في السياسة، كما في التاريخ، ليست كل المبادرات سواء؛ فبعضها يظهر لمعالجة أزمة عابرة ثم ينتهي بانتهائها، بينما تولد مبادرات أخرى في لحظات التحول فتتجاوز دلالاتها حدود النص والتوقيت والمكان ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المبادرة التي طرحها الرئيس الصيني شي جينبينج خلال محادثاته في القاهرة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، بشأن بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط.
وتكتسب المبادرة أهمية خاصة لأنها تأتي في بيئة إقليمية تتسم بتعدد الأزمات وتداخل مصادر التهديد، من الصراعات المسلحة والتوترات الإقليمية إلى أمن الممرات البحرية والملف النووي وانتشار الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما أنها تعكس محاولة صينية للانتقال من دور اقتصادي وتجاري واسع في المنطقة إلى دور أكثر حضورًا في قضايا الأمن والاستقرار.
وتقوم المبادرة على مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، بما يفتح نقاشًا حول طبيعة النظام الأمني الذي تحتاجه المنطقة، ومن يتحمل مسؤولية بنائه، وما إذا كان الأمن يمكن أن يتحول من مظلة تقدمها قوة خارجية إلى هيكل تشارك دول المنطقة في صياغته وإدارته. ومن هنا يطرح التقرير تساؤلًا رئيسيًا حول مدى قدرة المبادرة الصينية على تقديم إطار واقعي للأمن الإقليمي، وما إذا كانت بكين تسعى إلى أن تصبح ضامنًا لأمن الشرق الأوسط أم إلى تشجيع دول المنطقة على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.
إعادة تعريف الأمن
تستند المبادرة الصينية إلى مفهوم «الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام»، وتدعو إلى إطلاق المحرك الداخلي للمنطقة، ومعالجة أزماتها بصورة متكاملة، وترسيخ التنمية باعتبارها أساسًا للاستقرار، وتعزيز التنسيق الدولي وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. ورغم أن هذه المبادئ تبدو في ظاهرها دعوة إلى الحوار، فإن دلالتها الأعمق تتعلق بإعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه: من يصنعه؟ وبأي أدوات؟ ولحساب من؟
فقد اعتادت دول الشرق الأوسط، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الاعتماد بدرجات متفاوتة على مظلات أمنية خارجية. ومع صعود الولايات المتحدة أصبحت ترتيبات الأمن الإقليمي مرتبطة بالقواعد العسكرية والتحالفات الدفاعية والانتشار البحري والجوي والردع والعقوبات. وقد أسهمت هذه المظلة في حماية مصالح وحلفاء، لكنها لم تتمكن من منع جميع الحروب والأزمات، كما لم تؤدِ وحدها إلى تسويات نهائية للقضايا الكبرى في المنطقة.
وتقدم الصين مقاربة مختلفة نسبيًا؛ فهي تربط الاستقرار بالتنمية، وتولي شبكة المصالح والعلاقات الاقتصادية أهمية كبيرة، وتحاول الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعارضة. فهي شريك مهم لدول الخليج، وفي الوقت نفسه تربطها علاقات مع إيران، كما تؤكد دعم الحقوق الفلسطينية مع استمرار علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل. وقد ساعد هذا النهج بكين على لعب دور الوسيط في استئناف العلاقات السعودية–الإيرانية عام 2023.
ولا يعني ذلك أن الصين تقدم نموذجًا منفصلًا تمامًا عن موازين القوة، وإنما تحاول توسيع مفهوم الأمن ليشمل التنمية والحوار والتعاون، بدلًا من حصره في الردع العسكري. ومن ثم، فإن المبادرة تمثل محاولة لإعادة صياغة قواعد إدارة الأمن الإقليمي أكثر من كونها مجرد مقترح جديد لإدارة أزمة محددة.
امتحان الحياد الصيني
رغم أن قدرة الصين على التواصل مع أطراف متعارضة تمنحها ميزة دبلوماسية مهمة، فإن هذه الميزة تضعها في الوقت ذاته أمام اختبار صعب. فسياسة الصداقة مع الجميع تكون أكثر فاعلية عندما تظل الأطراف مستعدة للحوار، لكن اندلاع مواجهة عسكرية أو تهديد للممرات البحرية قد يفرض على بكين اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا.
وهنا يظهر الفرق بين الوسيط والضامن. فالوسيط يستطيع تقريب وجهات النظر وتشجيع التفاوض، أما الضامن فيحتاج إلى امتلاك أدوات تمكنه من حماية الترتيبات التي يدافع عنها، بما في ذلك النفوذ السياسي والاقتصادي وربما القدرة على فرض تكلفة على من يهدد الاستقرار. لذلك فإن نجاح المبادرة الصينية لا يتوقف على صياغة المبادئ، وإنما على استعداد بكين لتحويل نفوذها الاقتصادي والسياسي إلى آليات عملية.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ افتراض أن الصين تريد استبدال الوجود الأمريكي بوجود صيني مماثل. فمن غير المرجح أن يكون هدفها إنشاء نسخة صينية من المظلة الأمنية الأمريكية، أو نشر قوات وقواعد بالصيغة نفسها. والأقرب أن تسعى إلى بناء نظام أكثر تعددية، تتقاسم فيه دول المنطقة مسؤولية الأمن، وتحصل فيه المبادرات الإقليمية على دعم دولي بدلًا من اعتمادها الكامل على قوة خارجية واحدة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين «المظلة الأمنية» و«الهيكل الأمني». فالمظلة تحمي من يقف تحتها، لكنها تظل مرتبطة بالقوة التي تحملها. أما الهيكل فيفترض وجود قواعد ومؤسسات ومسؤوليات مشتركة. وبناءً على ذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمبادرة سيكون في قدرتها على الانتقال من المبادئ العامة إلى آليات دائمة للحوار ومنع الأزمات وإدارة النزاعات.
الملكية الإقليمية للأمن
إن الحديث عن «الملكية الإقليمية للأمن» يمثل أحد أهم عناصر المبادرة الصينية، لكنه لن يكتسب قيمة عملية إلا إذا امتلكت دول الشرق الأوسط الإرادة السياسية لتحويله إلى مؤسسات وترتيبات قابلة للتنفيذ فالأزمات الإقليمية ليست كلها نتيجة تدخلات خارجية؛ إذ توجد خلافات بين دول المنطقة بشأن تعريف مصادر الخطر، وتباينات في الأولويات، وأزمات ثقة، وحروب بالوكالة، واستخدام متكرر للتحالفات الخارجية في إدارة الصراعات.
ومن ثم، فإن بناء نظام أمني مستدام يتطلب إنشاء منتدى دائم للأمن الإقليمي، وآليات للإنذار المبكر ومنع الاشتباك، وترتيبات لحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وإجراءات لبناء الثقة والشفافية العسكرية، فضلًا عن قواعد واضحة للعضوية والتمويل واتخاذ القرار. وقد يكون من الأفضل البدء بالقضايا التي تتوافر بشأنها مصالح مشتركة قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيدًا.
وتبرز القضية الفلسطينية باعتبارها اختبارًا رئيسيًا لشرعية أي هيكل أمني إقليمي. فلا يمكن بناء مفهوم مستدام للأمن المشترك في ظل استمرار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وتداعياته. ولذلك فإن الانتقال من التأييد السياسي لحل الدولتين إلى دعم مسار سياسي واقتصادي ذي ضمانات تنفيذية سيظل عنصرًا مهمًا في تقييم الدور الصيني.
كما يمثل الملف الإيراني اختبارًا آخر، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي واحتمالات الانتشار النووي والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والجماعات المسلحة. وتمتلك الصين، بحكم علاقاتها مع طهران ودول الخليج، مساحة للحركة الدبلوماسية قد لا تتوافر بسهولة لقوى أخرى، لكن تحويل هذه المساحة إلى نتائج ملموسة يتطلب استخدام النفوذ السياسي والاقتصادي لدعم تسويات توازن بين حقوق الأطراف ومخاوفها الأمنية.
أما أمن الملاحة، فقد يمثل نقطة بداية عملية لبناء الثقة. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس تتقاطع مصالح دول المنطقة والصين والولايات المتحدة وأوروبا ويمكن تطوير ترتيبات لتبادل المعلومات والإنذار المبكر ومكافحة القرصنة وحماية الموانئ وخطوط الطاقة دون تحويلها بالضرورة إلى تحالف عسكري موجه ضد طرف بعينه.
وعلى المستوى الأوسع، تشير المبادرة إلى أن الصين تسعى إلى توسيع حضورها السياسي بما يتناسب مع وزنها الاقتصادي في الشرق الأوسط. غير أن هذا التوسع لا يعني بالضرورة تحولها في المدى القريب إلى قوة أمنية مهيمنة، إذ ما تزال الولايات المتحدة تمتلك شبكة تحالفات وقدرات عسكرية واستخباراتية واسعة في المنطقة. ولذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو نشوء نظام أمني أكثر تعددية، تتجاور فيه أدوار القوى الكبرى مع زيادة مسؤولية دول المنطقة عن إدارة أمنها.
ويتوقف مستقبل المبادرة على ثلاثة عوامل رئيسية: أولها استعداد الصين لتحمل تكاليف سياسية أكبر عندما تتعارض مصالح الأطراف، وثانيها استعداد دول المنطقة لتجاوز الخلافات وبناء مؤسسات أمنية مشتركة، وثالثها قدرة المبادرة على إنتاج آليات ملموسة بدلًا من الاكتفاء بالبيانات والمبادئ. فإذا تحققت هذه الشروط، فقد تتحول المبادرة تدريجيًا إلى أحد مكونات نظام أمني إقليمي أكثر تعددية واستقلالًا.
وفي المقابل، إذا بقيت المبادرة في إطار الخطاب السياسي العام دون آليات تنفيذ، فقد تظل مكملة للترتيبات القائمة أكثر من كونها بديلًا عنها ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للمبادرة لا تتحدد فقط بما تقوله، وإنما بما تستطيع الأطراف تحويله إلى مؤسسات وقواعد وسلوك مستمر.
خاتماً: تكشف المبادرة الصينية لبناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط عن تحول مهم في طبيعة الدور الذي تسعى بكين إلى أدائه في المنطقة. فالصين لا تدخل المجال الأمني من خلال طرح مظلة عسكرية بديلة للمظلة الأمريكية، وإنما تقدم تصورًا يقوم على الأمن المشترك والتنمية والحوار والملكية الإقليمية، مع الاستفادة من علاقاتها المتوازنة نسبيًا مع أطراف متعارضة.
غير أن الانتقال من المبادئ إلى نظام أمني فعلي يظل مهمة معقدة. فالمنطقة تحتاج إلى مؤسسات وآليات للإنذار المبكر ومنع التصعيد وحماية الملاحة وتسوية النزاعات، كما تحتاج دولها إلى تحمل مسؤولية أكبر عن إدارة خلافاتها وتظل القضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني وأمن الممرات البحرية من أبرز الاختبارات التي ستحدد مدى جدية أي نظام أمني جديد.
وفي المحصلة، تبدو المبادرة الصينية في مرحلتها الحالية أقرب إلى محاولة لإعادة تشكيل قواعد التفكير في الأمن الإقليمي منها إلى مشروع مكتمل لبديل أمني جاهز. لكنها، إذا انتقلت من المبادئ إلى المؤسسات، ومن إعلان النيات إلى تحمل المسؤوليات، ومن المبادرة الصينية إلى مشروع تشارك دول المنطقة في صياغته، فقد تصبح أحد الأسس المهمة لنظام أمني أكثر تعددية واستقلالًا في الشرق الأوسط. ولذلك فإن أهمية المبادرة لا تكمن فقط في كونها صادرة عن الصين، وإنما في أنها تعيد طرح سؤال طال تأجيله: هل يستطيع الشرق الأوسط أن يبني أمنه بنفسه، وأن يحول تعدد مصالح القوى الدولية من مصدر للتنافس إلى فرصة لبناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا؟
المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. أحمد قنديل
التاريخ : 6/9/2026
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: بوابة الشروق
الكاتب : هديل هلال
التاريخ : 2/9/2026
