تواجه القارة الافريقية مرحلة دقيقة من مسيرتها التنموية في
ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية وتراجع تدفقات التمويل
الدولي، الأمر الذي يفرض ضغوطًا متزايدة على الاقتصادات الوطنية ورغم هذه
التحديات، استطاعت العديد من الدول الافريقية الحفاظ على معدلات نمو إيجابية بفضل
تحسن أداء بعض القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الزراعة والتعدين والخدمات، إلى
جانب استمرار برامج الإصلاح الاقتصادي التي تبنتها الحكومات خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يكتسب تقرير "الآفاق الاقتصادية الافريقية
2026" الصادر عن البنك الافريقي للتنمية أهمية خاصة، إذ يقدم تقييمًا شاملًا
لأداء الاقتصاد الافريقي ويستعرض أبرز التحديات التي تواجه مسيرة التنمية، كما
يطرح مجموعة من السياسات والإصلاحات اللازمة لتعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق
التنمية المستدامة ويناقش التقرير كذلك تأثير التطورات الدولية، وخاصة التوترات
الجيوسياسية والحمائية التجارية، على مستقبل الاقتصادات الافريقية، مع التركيز على
أهمية تعبئة الموارد المحلية وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.
النمو الاقتصادي وآفاق الاقتصاد الافريقي
شهد الاقتصاد الافريقي خلال عام 2025 تحسنًا ملحوظًا مقارنة
بالعام السابق، حيث ارتفع متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى نحو
4.4% مقابل 3.5% في عام 2024، ليصبح الاقتصاد الافريقي ثاني أسرع الأقاليم نموًا
عالميًا بعد آسيا ويعكس هذا التحسن نجاح عدد من الدول في تنفيذ إصلاحات اقتصادية
ساهمت في تعزيز الاستقرار المالي وتحسين بيئة الاستثمار وزيادة الإنتاج الزراعي
والاستفادة من تحسن أسعار العديد من السلع الأساسية في الأسواق الدولية.
كما امتد النمو ليشمل غالبية الاقتصادات الافريقية، إذ سجلت
36 دولة معدلات نمو أعلى من العام السابق، وهو ما يعكس اتساع قاعدة التعافي الاقتصادي
وعدم اقتصاره على عدد محدود من الدول. وأسهمت قطاعات الزراعة والطاقة والتعدين
والخدمات في دعم هذا الأداء، بالتوازي مع تحسن مستويات الاستهلاك المحلي واستمرار
تنفيذ مشروعات البنية التحتية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يتوقع البنك الافريقي للتنمية
حدوث تباطؤ طفيف خلال عام 2026 ليصل معدل النمو إلى نحو 4.2% نتيجة استمرار حالة
عدم اليقين العالمي وتأثيرات الصراعات الإقليمية، قبل أن يعاود الاقتصاد الافريقي
التعافي خلال عام 2027 ويعود إلى مستوى 4.4% ويرتبط هذا السيناريو بقدرة الدول الافريقية
على احتواء التداعيات الاقتصادية للأزمات الدولية، والحفاظ على استقرار السياسات
النقدية والمالية، وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
ويشير التقرير إلى أن تحقيق معدلات نمو تتجاوز 7% سنويًا، وهي
النسبة اللازمة لتحقيق تحول اقتصادي حقيقي وخفض معدلات الفقر بصورة ملموسة، يتطلب
زيادة معدلات الاستثمار وتعبئة الموارد المحلية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، ورفع
إنتاجية القطاعات الاقتصادية المختلفة، بما يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.
المتغيرات الدولية على الاقتصاد الافريقي
رغم التحسن العام في مؤشرات النمو، فإن الأداء الاقتصادي داخل
أفريقيا لا يزال يتسم بتفاوت واضح بين الأقاليم والدول، نتيجة اختلاف مستويات
التنمية والبنية الاقتصادية ومدى التعرض للصدمات الخارجية.
ففي شرق أفريقيا ورغم استمرارها كأحد أكثر الأقاليم نموًا،
تأثرت الاقتصادات باضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، إلى
جانب تراجع تحويلات العاملين بالخارج، بينما واصلت إثيوبيا تسجيل معدلات نمو
مرتفعة مدعومة بالاستثمارات والإصلاحات الاقتصادية.
أما غرب أفريقيا، فقد حافظ على أداء مستقر نسبيًا بفضل قوة
القطاع الزراعي وتوسع الأنشطة اللوجستية وتحسن إنتاج بعض الموارد الطبيعية، مع
تسجيل دول مثل بنين والنيجر معدلات نمو جيدة، في حين استفادت نيجيريا من تحسن بعض
المؤشرات الاقتصادية مقارنة بالتوقعات السابقة.
وفي شمال أفريقيا، فرضت التوترات الإقليمية وضغوط الممرات
البحرية تحديات إضافية على حركة التجارة والسياحة، إلا أن بعض الاقتصادات أظهرت
قدرة على التكيف مدعومة بالإصلاحات الاقتصادية وتحسن أداء قطاعات الطاقة والصناعة،
بينما سجلت ليبيا أعلى معدلات النمو على المدى القصير نتيجة زيادة إنتاج النفط.
وفي المقابل، استفادت دول وسط أفريقيا من تحسن أسعار المعادن
وتوسع مشروعات البنية التحتية، في حين واجهت دول الجنوب الافريقي تحديات مرتبطة
بضعف البنية التحتية وأزمات الطاقة، الأمر الذي انعكس على معدلات النمو، رغم
توقعات بتحسن الأداء خلال السنوات المقبلة مع زيادة الإنفاق الرأسمالي.
كما يبرز التفاوت في توزيع الدخل باعتباره أحد أكبر التحديات
الهيكلية، حيث ما تزال مستويات عدم المساواة مرتفعة في العديد من الدول، وهو ما
يحد من قدرة النمو الاقتصادي على تحقيق تنمية شاملة وتحسين مستويات المعيشة بصورة
متوازنة.
آليات تعبئة التمويل التنموي الافريقي
يرى البنك الافريقي للتنمية أن تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة
يتطلب تبني حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، تبدأ بالحفاظ على
استقرار الاقتصاد الكلي، وتعزيز التنسيق بين السياسات النقدية والمالية، بما يضمن
احتواء معدلات التضخم والحد من التقلبات الاقتصادية.
ويؤكد التقرير أهمية تبني سياسات مالية تستهدف حماية الفئات
الأكثر تضررًا من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، من خلال برامج دعم موجهة وشبكات
حماية اجتماعية فعالة، بدلاً من الاعتماد على الدعم الشامل الذي يفرض أعباء كبيرة
على الموازنات العامة.
كما يشدد التقرير على ضرورة تعزيز الاحتياطيات من النقد
الأجنبي، والحد من الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي، بما يساهم في تحسين
استدامة الدين العام وتقوية قدرة الاقتصادات الافريقية على مواجهة الأزمات
الدولية.
وفي الإطار ذاته، يبرز تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي
باعتباره أحد أهم محركات النمو المستقبلي، خاصة من خلال الإسراع في تنفيذ منطقة
التجارة الحرة القارية الافريقية وتطوير البنية التحتية للنقل واللوجستيات، وتوحيد
الإجراءات الجمركية بما يعزز التجارة البينية ويخفض تكاليف الإنتاج ويزيد تنافسية
الصادرات الافريقية.
ويرى التقرير أن تعبئة الموارد المحلية تمثل ركيزة أساسية
لتمويل التنمية، من خلال تطوير أسواق المال المحلية، وتحسين كفاءة التحصيل
الضريبي، وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يقلل من الاعتماد على
التمويل الخارجي ويمنح الحكومات مساحة أكبر لتنفيذ خططها التنموية.
الاقتصاد الافريقي في ظل التحولات الدولية
ترتبط مستقبلات الاقتصاد الافريقي بقدرة الحكومات على التكيف
مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة، والتي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة
في حركة التجارة والاستثمار وأسواق الطاقة والغذاء.
ومن المتوقع أن تستمر حالة عدم اليقين العالمي في فرض تحديات
على الاقتصادات الافريقية خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا استمرت الصراعات
الإقليمية وتصاعدت السياسات الحمائية، بما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التمويل
واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الاستثمارات الأجنبية.
وفي المقابل، تمتلك أفريقيا فرصًا كبيرة لتعزيز مكانتها
الاقتصادية، في ظل امتلاكها موارد طبيعية ضخمة، وقاعدة سكانية شابة، واتساع
الأسواق الاستهلاكية، إضافة إلى التقدم المتواصل في مجالات الرقمنة والخدمات
المالية والتجارة الإلكترونية.
كما أن الاستثمار في البنية التحتية، وتنويع القاعدة
الإنتاجية، وتعزيز التصنيع المحلي، وتطوير سلاسل القيمة، يمكن أن يحول الاقتصادات الافريقية
من اقتصادات تعتمد على تصدير المواد الخام إلى اقتصادات أكثر تنوعًا وقدرة على
المنافسة العالمية.
وتظل تعبئة التمويل التنموي العامل الأكثر أهمية في تحقيق هذه
الأهداف، إذ تحتاج القارة إلى مضاعفة الاستثمارات العامة والخاصة، وتطوير أدوات
تمويل مبتكرة وجذب رؤوس الأموال المحلية والدولية، بما يسمح بتنفيذ مشروعات
التنمية الكبرى وتحقيق معدلات النمو المستهدفة بحلول عام 2030.
خاتماً: تكشف مؤشرات الآفاق الاقتصادية الافريقية لعام 2026
أن القارة تمتلك مقومات حقيقية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، إلا أن استمرار هذا
المسار يظل مرهونًا بقدرة الحكومات على التعامل مع التحديات الهيكلية والصدمات
الخارجية في آنٍ واحد. فرغم التحسن الملحوظ في معدلات النمو، لا تزال الاقتصادات الافريقية
تواجه تحديات تتعلق بضعف التمويل التنموي، والتفاوت في مستويات التنمية، وارتفاع
أعباء الديون، وتأثيرات الأزمات الجيوسياسية العالمية.
وفي المقابل، توفر الإصلاحات الاقتصادية، وتعميق التكامل
الإقليمي، وتوسيع قاعدة الاستثمار وتعبئة الموارد المحلية، فرصًا واعدة لتعزيز
النمو وتحقيق التنمية المستدامة ومن ثم، فإن نجاح أفريقيا في المرحلة المقبلة لن
يتوقف فقط على قدرتها على مواجهة الأزمات، وإنما على تحويلها إلى فرص لإعادة هيكلة
اقتصاداتها، وبناء نموذج تنموي أكثر مرونة واستدامة، يجعل من القارة أحد أهم
محركات النمو الاقتصادي العالمي خلال العقود المقبلة.
المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
الكاتب : ندى بهاء
التاريخ : 30/6/2026
----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: جريدة العربي الافريقي
الكاتب : روان محمود
التاريخ : 1/6/2026