معوقات خطة غزة الشاملة
فرع القاهرة

يشهد قطاع غزة مرحلة شديدة التعقيد رغم مرور أشهر على الإعلان عن الخطة الشاملة الخاصة بالقطاع ووقف إطلاق النار، إذ ما تزال معظم بنود الخطة تواجه عراقيل سياسية وأمنية حالت دون تنفيذها بصورة كاملة وبينما كان يُنظر إلى هذه الخطة باعتبارها إطارًا لإنهاء الحرب وبدء مرحلة إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، أسهمت التطورات الإقليمية وفي مقدمتها الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، في تراجع الاهتمام الدولي بالملف الفلسطيني، الأمر الذي منح الأزمة في غزة مزيدًا من الجمود. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتعثر تنفيذ الاستحقاقات السياسية والأمنية، باتت الحاجة ملحة إلى تقييم واقع الخطة، ورصد أبرز التحديات التي تعيق تنفيذها، واستشراف فرص إعادة إحياء المسار السياسي والإنساني خلال المرحلة المقبلة.

واقع تنفيذ الخطة اثناء الأزمة

رغم مرور أشهر على إعلان الخطة الشاملة الخاصة بقطاع غزة، وما رافقها من تفاهمات بشأن وقف إطلاق النار وإطلاق مرحلة انتقالية تمهد لإعادة الإعمار، فإن مسار التنفيذ لا يزال يعاني حالة واضحة من الجمود، إذ لم يتحقق سوى عدد محدود من البنود الأساسية، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار بصورة نسبية، وإنجاز عمليات تبادل الأسرى، وإعادة تشغيل معبر رفح في الاتجاهين. أما بقية الالتزامات المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار وتشكيل الإدارة الانتقالية، وتحسين الأوضاع الإنسانية، فلم تشهد تقدمًا ملموسًا. وقد أسهمت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في تحويل اهتمام القوى الإقليمية والدولية بعيدًا عن قطاع غزة، بعدما أصبحت الأولوية لاحتواء تداعيات التصعيد الإقليمي وتأمين أسواق الطاقة والملاحة الدولية وأدى ذلك إلى تراجع الضغوط الدولية الدافعة لاستكمال تنفيذ الخطة، في الوقت الذي استمرت فيه الأوضاع الإنسانية بالتدهور نتيجة نقص الغذاء والدواء والوقود وتعطل الخدمات الأساسية، وارتفاع أعداد النازحين، واستمرار الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمرافق العامة. ويعكس هذا الواقع اتساع الفجوة بين الالتزامات السياسية الواردة في الخطة وبين واقع التنفيذ الميداني، بما يجعل القطاع يواجه مرحلة طويلة من عدم الاستقرار في ظل غياب أي مؤشرات على قرب إنهاء الأزمة.

تحديات الانتقال إلى المرحلة الثانية

تمثل المواقف الإسرائيلية العامل الأكثر تأثيرًا في تعطيل تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، حيث تصر تل أبيب على ربط أي تقدم سياسي أو أمني بتحقيق شرط نزع سلاح حركة حماس وبقية فصائل المقاومة، معتبرة أن هذا الشرط يمثل الضمانة الأساسية لمنع تكرار الهجمات مستقبلاً. وفي المقابل، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل القطاع، واستمرت في تنفيذ عمليات الاغتيال ضد قيادات الفصائل، إلى جانب توسيع نطاق انتشار قواتها وسيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي داخل غزة، الأمر الذي خلق واقعًا ميدانيًا جديدًا يزيد من تعقيد أي ترتيبات مستقبلية. كما لم تلتزم بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية وفق الآليات التي نصت عليها الخطة، وهو ما ساهم في تفاقم معاناة السكان. وفي الوقت نفسه، رفضت إسرائيل السماح للجنة التكنوقراط الفلسطينية، التي حظيت بدعم عربي ودولي لإدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية، بمباشرة مهامها، رغم حل اللجنة الإدارية السابقة التابعة لحركة حماس. وتزامن ذلك مع تصاعد دعوات داخل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي لإعادة الاستيطان في قطاع غزة، وهو ما يثير مخاوف من وجود توجهات لإحداث تغييرات دائمة في الواقع الجغرافي والديموغرافي للقطاع، الأمر الذي يهدد فرص نجاح أي تسوية سياسية مستقبلية.

التحركات الدبلوماسية لإنقاذ الخطة

في مواجهة حالة الجمود، كثفت الجهود الدبلوماسية الدولية للحفاظ على الخطة ومنع انهيارها مستندة إلى دورها التقليدي كوسيط رئيسي في الملف الفلسطيني، حيث أجرت سلسلة من الاتصالات والمباحثات مع حركة حماس وبقية الفصائل الفلسطينية، بالتنسيق مع كل من قطر وتركيا، بهدف التوصل إلى تفاهمات بشأن قضية سلاح المقاومة، باعتبارها العقبة الرئيسية أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية. كما عملت القاهرة على مواصلة التنسيق مع مختلف الأطراف الدولية لضمان استمرار الزخم السياسي الخاص بالخطة، وتهيئة الظروف الملائمة لبدء إعادة إعمار القطاع فور توافر الشروط المناسبة وفي المقابل، لم تمارس الإدارة الأمريكية حتى الآن ضغوطًا كافية على إسرائيل لدفعها إلى تنفيذ التزاماتها، رغم أن الخطة جاءت في إطار مبادرة حظيت بدعم مباشر من الرئيس الأمريكي، وشهدت إنشاء مجلس للسلام لمتابعة تنفيذها. ويعكس هذا الوضع استمرار التباين بين الرغبة الإقليمية في تحريك المسار السياسي، وبين محدودية الإرادة الدولية في إلزام الأطراف، وهو ما أدى إلى بقاء القطاع رهينة للتجاذبات السياسية والتطورات العسكرية الإقليمية، وأضعف فرص تحقيق تقدم حقيقي على الأرض.

آفاق المرحلة المقبلة

يتطلب إخراج الخطة من حالة الجمود الحالية توافر إرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف مدعومة بضمانات إقليمية ودولية تكفل تنفيذ الالتزامات الواردة فيها وفق جدول زمني واضح. ويأتي في مقدمة هذه المتطلبات التوصل إلى صيغة توافقية بشأن مستقبل سلاح المقاومة بما يزيل العقبة الرئيسية أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، بالتوازي مع ممارسة ضغوط أمريكية ودولية أكثر فاعلية لإلزام إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية والاغتيالات، والانسحاب التدريجي من المناطق التي سيطرت عليها داخل القطاع كما ينبغي الإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية عبر جميع المعابر، وبدء تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار في المناطق التي تسمح الظروف الأمنية بالعمل فيها، مع تمكين لجنة التكنوقراط الفلسطينية من مباشرة مهامها، ودعم نشر قوة دولية للمساعدة في تثبيت الأمن والاستقرار خلال المرحلة الانتقالية. وفي الوقت ذاته، يبقى الحفاظ على حل الدولتين باعتباره الإطار السياسي الأشمل ضرورة أساسية لمعالجة جذور الصراع، ومنع تحول التدابير المؤقتة إلى واقع دائم، بما يتيح إعادة بناء قطاع غزة، واستعادة الاستقرار، وتهيئة البيئة اللازمة لإطلاق عملية سلام أكثر شمولًا واستدامة خلال المرحلة المقبلة.

خاتماً: في ضوء ما سبق، يتضح أن مستقبل قطاع غزة سيظل مرهونًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على تجاوز العقبات التي تعرقل تنفيذ الخطة الشاملة، وفي مقدمتها الخلافات المتعلقة بالترتيبات الأمنية، ومستقبل سلاح الفصائل، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، إلى جانب ضمان تدفق المساعدات الإنسانية وإطلاق عملية إعادة الإعمار. كما أن نجاح أي تسوية يتطلب دورًا دوليًا أكثر فاعلية للضغط نحو تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، بالتوازي مع استمرار الجهود الإقليمية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف. وفي المقابل، فإن استمرار حالة الجمود الحالية من شأنه أن يفاقم الأزمة الإنسانية، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني، بما يهدد بإطالة أمد الصراع وتقويض فرص الوصول إلى تسوية مستدامة تحقق الأمن والاستقرار للمنطقة بأسرها.

 

 

المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

الكاتب : اللواء محمد إبراهيم الدويري

التاريخ : 22/7/202

-----------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: يورونيوز

الكاتب : شيما شاهي

التاريخ : 30/7/2026

المقالات الأخيرة