لم تكن منطقة الخليج العربي وأهم ممر مائي فيها، مضيق هرمز، بعيدة قط عن دائرة الاهتمام الأوروبي؛ فما يمر عبر المضيق الاستراتيجي من نحو خمس إمدادات النفط العالمية وحوالي ربع الغاز الطبيعي المسال جعل منه شرياناً لا غنى عنه للاقتصادات الأوروبية. غير أن الأزمة التي أعقبت الضربات الأمريكية–الصهيونية على إيران في 28 فبراير 2026وما تبعها من إعلان إيراني فعلي لإغلاق المضيق وضعت الملف الأوروبي أمام اختبار غير مسبوق: حماية هذه المصالح الحيوية أم احترام القانون الدولي وسيادة إيران؟
استجابة لهذا الاختبار، لم تتبن أوروبا خياراً واحداً، بل سلكت مسارات متعددة ومتعارضة في كثير من الأحيان. ففي حين عبَّرت مؤسسات الاتحاد الأوروبي عن “قلقها البالغ” واستنكارها لإغلاق المضيق، لجأت إلى تفعيل آلية عقوبات جديدة استهدفت أفراداً وكيانات إيرانية بتهمة عرقلة حرية الملاحة، وكان ذلك في 8يونيو 2026. وفي الوقت نفسه، احتفظت أوروبا بحضور عسكري محدود في المنطقة يتمثل في “عملية الوعي البحري” (EMASoH) التي أطلقت في يناير 2020، لكنها رفضت توسيع تفويض عمليتها البحرية “أسبيدس” (Aspides) ليشمل مضيق هرمز، مكتفية بترديد عبارة “هذه ليست حرب أوروبا” على لسان مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس.
هذا التباين بين الخطاب الاقتصادي الداعي إلى “استئناف فوري للملاحة”، والموقف العسكري المتردد، والإجراءات العقابية المحدودة، يشكل ما يمكن تسميته “التناقض الأوروبي” في تأمين الملاحة بهرمز. يهدف هذا البحث إلى تحليل هذا التناقض، وتحديد محدداته الرئيسية، واستكشاف انعكاساته على دور أوروبا كفاعل دولي في النظام العالمي متعدد الأقطاب.
التناقض بين أمن الطاقة وسيادة القانون
_ الأمن كضرورة وجودية في “الحالة الأوروبية”
كان يُنظر إلى أوروبا، وخاصة منذ انتهاء الحرب الباردة، على أنها “قوة مدنية” تفضل الدبلوماسية والحلول القانونية متعددة الأطراف على الاشتباك العسكري. غير أن أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، ثم أزمة مضيق هرمز عام 2026، كشفت عن بُعد آخر: أوروبا قوة اقتصادية هائلة، لكنها ظلت هشة من حيث أمن الطاقة. مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ بالنسبة لأوروبا، هو منشأة حيوية تتدفق من خلالها المواد الخام التي تقوم عليها صناعاتها، بل ومعيشة مواطنيها.
في هذا الإطار، لم يعد أمن الطاقة مجرد قضية اقتصادية، بل تحول إلى قضية سيادية وأمنية بامتياز. إن إغلاق المضيق لأكثر من ثلاثة عشر أسبوعاً، وما تبعه من خسائر في المعروض النفطي بلغت نحو 14 مليون برميل يومياً، ومن ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وزيادة فاتورة استيراد الوقود الأحفوري بمقدار 27 مليار يورو في 60 يوماً فقط، جعل من “إعادة فتح المضيق” أولوية وجودية لا تقبل المساومة.
_ سيادة القانون كمشروعية لا غنى عنها
في مقابل هذه الضرورة الاقتصادية، ثمة ضرورة سياسية وقانونية تتمثل في تمسك أوروبا بمبدأ “سيادة القانون” كركيزة لهويتها الدولية. فالاتحاد الأوروبي كيان قام على مبادئ ديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون، ويمتد هذا الالتزام إلى سياسته الخارجية. فالدعوة إلى “احترام القانون الدولي”، و”ضمان حرية الملاحة”، و”احترام حق المرور العابر”، كانت دائماً في صدارة الخطاب الأوروبي.
عند أزمة هرمز، يبدو هذا الالتزام معقداً بشكل خاص. فحين تعلن إيران إغلاق المضيق، وتفرض “نظام رسوم” يعتبره الأوروبيون انتهاكاً صارخاً للمادة 26 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإن الضغط للدفاع عن القانون الدولي وحق المرور العابر يصبح ضرورياً للحفاظ على “القوة الناعمة” لأوروبا وشرعيتها الدولية.
الوقائع والآليات
لفهم التناقض، لا بد من توثيق الأداة الأوروبية المركزية في هذا الملف: “عملية الوعي البحري الأوروبي في مضيق هرمز” (EMASoH). أُطلقت هذه العملية في 20 يناير 2020، بدفع فرنسي واضح، وبلغت ذروة عملياتها العسكرية (أجينور) في 25 فبراير 2020. شارك في العملية منذ البداية دول: بلجيكا، الدنمارك، فرنسا، ألمانيا، اليونان، إيطاليا، هولندا، النرويج، والبرتغال.
تتكون EMASoH من مسارين:
لكن من المهم ملاحظة أن العملية كانت متواضعة في نطاقها؛ فهي لم تشمل عمليات قتالية ولا مرافقة إلزامية، بل ركزت على “إظهار الوجود” و”مراقبة الحالة البحرية” و”مشاركة المعلومات” طواعية.
مما يزيد الموقف تعقيداً أن العملية الأحدث “أسبيدس”، التي أُطلقت في فبراير 2024 في البحر الأحمر، قد تولت “جميع مهام العملية السابقة” (EMASoH) التي توقفت نهاية عام 2025، لكنها لم تنشر أصولها في المضيق بسبب شح الموارد. ومع ذلك، فإن توسيع تفويض “أسبيدس” ليشمل هرمز يتطلب إجماع الدول الأعضاء الـ27، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
التناقض الاول - الرغبة في حماية الملاحة ورفض توسيع التفويض
_ أولوية ملحة” لكن “لا أحد يريد المشاركة في الحرب”
في اجتماع مارس 2026، وصف وزير خارجية الاتحاد الأوروبي السابق (المفترض أنها كالاس) استئناف التدفقات عبر المضيق بأنه “أولوية ملحة”. لكن في الوقت نفسه، نفى وجود أي “رغبة في تغيير التفويض”، وأصرت على أن “لا أحد يريد أن يشارك بشكل نشط في هذه الحرب”، مكررة أنه “ليس من مهمة أوروبا”.
كيف يمكن التوفيق بين هذه الأهمية القصوى المعلنة لأمن الطاقة، وبين هذا التردد المعلن في استخدام القوة لحماية هذه الممرات الحيوية؟ هذا هو جوهر التناقض الأول: اللجوء إلى المقاربة الدفاعية البسيطة (EMASoH) التي لا توفر الحماية الكافية في ظل وجود تهديدات عسكرية إيرانية مباشرة تشمل الألغام والزوارق السريعة والصواريخ.
_ الانقسام الأوروبي كعامل تفاقم
لم يكن هذا التردد مجرد موقف فردي من بروكسل، بل عكس انقساماً عميقاً بين الدول الأعضاء. ففي الوقت الذي كانت فيه البحرية الفرنسية مستعدة لتولي دور قيادي في أي مهمة توسعية، أعربت اليونان عن معارضتها الشديدة خوفاً من تعقيد المهمة, إذ لديها أسطول تجاري ضخم يمر عبر هرمز. أما ألمانيا فقد شككت في جدوى توسيع التفويض أصلاً، وهو ما عبرت عنه بوضوح في ردودها على الولايات المتحدة, كما انضمت إليها إسبانيا وإيطاليا في رفض الفكرة.
هذا الانقسام يجعل أوروبا عاجزة عن اتخاذ أي قرار حازم، ويحول تناقضها من مجرد ازدواجية في الخطاب إلى شلل فعلي في التنفيذ.
التناقض الثاني - التفكك بين العقوبات والوجود العسكري
من أبرز مظاهر التناقض الأوروبي أن رد الفعل الأوروبي على إغلاق المضيق لم يكن موحداً، بل تشكل من ثلاثة عناصر:
في 8 يونيو 2026، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على قيادة إقليم هرمزجان التابعة للحرس الثوري، وعلى شخصين إيرانيين، بتهمة تنفيذ “سياسات تقوّض حرية الملاحة” عبر نظام رسوم وتهديدات وهجمات. صرّحت كايا كالاس بأن هذا القرار يمثل “المرة الأولى التي يُفعل فيها نظام عقوبات جديد يهدف إلى حماية حرية الملاحة”، مهددة باستخدامه مجدداً إذا لزم الأمر.
وهنا يبرز التناقض الثاني: في وقت كانت فيه أوروبا ترفض إرسال سفن حربية إضافية للدفاع عن الملاحة، كانت تسارع إلى استخدام آليات اقتصادية وعقابية لتحقيق الهدف نفسه. هذا التناقض يعكس حالة من عدم اليقين الاستراتيجي: أوروبا تريد الرد، لكنها تخشى أن يكون الرد عسكرياً؛ فهي تلجأ إلى العقوبات كبديل، لكن العقوبات وحدها لا تكفي لفتح مضيق مقفل بالألغام والزوارق السريعة.
التناقض الثالث - الاعتراف بالقانون أم إعادة إنتاج التبعية؟
هناك تناقض ثالث، ربما هو الأكثر جوهرية، بين الخطاب القانوني الأوروبي الرسمي وبين ديناميكيات القوة الفعلية التي تركتها أحداث فبراير 2026.
من ناحية، تصر أوروبا على خطاب “سيادة القانون”؛ فهي تؤكد أن تدخلها في هرمز يستند إلى القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تحديداً، وتستنكر بشدة نظام الرسوم الإيراني. تدعم هذا الخطاب إجراءات عقابية من المفترض أن “تعزز القواعد”، لكنها تفتقد إلى آلية التنفيذ الفعلية.
من ناحية أخرى، كانت أوروبا عاجزة عن تحريك سفينة حربية واحدة لحماية مصالحها وقت الحاجة. فبدلاً من أن تكون هي القوة الضاربة، استمرت في انتظار انفراج دبلوماسي أو تدخل أمريكي–فرنسي–بريطاني أكبر. هذا العجز يجعل اعتراف أوروبا بالقانون الدولي يبدو انتقائياً؛ فهي تستحضره عندما يناسبها (لإدانة إيران)، لكنها تتجاهل أنه لا يمكن تطبيقه دون قوة.
انعكاسات التناقض الأوروبي
_ خسارة المصداقية كفاعل دولي
يُظهر التناقض الأوروبي بوضوح فجوة بين طموحات الاتحاد ليكون فاعلاً دولياً مستقلاً وحدة مواقفه العسكرية الميدانية. هذه الفجوة تضعف موقف الاتحاد في المفاوضات المستقبلية مع إيران، وتفقده الكثير من هيبته الدبلوماسية. فالاستمرار في ترديد “أولوية إعادة فتح المضيق” دون اتخاذ إجراءات حاسمة، ومعارضة تغيير تفويض “أسبيدس” في الوقت نفسه,جعل الموقف الأوروبي يبدو أكثر فأكثر متناقضاً وضعيفاً في نظر المراقبين.
_ تعزيز التبعية للولايات المتحدة
برفضها توسيع التفويض العسكري وعدم قدرتها على توفير الأمن بمفردها، تدفع أوروبا نفسها إلى موقف تابع للولايات المتحدة التي قادت تحالفاً فرنسياً–بريطانياً منفصلاً. هذا الموقف يزيد من الاعتماد الأوروبي على الحماية الأمريكية ويُضعف أوراق الضغط الأوروبية التفاوضية.
_ إعادة تعريف “الأمن” و”القانون”
ربما كان التناقض الأوروبي الأخطر هو أن تجربة هرمز أعادت تعريف ما يعنيه “أمن الطاقة” بالنسبة لأوروبا. لم يعد أمن الطاقة مجرد ضمان التدفقات؛ بل أصبح مشكلة حماية أوروبا لنفسها من صدمات العرض، وهو ما دفع المؤسسات الأوروبية وحكوماتها نحو الإسراع في التحول إلى الطاقة المتجددة والبحث عن بدائل إقليمية.
الخاتمة
لم يكن الموقف الأوروبي من أزمة مضيق هرمز تناقضاً عابراً أو مجرد فشل في التنسيق، بل كان كشفاً عن محددات هيكلية أعمق تحكم السياسة الخارجية الأوروبية. أظهرت الأزمة أن أوروبا لا تزال عالقة بين مصالحها الاقتصادية القارية وهويتها القانونية العالمية، وبين طموحاتهاالاستراتيجية وتبعيتها العملية. التناقض الذي يبدو في الظاهر مصدر ضعف، قد يكون – في تحليل آخر – انعكاساً لحقيقة موضوعية: النظام متعدد الأقطاب القادم، الذي تسعى أوروبا للعب دور محوري فيه، لن يقبل بحلول سهلة، بل سيفرض باستمرار موازنات مستحيلة بين الأمن والأخلاق، وبين الاقتصاد والقانون، وبين الاستقلالية والتبعية.
أثبتت تجربة EMASoH أن الوجود العسكري المحدود، غير المصحوب بإرادة سياسية كافية لرفع مستوى التهديد، يعجز عن حماية المصالح الأوروبية في حال نشوب صراع إقليمي كبير. عقوبات 8 يونيو 2026، وإن كانت الأولى من نوعها، لن تكون قادرة على فتح المضيق إذا لم يطرأ تغيير جوهريعلى المعادلة الميدانية. إذا كانت أوروبا جادة في لعب دور قيادي في الأمن العالمي، فعليها أن تجد إجابة مقنعة للتناقض الذي تعاني منه في هرمز. وإلا، فقد تظل دائماً في موقع المتفرج، حتى في القضايا التي تهدد أمنها الوجودي.
المراجع:
_ الجزيرة نت (2026، مارس 16). أوروبا تناقش تداعيات إغلاق هرمز وتبحث فرض عقوبات جديدة على إيران. (يُستخدم كمصدر لفهم المناقشات الأوروبية الداخلية والجهود المبذولة لفرض عقوبات على إيران).
_ يورونيوز (2026، مارس 16). أوروبا ترفض توسيع مهمة "أسبيدس" إلى مضيق هرمز.. كالاس: لا أحد يريد الانخراط في الحرب. (يُستخدم كمصدر للتحليل الأوروبي الرسمي ولتفسيرات مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس).
