التمويل الذاتي لعمليات السلام الأفريقية بين الطموح والواقع: آليات مبتكرة ومعيقات جيوسياسية
فرع بنغازي

مثلت عمليات دعم السلام التي يقودها الاتحاد الأفريقي لسنوات أداة أساسية في معالجة النزاعات المزمنة في القارة، إلا أنها ظلت تعاني من تبعية مالية مزمنة للمساعدات الخارجية أضعفت فعاليتها واستقلاليتها. في ظل تحولات جيوسياسية عميقة، أبرزها تراجع التزام القوى الغربية بتمويل عمليات حفظ السلام التقليدية وتحول أولوياتها نحو تحديات أخرى، تحولت فكرة التمويل الذاتي من طموح نظري إلى ضرورة عملية وجودية. 

على مدى العقود الثلاثة الماضية، لعبت عمليات دعم السلام (Peace Support Operations) التي ينظمها الاتحاد الأفريقي والجماعات الاقتصادية الإقليمية التابعة له دورًا محوريًا في احتواء النزاعات الدامية وإدارة الأزمات المزمنة التي تعصف بالقارة السمراء، بدءًا من بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم/ATMIS) في شرقها إلى عمليات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل بغربها وجمهورياتها. غير أن هذه العمليات واجهت منذ نشأتها أزمة هيكلية كامنة تجسدت في تمويلها الهش وغير المستقر، الذي جعلها تعتمد بشكل شبه كامل على دعم المانحين الخارجيين – وفي طليعتهم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الغربية المانحة. هذا الارتهان للمساعدات الخارجية لم يهدد استدامة العمليات الميدانية فحسب، بل أضعف الاستقلالية الاستراتيجية للقارة الأفريقية، وجعل أولويات الأمن والسلم الأفريقية خاضعة لتقلبات السياسات الخارجية للجهات المانحة.

في غضون السنوات الأخيرة، شهد النظام الدولي تحولات جيوسياسية عميقة فاقمت من حدة هذه الأزمة. فقد أظهرت إدارة ترامب الثانية نية واضحة للانسحاب من المؤسسات متعددة الأطراف، بما في ذلك خفض المساهمات في الأمم المتحدة وعمليات حفظ السلام بشكل كبير. في الوقت نفسه، أدى اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية إلى إعادة توجيه الإنفاق الدفاعي والمساعدات الأوروبية نحو تحدياتها الأمنية الخاصة، مما ترتب عليه تراجع ملحوظ في التمويل المخصص لعمليات دعم السلام في أفريقيا. في هذا السياق المضطرب، لم يعد أمام الاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء فيه سوى خيار واحد: تحويل التمويل الذاتي من طموح نظري إلى ضرورة عملية ووجودية.

أولاً: الإطار المؤسسي: صندوق السلام بين الإنشاء والإحياء

يمثل صندوق السلام التابع للاتحاد الأفريقي  جوهر ولبنة جهود القارة نحو تحقيق الاستقلال المالي في قضايا السلم والأمن. تأسس الصندوق في يونيو عام 1993، قبل عام من تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية التي سبقت الاتحاد، بوصفه إحدى الأدوات التشغيلية لتمويل أنشطة السلام والأمن. غير أن الصندوق ظل لعقود طويلة خاملًا وغير فاعل، بسبب غياب الإرادة السياسية الحقيقية ووضوح آليات التمويل، معبرًا عن حالة العجز المزمنة التي كانت سائدة في معالجة النزاعات الأفريقية بالاعتماد على الموارد الذاتية.

جاء التحول الجوهري في مسار الصندوق مع قرار مؤتمر الاتحاد الأفريقي في عام 2018 بإحيائه وتطويره الشامل، كجزء من حزمة الإصلاح المؤسسي الواسعة التي قادها الرئيس الرواندي بول كاغامه. تم إنشاء مجلس أمناء لصندوق السلام للإشراف المالي والإداري وضمان الحوكمة الرشيدة، مع تخصيص مقعدين للشركاء الدوليين (الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) إلى جانب الأعضاء الأفارقة. كما تم تحديد ثلاث نوافذ تمويلية رئيسية للصندوق: أنشطة الوساطة والدبلوماسية الوقائية، وبناء القدرات المؤسسية، وأخيرًا وليس آخرًا عمليات دعم السلام.

الهدف المالي الأولي للصندوق بعد إحيائه كان الوصول إلى مبلغ 400مليون دولار أمريكي من خلال مساهمات الدول الأعضاء (الطوعية والمقررة) وجذب التمويل الخارجي. وبحلول منتصف عام 2024، كانت جهود جمع التبرعات قد جمعت ما يقرب من 398 مليون دولار، كان 98% منها من الدول الأعضاء، مع مساهمة 34 دولة فقط من أصل 55بشكل فعلي. بلغ الصندوق هدفه البالغ 400مليون دولار أمريكي في يوليو 2024، وهو ما اعتُبر علامة فارقة في مسيرة التمويل الذاتي، حيث تجاوزته المساهمات لتصل إلى ما يقدر بنحو 610 ملايين دولار بعد تعهدات القطاع الخاص، مع ارتفاع مساهمات هذا الأخير إلى 36% من الإجمالي. ومع ذلك، سرعان ما كشفت الأحداث اللاحقة عن هشاشة هذا الإنجاز؛ فبحلول فبراير 2026، كان رصيد الصندوق قد انخفض إلى حوالي 400 مليون دولار بعد صرف 39 مليون دولار على أنشطة السلام في العامين ونصف السابقين. هذا الوضع يُظهر أن الصندوق لم يبلغ بعد مرحلة القدرة على تمويل العمليات الكبرى بشكل مستدام، بل لا يزال في طور بناء رأس المال والانتقال من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة التشغيل الفاعل.

ثانيًا: آليات مبتكرة للتمويل: إشراك القطاع الخاص والأفراد

إدراكًا من الاتحاد الأفريقي بأن الاعتماد على المساهمات الطوعية للدول الأعضاء وحدها لن يكون كافيًا لسد الفجوة التمويلية الهائلة، شرع في تطوير آليات تمويل مبتكرة تستهدف تنويع مصادر الدخل وجذب فاعلين جدد. كانت قمة أكرا التي عُقدت في يوليو 2024 نقطة تحول رئيسية في هذا المسار، حيث أُعلن عن "آليات مبتكرة لتمويل السلام" تهدف إلى استقطاب القطاع الخاص والأفراد والشتات الأفريقي.

قبل هذه القمة، كانت مساهمات القطاع الخاص ضئيلة للغاية، حيث لم تتجاوز 2% من إجمالي التمويل الذي تم تعبئته. غير أن الجهود اللاحقة أسفرت عن نتائج ملموسة، حيث ارتفعت مساهمات القطاع الخاص إلى 36% من الإجمالي. ومن أبرز هذه المساهمات: تعهد مجموعة المؤسسة الأفريقية لإعادة التأمين (Africa Re) بمليون دولار، وتعهد بنك التصدير والاستيراد الأفريقي (Afreximbank) بتقديم 210 ملايين دولار على مدى ثلاث سنوات شملت منحًا ومساعدة فنية ورأس مال أولي. كما انضمت كل من مجموعة ستاندرد بنك والخطوط الجوية الإثيوبية إلى قائمة المساهمين. تأكيدًا لهذا التوجه، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مايو 2026عن عقد مؤتمر دولي في باريس قبل نهاية العام لجمع أموال إضافية وتعبئة شركاء جدد من القطاعين العام والخاص لدعم صندوق السلام.

بالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء تسهيلات احتياطي الأزمات  لتوفير دعم مالي سريع لأنشطة الوقاية من النزاعات والإنذار المبكر، وهو ما يعكس توجهًا نحو تعزيز المرونة المالية للصندوق. وقد صرف الصندوق من خلال هذه الآلية 19 مليون دولار بين عامي 2023 و2024. هذه الآليات، رغم حداثتها النسبية، أظهرت قدرة واعدة على جذب موارد جديدة وتنويع قاعدة المانحين. غير أن نجاحها على المدى البعيد مرهون بقدرة الاتحاد على تطوير أنظمة حوكمة قوية تضمن الشفافية والمساءلة، وهو ما يعمل عليه مجلس أمناء الصندوق من خلال اجتماعاته الدورية التي تركز على تنويع الاستثمارات وتعزيز الحوكمة المالية.

ثالثًا: المعيقات الجيوسياسية – دراسة الحالة: بعثة الصومال (AUSSOM) وأزمة القرار 2719

على الرغم من التقدم الملحوظ في تطوير آليات التمويل الذاتي، فإن الطريق نحو تحقيق الاستقلال المالي الفعلي لعمليات السلام الأفريقية لا يزال محفوفًا بعقبات جيوسياسية معقدة. تتجلى هذه المعيقات بوضوح شديد في دراسة حالة بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الصومال (AUSSOM) ، التي خلفت بعثة ATMIS في يناير 2025لتولى مهام دعم القوات الصومالية في مكافحة حركة الشباب المتطرفة. 

من الناحية النظرية، كان من المفترض أن تمول البعثة الجديدة من خلال قرار مجلس الأمن 2719، الذي تبنى بالإجماع في ديسمبر 2023. هذا القرار أنشأ إطارًا يسمح بما يصل إلى 75% من تمويل عمليات دعم السلام التي يقودها الاتحاد الأفريقي بأن تأتي من مساهمات الأمم المتحدة المقررة (Assessed Contributions) على أساس كل حالة على حدة، على أن يتحمل الاتحاد النسبة المتبقية (25%) من موارده الذاتية. كان الاتحاد الأفريقي يأمل أن يكون تطبيق القرار على AUSSOM أول اختبار عملي حقيقي لهذه الآلية الهجينة.

لكن الواقع على الأرض كان مختلفًا تمامًا. بعد عامين على تبنيه، ظل القرار عالقًا في مأزق التنفيذ الحاد. تشير الأبحاث الميدانية إلى وجود ثلاثة عوائق رئيسية حالت دون تنفيذه: 

أولًا، العوائق السياسية الداخلية داخل مجلس الأمن، حيث رفضت الولايات المتحدة دعم طلب التمويل المقدم لمجلس الأمن في مايو 2025.

ثانيًا، أزمة السيولة الحادة التي تعاني منها الأمم المتحدة، والتي تسببت بها تأخر الدول الأعضاء في دفع مساهماتها المقررة بالكامل وفي الوقت المحدد، مما جعل الأمم المتحدة غير قادرة فعليًا على تحمل أعباء تمويل جديدة. 

ثالثًا، التأخير في تنفيذ خارطة الطريق المشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لتشغيل القرار. في ظل هذه العقبات، بقي القرار 2719 حبرًا على ورق، مما ترك AUSSOM في فجوة تمويلية حرجة.

النتيجة كانت كارثية على أرض الواقع: واجهت AUSSOMفي عام 2025 عجزًا تمويليًا يصل إلى 180 مليون دولار، متلقيةً فقط حوالي نصف التمويل المطلوب لتلك السنة، بينما عملت بعثة دعم الأمم المتحدة في الصومال (UNSOS) بدون ربع ميزانيتها. على الرغم من أن الاتحاد الأفريقي ضاعف مساهمته في صندوق السلام إلى 20مليون دولار، وأعلن الاتحاد الأوروبي ودول مثل بريطانيا (بتعهد 16,5مليون جنيه إسترليني)، وإيطاليا، واليابان، وكوريا، وإسبانيا عن تبرعات إضافية، إلا أن هذه المبالغ ظلت غير كافية لسد الفجوة. كما أن تمويل AUSSOM عانى من انخفاض المساهمات التقليدية من المانحين الغربيين. هذه الأزمة أظهرت بوضوح أن التمويل الذاتي الأفريقي لا يمكن أن يحل بأي حال من الأحوال محل الانسحاب المانح، بل يجب أن يُفهم كجزء من شراكة متكافئة. فكما أظهر تحليل معهد دراسات الأمن (ISS)، لو كان على الاتحاد الأفريقي تمويل اثنتين من بعثاته الكبرى (مثل AUSSOM وبعثة أخرى) بشكل كامل من صندوق السلام، لكان بحاجة إلى 375مليون دولار، أي ما يعادل 61,5% من ميزانية الصندوق بأكملها. هذه الحسابات البسيطة تُظهر عدم واقعية توقع تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في ظل الموارد الحالية، وتؤكد أن المستقبل القريب سيكون نموذجًا هجينًا يجمع بين التمويل الذاتي الأفريقي والمساهمات الدولية المتوقعة والمستدامة.

يمثل التمويل الذاتي لعمليات السلام الأفريقية مسارًا محفوفًا بالتحديات لكنه لا غنى عنه لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي للقارة وضمان سيادتها على أجندة السلام والأمن. لقد قطع الاتحاد الأفريقي شوطًا جادًا في تجاوز مرحلة الخطاب النظري إلى التطبيق العملي، من خلال إحياء صندوق السلام، وتطوير آليات تمويل مبتكرة أشركت القطاع الخاص والأفراد، وإرساء هياكل حوكمة أكثر صرامة. غير أن الطموحات الكبيرة التي يحملها هذا المشروع تصطدم بواقع جيوسياسي معقد ومتغير، تمثله أزمة بعثة الصومال (AUSSOM) ومأزق تنفيذ القرار 2719، وهو ما يثبت أن فكرة "الاكتفاء الذاتي الكامل" لا تزال، على الأقل في المدى المنظور، طموحًا بعيد المنال.

الاستنتاج الأكثر واقعية الذي يمكن استخلاصه هو أن مستقبل تمويل عمليات السلام الأفريقية لن يكون – ولا ينبغي له أن يكون – نمطًا ثنائيًا (إما تمويل خارجي بالكامل وإما ذاتي بالكامل)؛ بل سيتجه حتمًا نحو *نموذج هجين وشراكة متكافئة* تجمع بذكاء بين تعبئة الموارد الإقليمية الذاتية وبين المساهمات الدولية المستقرة والمتوقعة. هذا النموذج يفترض أن الاتحاد الأفريقي لا يمكنه ولا ينبغي له أن يحل محل الأمم المتحدة، لكنه يجب أن يصبح شريكًا حقيقيًا يتقاسم المسؤوليات والموارد على قدم المساواة.

بناءً على هذا التحليل، يمكن تقديم التوصيات التالية:

أولاً: تعزيز آليات المساءلة والشفافية في صندوق السلام، لتشجيع المزيد من المساهمات من القطاع الخاص والأفراد، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.

ثانيًا: متابعة تنفيذ القرار 2719 بشكل مكثف، مع استمرار الضغط الدبلوماسي الأفريقي لتجاوز العوائق السياسية في مجلس الأمن وأزمة السيولة المالية للأمم المتحدة، والعمل على تطوير خارطة طريق تنفيذية عملية.

ثالثًا: تنويع مصادر التمويل بشكل أكبر، من خلال إصدار سندات السلام الأفريقية، واستقطاب صناديق الثروة السيادية العربية والأفريقية، وإطلاق مبادرات تمويل جماعي (Crowdfunding) تستهدف الشتات الأفريقي.

رابعًا: بناء القدرات المؤسسية للاتحاد الأفريقي في مجالات التخطيط المالي الاستراتيجي وإدارة المخاطر والتفاوض المالي الدولي، لتكون المفوضية قادرة على إدارة هذه الأموال بشكل احترافي.

خامسًا: الانتقال التدريجي نحو نموذج هجين للتمويل يضمن للاتحاد الأفريقي استقلالية حقيقية في العمليات الصغرى والمتوسطة، مع الاحتفاظ بحق الوصول إلى التمويل الأممي للعمليات الكبرى التي تتجاوز قدراته المالية.

إن نجاح أفريقيا في تجاوز إكراهات التمويل التقليدي وبناء هذا النموذج الهجين سيكون بمثابة تحول جوهري ليس فقط في الأمن الأفريقي، بل في مفهوم السيادة والشراكة الدولية برمته.

 

المراجع 

- عبد الحي، وليد. (2024). الجيوسياسية الجديدة: صراع الهيمنة على سلاسل التوريد العالمية. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

- هلال، علي الدين. (2025). الاقتصاد الجيوسياسي وسلاسل التوريد: إعادة تشكيل النظام العالمي في عصر التنافس الكبير. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.