهجينة هو إعادة تعريف مفهوم الصمود (Resilience) وجعله عنصراً محورياً في الردع الجماعي. فقدرة الحلف على الردع والدفاع، وإذا اقتضت الضرورة القتال والانتصار، لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على قدرة الحلف على امتصاص الصدمات، والتكيف تحت الضغط، والاستمرار في العمليات بمرور الوقت.

يُفهم الصمود على أنه مسؤولية وطنية والتزام جماعي في آن واحد. فقد اتفق الحلفاء على الاستثمار في قدرات مواجهة الهجمات الهجينة، وتعزيز الاستعداد المدني، وحماية البنى التحتية الحيوية، وتحسين تبادل المعلومات. والحلف يوضح موقفه بوضوح: الدفاع الجماعي ينطبق على طيف التهديدات بأكمله، بدءاً من الهجمات واسعة النطاق التي قد تستدعي تفعيل المادة الخامسة من ميثاق واشنطن، وصولاً إلى التهديدات الهجينة.

في هذا السياق، وضع الناتو متطلبات أساسية للصمود (Baseline Resilience Requirements) على الحلفاء في قطاعات استراتيجية، تعمل كمقاييس للتقييم الذاتي الوطني. تغطي هذه المتطلبات استمرارية الحكومة والخدمات الحكومية، وأنظمة الاتصالات والنقل، فضلاً عن مرونة السلع الحيوية مثل الطاقة والغذاء والمياه النظيفة. وقد تم تعزيز عمل الحلف في مجال الصمود بشكل أكبر من خلال إصلاحات مؤسسية وأهداف أكثر تحديداً وُضعت في عام 2023 للعمل الجماعي والوطني في مجال الصمود.

ثانياً: تطوير أدوات الردع الجماعية للفضاء الهجين

إلى جانب تعزيز الصمود، طوّر الناتو مجموعة من أدوات الردع لمواجهة التهديدات الهجينة. ربما كان أقوى هذه الأدوات هو التفسير والتواصل منذ عام 2016 بشأن استعداد الحلف لتفعيل الدفاع الجماعي (المادة الخامسة) رداً على عملية تهديد هجين. لهذه السياسة أهمية كبرى، فهي ترسل إشارة ردع واضحة للخصوم بأن الهجمات الهجينة الواسعة قد تُعتبر عملاً عدائياً يستدعي رداً عسكرياً جماعياً.

لضمان مصداقية هذا الردع، لم يحدد الحلف طبيعة أو حجم عملية التهديد الهجين التي ستكون خطيرة بما يكفي لاستدعاء تفعيل المادة الخامسة. يهدف هذا الغموض الاستراتيجي إلى زيادة حالة عدم اليقين لدى الخصم، ومنعه من حساب العتبات بدقة وتجنبها. وفي الوقت نفسه، طوّر الناتو آليات استجابة دون عتبة المادة الخامسة، تتمثل في "أنشطة اليقظة المعززة" (Enhanced Vigilance Activities – eVA)، وهي استجابات جماعية منسقة تتناسب مع حجم التهديد. على سبيل المثال، بعد قطع الكابلات في بحر البلطيق، أطلق قائد التحول الأعلى للحلف (SACEUR) عملية EVA "بحر البلطيق"، التي جمعت كل أصول الحلف من سفن وطائرات دورية بحرية لمراقبة المنطقة. وهذا يمثل مثالاً على كيفية تعاون جميع الدول الأعضاء في الحلف البالغ عددها 32 دولة للتعامل مع التهديدات الهجينة في المنطقة الرمادية.

ثالثاً: التعاون مع الاتحاد الأوروبي والمراكز المتخصصة

لا يمكن لأي حلف عسكري بمفرده مواجهة التهديدات الهجينة، وهذا ما أدركه الناتو مبكراً. يُعد التعاون مع الاتحاد الأوروبي في هذا المجال أداة سياسية مهمة لتعزيز الصمود ضد هذه التهديدات. فالتعاون والتمارين المشتركة التي تُجرى على مستويات عديدة تسهل استعداد كلا المنظمتين للتعامل مع بيئة التهديد الجديدة.

يجسد "مركز الامتياز لمكافحة التهديدات الهجينة" (Hybrid CoE) في هلسنكي أنموذجاً رائداً لهذا التعاون. تأسس المركز عام 2017 بمبادرة من الناتو والاتحاد الأوروبي، ويضم حالياً عداً متزايداً من الدول المشاركة. يضطلع المركز بدور حيوي في رفع الوعي بالتهديدات الهجينة، وتطوير قدرات الكشف المبكر والتصدي لها. وجود المركز في فنلندا تحديداً له دلالاته الاستراتيجية، إذ تشترك فنلندا بحدود تمتد 1300 كيلومتر مع روسيا، وكانت واقعة تحت تأثير التهديدات الهجينة الروسية لعقود قبل انضمامها إلى الناتو في أبريل 2023.

المبحث الثالث: التحديات والآفاق المستقبلية

أولاً: التحديات الرئيسية في مواجهة التهديدات الهجينة

رغم التقدم المحرز، يواجه الناتو تحديات هيكلية واستراتيجية كبيرة في مواجهة التهديدات الهجينة. يأتي على رأسها صعوبة الإسناد (Attribution). فوفق معلومات استخبارية غربية، تبقى روسيا والصين وإيران نشطة في التجسس والتنصت والهجمات السيبرانية. بيد أن التكتيكات الهجينة، بفضل طبيعتها الغامضة وغير الواضحة، تجعل من الصعب إثبات مسؤولية طرف معين بشكل قاطع. هذا الغموض يمنح الخصوم "قابلية الإنكار المعقولة"، ويعوق فرض عقوبات أو ردود فعل جماعية.

التحدي الثاني يتمثل في تباين مستويات الجاهزية بين الدول الأعضاء. فبينما حققت دول مثل إستونيا وبولندا طفرات نوعية في تحصين بنيتها التحتية وتعزيز صمود مجتمعاتها ضد الاختراقات المعلوماتية، لا تزال دول أخرى غير مستعدة بشكل كافٍ لمواجهة انقطاع الكهرباء أو المياه أو الهجمات البرمجية الكبيرة. كما حذرت خبيرة القانون الدولي جوانا سيكيرا من أن أوروبا لا تزال "بعيدة كل البعد عن الاستعداد" لمواجهة التهديدات غير العسكرية التي تستهدف البنى التحتية والمجتمع المدني.

أما التحدي الثالث والأكثر تعقيداً فهو الجمود في *آليات اتخاذ القرار*. كما أظهرت تمارين المحاكاة التي أجريت بالتعاون بين منظمتي StrategEast وCEPA في فبراير 2026، لا تزال هياكل صنع القرار في الحلف معرضة للغموض والتأخير في الإسناد والتردد السياسي. وبينما يمكن للخصوم العمل بقوة في المنطقة الرمادية مع إنكار معقول، يظل الناتو مقيداً بالعتبات القانونية، والعمليات القائمة على توافق الآراء، والنفور من المخاطرة.

ثانياً: نحو استراتيجية استباقية - الدروس المستفادة من أوكرانيا

الخلاصة الأكثر إلحاحاً من تجارب السنوات الأخيرة، وخاصة الحرب في أوكرانيا، هي أن مفهوم "وقت التحذير الطويل" لم يعد صالحاً. فالتهديدات الهجينة، والنشاط في المنطقة الرمادية، والعمليات السيبرانية، والتخريب السري، قد ألغت التمييز بين السلم والحرب. لم يعد بإمكان الناتو الاعتماد على سلالم تصعيد واضحة أو إشارات تعبئة واضحة قبل اندلاع الأزمة. الرد على ذلك، وفق تحليل استراتيجي جديد، يتطلب الانتقال من موقف ردود الفعل إلى موقف استباقي من الدفاع والردع، ومواءمة البصيرة الاستراتيجية مع قدرات التكيف الدفاعية. يجب أن يشمل هذا النهج الاستباقي الشامل: التوقع الاستراتيجي الاستباقي استناداً إلى الأنماط والسوابق التاريخية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير القدرة على الصمود في البنى التحتية، وتفعيل مبدأ الدفاع عن المجتمع بأكمله (whole-of-society defense).

تقدم أوكرانيا دروساً لا تقدر بثمن في هذا المجال. فخبرات كييف في الحرب الإلكترونية، والتدابير المضادة، والأنظمة الذاتية، والتكيف السريع مع طرق الدفاع الحديثة، تمثل دروساً عملية للناتو لم تُستثمر بالشكل الكافي بعد. إن دمج هذا الابتكار الدفاعي الأوكراني بشكل أعمق في تخطيط الحلف، وزيادة الاستثمار الجاد في صمود المنطقة الرمادية، وتطوير إرادة سياسية أكبر للعمل الحاسم في ظل عدم اليقين، كلها ضرورات ملحة لضمان فعالية الحلف في المستقبل.

ثالثاً: مستقبل الردع الناتوي في العصر الهجين

يستعد الناتو في السنوات القادمة لزيادة حدّة ردعه ضد التهديدات الهجينة. تشير إشارات المسؤولين الكبار إلى أن الحلف يدرس تبني موقف أكثر قوة وإيجابية تجاه الهجمات السيبرانية والتخريب وانتهاكات المجال الجوي. وقد ذهب رئيس اللجنة العسكرية للحلف، الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، إلى حد القول إنه يجري النظر في "ضربات استباقية" لردع هذه التهديدات.

تعكس هذه التطورات إدراكاً متزايداً بأن الناتو لم يعد في حالة سلم ولا حرب بالمعنى التقليدي. فكما صرّحت الأمينة البرلمانية العامة للحلف بينيديتا بيرتي في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026: "قد لا نكون في حالة حرب كحلف، ولكننا لسنا في سلام". هذا الواقع الجديد يفرض على الحلف تطوير قدرات جماعية للاستجابة بسرعة لتهديدات لا تنتظر عمليات اتخاذ قرار بطيئة.

الخاتمة والاستنتاجات

يؤكد البحث أن التهديدات الهجينة مثلت نقلة نوعية في طبيعة الصراع الذي يواجهه حلف شمال الأطلسي، وتطلبت من الحلف إعادة تعريف أدواته الاستراتيجية بطرق جوهرية. لقد أثبت الناتو قدرة ملحوظة على التكيف منذ نهاية الحرب الباردة، فطوّر من مفهوم الصمود، وأرسى متطلبات أساسية لمرونة الدول الأعضاء، وأعاد تفسير سياسة الردع الجماعي لتشمل الهجمات الهجينة، وعزز تعاونه مع الاتحاد الأوروبي والمراكز المتخصصة مثل مركز الامتياز في هلسنكي. كما طوّر آليات استجابة سريعة دون عتبة المادة الخامسة، ممثلة في أنشطة اليقظة المعززة، التي تم تفعيلها بالفعل في بحر البلطيق والجناح الشرقي والقطب الشمالي.

ومع هذه الإنجازات، لا تزال تحديات كبرى قائمة. فصعوبة الإسناد والتباين في مستوى تجهيز الدول الأعضاء والجمود في آليات اتخاذ القرار، كلها عوامل تمنح الخصوم ميزة في الفضاء الرمادي بين السلم والحرب. لذلك، تتجه استراتيجية الناتو المستقبلية إلى الانتقال من وضع ردود الفعل إلى الاستباقية الاستراتيجية، وتبني نموذج الردع المتكامل (Integrated Deterrence) الذي يجمع القوة التقليدية مع قدرات الفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي إلى درجة حرب الإدراك. وقد أثبتت الحرب في أوكرانيا أن أي تأخر في التكيف مع وتيرة الابتكار التكتيكي للخصوم قد يكون ثمناً غالياً. يبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل الحلف: هل يستطيع الناتو الحفاظ على تماسكه وسرعة تحركه في مواجهة خصوم يجيدون العمل في الظل ويتقنون فن تعمية التوقيت والمصادر؟ الإجابة تتوقف على مدى استعداد الحلف لتحويل دروس اليوم إلى عقائد عمل وغد.

المراجع:

وادي، عبدالحكيم سليمان. "التهديدات الهجينة: تحول جوهري في استراتيجيات الصراع". الحوار المتمدن. العدد، 1 مايو 2026.

جاسم محمد وفريق البحث (حازم سعيد، بسمه فايد، إكرام زياده). الأمن الدولي والحروب الهجينة. ألمانيا وهولندا: المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI)، 2023.

المقالات الأخيرة