يُعد الأمن المائي أحد الركائز الأساسية للتنمية المستدامة والأمن القومي في أي دولة. وفي ليبيا، التي تُصنف من بين أكثر دول العالم جفافًا، تكتسب قضية المياه أهمية وجودية تفوق أي قطاع آخر. فليبيا دولة صحراوية في معظمها، تفتقر إلى الأنهار الدائمة، وتعتمد بشكل شبه كامل على المياه الجوفية الأحفورية غير المتجددة، التي تشكل أكثر من 90% من إمداداتها المائية. ومع أن حصة الفرد من المياه المتجددة لا تتجاوز 120 مترًا مكعبًا سنويًا، أي أقل بثمانية أضعاف من خط الفقر المائي المعتمد دوليًا (1000 متر مكعب للفرد سنويًا)، فإن واقع ندرة المياه في ليبيا يعد من أخطر التحديات الوجودية التي تهدد حاضرها التنموي ومستقبل أجيالها.
لم تكن أزمة المياه في ليبيا وليدة اليوم، بل تعود جذورها إلى عقود من الإفراط في استخراج المياه الجوفية، وضعف التخطيط الاستراتيجي، وإهمال البنية التحتية، فضلاً عن تداعيات عدم الاستقرار السياسي التي ألحقت أضرارًا بالغة بقطاع المياه. ومع تفاقم تأثيرات تغير المناخ، وارتفاع معدلات النمو السكاني، وتزايد الطلب على المياه للأغراض الزراعية والصناعية والمنزلية، باتت الحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة للأمن المائي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
في هذا الإطار، تأتي الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي في ليبيا (2025-2050) كاستجابة طموحة لهذه التحديات. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تقييم موضوعي للتحديات التي تواجه تنفيذ هذه الاستراتيجية، واستعراض آليات تحقيق الاستدامة المائية في ليبيا، مع الاستناد إلى مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية كإطار نظري وتطبيقي.
ثانيًا: الإطار النظري: مفهوم الأمن المائي والإدارة المتكاملة للموارد المائية
يُعرَّف الأمن المائي بأنه قدرة المجتمع على ضمان الوصول المستدام إلى كميات كافية من المياه ذات النوعية الجيدة لتلبية احتياجات الإنسان والأنشطة الاقتصادية وحماية النظم البيئية، مع القدرة على مواجهة حالات الجفاف والطوارئ. ويتجاوز هذا المفهوم مجرد توفير المياه ليشمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية وبيئية وسياسية.
أما الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM) فتمثل الإطار المنهجي الأكثر قبولاً دوليًا لتحقيق الأمن المائي. تقوم هذه الإدارة على التخطيط والإدارة المتوازنة للمياه والأراضي والموارد ذات الصلة، بطريقة تراعي العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وتستند الإدارة المتكاملة إلى ثلاثة مبادئ أساسية: الكفاءة الاقتصادية في استخدام المياه، والعدالة الاجتماعية في توزيعها، والاستدامة البيئية للموارد المائية.
تشير الدراسات إلى أن تطبيق مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية يمكن أن يعزز الكفاءة، ويقلل الهدر والتلوث، ويعزز مرونة أنظمة المياه في مواجهة التغير المناخي. وتتطلب معالجة ندرة المياه تبني ممارسات مستدامة مثل جمع مياه الأمطار، ومعالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، وتحلية مياه البحر، وتعزيز التقنيات الموفرة للمياه. وهذه المبادئ نفسها تشكل جوهر الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي في ليبيا.
ثالثًا: التحديات الرئيسية التي تواجه الأمن المائي في ليبيا
1. ندرة الموارد المائية والاعتماد المفرط على المياه الجوفية غير المتجددة
تمثل ندرة الموارد المائية التحدي الأكثر جوهرية الذي تواجهه ليبيا. فمع معدلات هطول أمطار سنوية تقل عن 7.5 ملم في مناطق واسعة من البلاد، ومعدلات تبخر تتجاوز 3000 ملم، فإن الموارد المائية المتجددة تكاد تكون معدومة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 90% من مساحة ليبيا لا تتلقى أكثر من 100 ملم من الأمطار سنويًا.
في ظل هذه الظروف، اضطرت ليبيا إلى الاعتماد على المياه الجوفية الأحفورية، وهي موارد غير متجددة تشكلت منذ آلاف السنين. وتعتمد البلاد على هذه الموارد بنسبة تتراوح بين 90% و97% من إمداداتها المائية. وقد أدى هذا الاعتماد المفرط إلى استنزاف الأحواض المائية الجوفية، وتدهور نوعية المياه، وتزايد ظاهرة تسرب مياه البحر إلى الخزانات الجوفية الساحلية. ويتوقع أن يصل العجز المائي في ليبيا إلى 4.200 مليون متر مكعب بحلول عام 2025.
2. تدهور البنية التحتية وفقدان المياه
تعاني شبكات إمدادات المياه في ليبيا من القدم والإهمال، مما يتسبب في خسائر فادحة في الكميات المنقولة. تشير التقديرات إلى أن شبكات الإمداد المتهالكة تفقد ما يصل إلى 30% من المياه قبل وصولها إلى المستهلكين. وفي القطاع الزراعي، الذي يستهلك نحو 85%من المياه المتاحة، تفقد أنظمة الري التقليدية أكثر من نصف الكميات قبل وصولها إلى جذور النباتات.
وقد تفاقمت هذه المشكلة بسبب عدم الاستقرار السياسي الذي ألحق أضرارًا بالبنية التحتية الحيوية، وأضعف قدرة المؤسسات المائية على الصيانة والتطوير. كما أن ضعف شبكات الصرف الصحي وانتشار الخزانات الأرضية رديئة التصميم يزيدان من مخاطر تلويث المياه الجوفية، خصوصًا في المناطق غير المخدومة.
3. تغير المناخ وتداعياته
يمثل تغير المناخ عاملاً مضاعفًا لأزمة المياه في ليبيا. تشهد البلاد انخفاضًا متواصلًا في معدلات الأمطار وارتفاعًا في معدلات التبخر، إضافة إلى تكرار الظواهر المناخية الحادة مثل فيضانات درنة وموجات الجفاف في فزان. ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة النتح التبخري، مما يزيد الضغط على الموارد المائية المحدودة. كما تشهد ليبيا بالفعل تأثيرات التغير المناخي المتمثلة في التصحر، وارتفاع منسوب سطح البحر، والأنماط المناخية غير المنتظمة، ومن المتوقع أن تزداد حدتها مستقبلاً.
4. الضعف المؤسسي والتشريعي
يعاني قطاع المياه في ليبيا من ضعف الإطار المؤسسي والتشريعي المنظم. فتداخل الاختصاصات بين المؤسسات المختلفة، وغياب هيئة تنظيمية مستقلة لقطاع المياه، وعدم وجود تشريعات رادعة لحفر الآبار العشوائية، كلها عوامل تعيق الإدارة الرشيدة للموارد المائية. كما أن غياب سياسات تسعيرية عادلة للمياه يشجع على الإسراف في الاستهلاك، ويحرم القطاع من الموارد المالية اللازمة للاستثمار والصيانة.
5. النمو السكاني وتزايد الطلب
يشكل النمو السكاني المتسارع، إلى جانب تزايد الهجرة والتوسع العمراني، ضغطًا متزايدًا على الموارد المائية المحدودة. ومع تزايد عدد السكان الذي يقترب من 7.4 ملايين نسمة، يتضاعف الطلب على المياه للأغراض المنزلية والصناعية والزراعية، في وقت تتناقص فيه الموارد المتاحة.
رابعًا: الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي في ليبيا (2025-2050): الأهداف والركائز
في مواجهة هذه التحديات، اعتمدت ليبيا في أبريل 2026الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي للفترة 2025-2050، التي تم تطويرها بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وحكومة إيطاليا. وتُمثل هذه الاستراتيجية نقلة نوعية في نهج البلاد تجاه إدارة الموارد المائية، حيث تنتقل من "تلبية الطلب بأي ثمن" إلى "تلبية الطلب بكفاءة".
الأهداف الشاملة للاستراتيجية
تشمل الأهداف الشاملة للاستراتيجية ما يلي:
- تقليل الطلب العام على المياه.
- مراقبة الاستغلال والاستهلاك للمياه وتعزيز إنتاجيتها.
- زيادة مساهمة تحلية المياه في مزيج الموارد المائية.
- توسيع إعادة استخدام المياه المعالجة.
- زيادة سعة مخزونات المياه وحصاد مياه الأمطار.
- تحسين الإطار التنظيمي والتشريعي والمؤسسي المنظم لقطاع المياه.
- خفض الفاقد المائي في شبكات التوزيع إلى أقل من 25%.
الركائز الأساسية
ترتكز الاستراتيجية على خمس ركائز أساسية تهدف إلى إصلاح شامل لنهج إدارة المياه في ليبيا، وتتضمن أربعة محاور تنفيذية رئيسية:
أولاً: إعادة هيكلة مصادر المياه، من خلال رفع مساهمة تحلية المياه إلى 30%، وتعزيز إعادة استخدام المياه المعالجة، وتنويع مزيج الموارد المائية.
ثانيًا: إصلاح التشوه المالي، من خلال مراجعة تعريفة المياه بما يعكس التكلفة الحقيقية، وجذب استثمارات القطاع الخاص في قطاع المياه.
ثالثًا: تعزيز الإطار المؤسسي، عبر إصدار قانون يجرّم حفر الآبار العشوائية، وإنشاء هيئة تنظيمية مستقلة لقطاع المياه.
رابعًا: التحول التكنولوجي، من خلال تبني الزراعة الذكية، وإنشاء مركز وطني لبحوث المياه، وتوظيف التقنيات الحديثة في إدارة الموارد المائية.
وتضع الاستراتيجية أهدافًا كمية طموحة، منها خفض استهلاك المياه في المناطق الحضرية إلى أقل من 150 لترًا للفرد يوميًا، ورفع مساهمة الموارد المتجددة إلى 75%، وتشغيل البنية التحتية بنسبة 80% من طاقتها التصميمية.
خامسًا: آليات تحقيق الاستدامة المائية في ليبيا
انطلاقًا من تقييم التحديات واستعراض ملامح الاستراتيجية الوطنية، يمكن تحديد عدد من الآليات الأساسية لتحقيق الاستدامة المائية في ليبيا:
1. تنويع مصادر المياه
يعد تنويع مصادر المياه ركيزة أساسية لتحقيق الأمن المائي. يتطلب ذلك:
- التوسع في تحلية مياه البحر: مع امتداد ساحلي يزيد عن 1900 كيلومتر على البحر المتوسط، تمتلك ليبيا إمكانات هائلة لتطوير محطات تحلية المياه. وتستهدف الاستراتيجية رفع مساهمة التحلية إلى 30% من مزيج الموارد المائية.
- توسيع إعادة استخدام المياه المعالجة: يمكن الاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة في الأغراض الزراعية والصناعية، مما يخفف الضغط على الموارد الجوفية.
- حصاد مياه الأمطار: على الرغم من شح الأمطار، يمكن تطوير أنظمة لحصاد مياه الأمطار في المناطق التي تشهد هطولات موسمية، لتغذية الخزانات الجوفية وتوفير مياه للري.
2. ترشيد الاستهلاك ورفع الكفاءة
يتطلب تحقيق الاستدامة المائية تغييرًا جذريًا في أنماط الاستهلاك:
- نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك عبر برامج التوعية والإرشاد التي تستهدف جميع فئات المجتمع.
- تحديث أنظمة الري في القطاع الزراعي، الذي يستهلك النصيب الأكبر من المياه، من خلال التحول إلى نظم الري بالتنقيط والري الذكي.
- إصلاح شبكات التوزيع للحد من الفاقد المائي، مع استهداف خفض الفاقد إلى أقل من 25%.
3. تعزيز الإطار المؤسسي والحوكمة
لا يمكن تحقيق الاستدامة المائية دون إطار مؤسسي قوي:
- إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة لقطاع المياه تتولى وضع السياسات ومراقبة التنفيذ وضمان العدالة في التوزيع.
- إصدار تشريعات رادعة تمنع حفر الآبار العشوائية وتنظم استخراج المياه الجوفية.
- مراجعة سياسات التسعير لتشجيع الترشيد وتوفير الموارد المالية للاستثمار في القطاع.
4. تبني نهج الترابط بين المياه والطاقة والغذاء
تشير الدراسات إلى أهمية اعتماد مفهوم الترابط المائي–الطاقي–الغذائي لضمان تنسيق سياسات القطاعات المختلفة. فإنتاج المياه المحلاة يتطلب طاقة، والزراعة تحتاج إلى مياه وطاقة، وهكذا. لذا فإن التخطيط المتكامل بين هذه القطاعات يمكن أن يحقق كفاءات أكبر ويجنب التناقضات في السياسات.
5. الاستثمار في البحث العلمي والابتكار
يمثل البحث العلمي ركيزة أساسية لمواجهة تحديات المياه:
- إنشاء مركز وطني لبحوث المياه يضم خبرات وطنية ودولية.
- توظيف التقنيات الحديثة مثل الاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء في مراقبة الموارد المائية وإدارتها.
- تعزيز التعاون الأكاديمي مع الجامعات ومراكز البحوث الإقليمية والدولية.
6. التعاون الإقليمي والدولي
تتطلب إدارة الموارد المائية في ليبيا، وخصوصًا الأحواض الجوفية العابرة للحدود مثل الحوض النوبي، تعاونًا إقليميًا وثيقًا. كما أن الشراكات الدولية، مثل تلك التي تمت مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وحكومة إيطاليا في تطوير الاستراتيجية، تشكل نموذجًا للتعاون المثمر في هذا المجال.
سادسًا: الخاتمة والتوصيات
تمثل الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي في ليبيا (2025-2050) خطوة تاريخية نحو معالجة واحدة من أخطر التحديات الوجودية التي تواجه البلاد. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على أكثر من مجرد اعتمادها رسميًا؛ فهو يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتظافر جهود جميع المؤسسات والفاعلين، واستدامة التمويل، ومشاركة مجتمعية فاعلة.
بناءً على التحليل السابق، يمكن تقديم التوصيات التالية:
1. الإسراع في تفعيل الركائز التنفيذية للاستراتيجية، مع وضع خطط عمل مرحلية محددة الزمن وقابلة للقياس.
2. تخصيص ميزانيات كافية لقطاع المياه، مع تشجيع الاستثمار الخاص والشراكات مع القطاع الخاص.
3. تعزيز القدرات المؤسسية للجهات المعنية بالمياه على المستويين المركزي والمحلي.
4. إطلاق حملات توعية وطنية شاملة لترسيخ ثقافة ترشيد استهلاك المياه.
5. تطوير نظام معلومات مائي وطني متكامل يتيح رصد الموارد المائية واستهلاكها في الوقت الفعلي.
6. تعزيز التعاون الإقليمي في إدارة الأحواض الجوفية المشتركة، خصوصًا مع دول الجوار في حوض النوبة.
7. الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا، وتوطين التقنيات الحديثة في مجال إدارة المياه وتحليتها ومعالجتها.
إن الأمن المائي في ليبيا ليس مجرد مسألة خدمية، بل هو مسألة سيادية تتعلق بالأمن القومي ومستقبل الأجيال القادمة. ومع التزام الحكومة والشركاء الدوليين والمجتمع المدني، يمكن تحويل التحديات المائية إلى فرص للتنمية المستدامة والازدهار.
المراجع:
المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي. (2025). الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي في ليبيا 2025-2050. طرابلس: إدارة التنمية المجتمعية.
البرغوثي، ميلاد محمد عمر. (2026). "الأمن المائي الليبي (الأسس والتحديات ووسائل التحقيق)". مجلة جامعة سرت العلمية.
