نفّذت الولايات المتحدة عملية عسكرية استثنائية في 3 يناير 2026، استطاعت من خلالها اعتقال الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"، ونقله إلى الولايات المتحدة وبدء محاكمته أمام محكمة مانهاتن الفيدرالية بتهم "ترؤُّس حكومة غير شرعية، استغلت على مدى عقود سُلطتها لحماية وتعزيز أنشطة غير قانونية ومنها تهريب المُخدرات" بحسب لائحة الاتهام.
أعاد هذا المشهد وما تلاه مُباشرةً من إبرام صفقة نفطية كبرى بين واشنطن وكاراكاس ترتيب بعض ملامح العلاقات بين الولايات المتحدة في عهد الرئيس "دونالد ترامب" ودول أمريكا اللاتينية، الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء على ملامح السياسة الأمريكية الجديدة تجاه دول المنطقة، فضلاً عن تداعيات ذلك على المشهد العام وعلى الحضور الصيني في أمريكا اللاتينية.
استراتيجية واشنطن
تتسم السياسة الجديدة التي يتبناها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تجاه دول أمريكا اللاتينية منذ مطلع عام 2026 بعدد من التحولات، يمكن رصدها على النحو التالي:
1- إعادة الرئيس "ترامب" إحياء سياسة "مبدأ مونرو": ذكَر الرئيس "ترامب" في تصريح للصحفيين، صبيحة القبض على "مادورو"، أن هذه العملية جزء من إحياء رؤية سياسية قديمة للولايات المتحدة قبل نحو (200) عام، عُرفت في ذلك الوقت باسم "مبدأ مونرو" (Monroe Doctrine) نسبةً إلى الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمس مونرو" عام 1823 الذي عارض حينذاك بتلك السياسة أي تدخل أوروبي في نصف الكُرة الغربي، الأمر الذي استدعاه "ترامب" مرة أخرى وقال إن بلاده باتت اليوم أمام "مبدأ دونرو" (نسبةً إليه)، بداعي أن فنزويلا في عهد "مادورو" استضافت من وصفهم بـ"الأعداء الأجانب". وقد أكّد الرئيس "ترامب" أنه لن يسمح بتهديد "أمن الولايات المتحدة"، وهو ما يكشف عن بدء الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التعاطي مع القضايا الأكثر إلحاحاً في المنطقة.
2- تلويح "ترامب" بتدخل عسكري محتمل في المكسيك: أثار "ترامب" الجدل مرة أخرى عقب القبض على "مادورو" بتصريح قال فيه: "لا بد من فعل شيء حيال المكسيك؛ حينها لن يُشكك أحد مُجدداً في الهيمنة الأمريكية على نصف الكُرة الغربي"، الأمر الذي فتح الباب لإمكانية تكرار نمط التحركات، ولو بصورة مختلفة مقارنة بالحالة الفنزويلية، إذ يُحتمل أن تنظر واشنطن في خيار تقديم دعم أمني مباشر، قد يشمل نشر عناصر أو قدرات عسكرية، لمساندة الجهود المكسيكية في مكافحة المخدرات، إلى جانب الحد من الجريمة والهجرة. وهو ما يواجه تحفظات في الداخل المكسيكي ويُنظَر إليه بكثير من الريبة والشك تجاه نوايا الولايات المتحدة في ظل النجاحات التي تُحققها رئيسة البلاد اليسارية "كلوديا شينباوم" في هذين الملفين. فضلاً عما يُمكن أن يترتب على ذلك من تأثيرات شِبه مؤكدة على مُستقبل اتفاقية التجارة الحُرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) وسط احتمالية لجوء واشنطن إلى "عمليات إنفاذ قانون أُحادي الجانب" داخل الأراضي المكسيكية.
3- دَفْعُ التحولات السياسية في أمريكا اللاتينية واشنطن نحو انخراط أكبر: شهدت أمريكا اللاتينية قُبيل العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا عدة تطورات داخلية بدت مُواتية للسياسة الأمريكية الجديدة؛ وذلك بإزاحة اليسار من السُّلطة في بوليفيا بعد أكثر من عقدين، وفوز أحد داعمي الرئيس السابق "أوجوستو بينوشيه" من اليمين المُتطرف في الانتخابات الرئاسية في تشيلي، إلى جانب انتصارات اليمين في الأرجنتين وهندوراس بعد حديثٍ عن تدخل مُباشر وصريح من الرئيس "ترامب" بتوجيه الناخبين صراحةً في كلا الاستحقاقين الانتخابيَّين. الأمر الذي أوجد حالة من الزخم، شجعت الولايات المتحدة على المُضيّ قدماً نحو مزيد من الانخراط في أمريكا اللاتينية خلافاً للفترة السابقة.
4- سعي واشنطن إلى تقليص دور بكين في المنطقة: أدى التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب سعي واشنطن لإبراز حضورها العسكري في أمريكا اللاتينية؛ إلى جعل كثيرٍ من دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي طرفاً في المنافسة. ومنذ نشر "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي" في 4ديسمبر 2025؛ تم تحديد موقف واشنطن بوضوح، إذ باتت تنظر إلى نصف الكُرة الغربي باعتباره "مجال نفوذها"، وهو ما يدفعها مُباشرةً للسعي إلى الحد من النفوذ الصيني. إلى جانب ذلك، كشفت مُتابعة الولايات المتحدة خلال عام 2025لانتخابات عدد من الدول اللاتينية مثل بوليفيا والأرجنتين وهندوراس وتشيلي، أن العلاقة مع بكين باتت تمثل قضية محورية في الخطاب السياسي لهذه الدول، الأمر الذي سيدفع الولايات المتحدة إلى التضييق على الوجود الصيني في المنطقة.
وفي هذا السياق، تُشير تقديرات "مركز سياسات التنمية العالمية" التابع لجامعة بوسطن إلى أن أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة يتمثل في انكماش التمويل الصيني لدول المنطقة، إذ انخفضت القروض الصينية الممنوحة لا سيّما من مؤسستي التمويل التنموي الصينيتين: بنك التنمية الصيني وبنك الاستيراد والتصدير، بعد أن بلغت ذروتها في منتصف العقد الماضي. وفي السنوات الأخيرة، كان حجم القروض الجديدة محدوداً على الرغم من تسجيل انتعاش طفيف في عام 2024. وبالرغم من أن هذا التراجع لا يعني غياب التمويل الصيني أو تخلّي الصين على نطاق أوسع عن علاقاتها مع دول أمريكا اللاتينية؛ فإنه يمثّل فرصة للولايات المتحدة لمحاولة زيادة الانخراط في دول المنطقة.
تداعيات محتملة
يُرجَّح أن يترتب على التحولات التكتيكية في السياسة الأمريكية الجديدة تجاه أمريكا اللاتينية عدد من التداعيات، يمكن تلخيصها فيما يلي:
1- استبعاد التدخل العسكري الأمريكي في المكسيك: تتمتع المكسيك والولايات المتحدة بعلاقة وثيقة، خلافاً لما تميّزت به علاقاتها مع فنزويلا، إذ تقوم العلاقة بين البلدين على التكامل الاقتصادي، خاصةً بعدما أصبحت المكسيك في عام 2025 أكبر سوق تصدير للولايات المتحدة، إلى جانب التعاون في عدد من القضايا، وهو ما يُستبعَد معه لجوء الولايات المتحدة إلى خيارات عسكرية أو شِبه عسكرية في المرحلة المُقبلة في المكسيك، وذلك على الرغم من إمعان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في العمل وفق "مبدأ دونرو" الذي يُقدم من خلاله المصالح العليا الأمريكية على كل اعتبار، ولأنه لا يزال لدى "ترامب" اعتقاد راسخ بأن كلاً من فنزويلا والمكسيك تشتركان في كونهما مُصدِّرين أساسيين للمُشكلات الجوهرية نفسها، وهُما: الهجرة والمُخدرات.
2- زيادة وتيرة الضغط الأمريكي على كوبا: تُمثل كوبا حالة مختلفة تماماً للولايات المتحدة من نواحٍ عديدة؛ أبرزها معاناة كوبا من آثار عقوبات طويلة الأمد وحالة عامة أقرب إلى الاختناق، فضلاً عن المعاناة من تدهورٍ طويل الأمد في الأوضاع الاقتصادية، ووجود أزمات واسعة في إمدادات الكهرباء، إلى جانب وجود حالات نزوح جماعي هائلة، تفوق بكثير موجات الهجرة السابقة في ثمانينيات القرن الماضي. إلا أنه ورغم ذلك لا يبدو أن هدف الولايات المتحدة هو إجبار نظام الرئيس "ميجيل دياز كانيل" على الاستسلام؛ بدليل استمرار شحنات النفط الآتية إليها من المكسيك، إذ إن (40%) تقريباً من نفط كوبا يرد إليها من المكسيك في الوقت الحالي، وهو ما يجعل السياسة الأمريكية الجديدة في هذه الحالة تستهدف بالأساس زيادة وتيرة الضغط على كوبا لدفعها إلى إبداء مُرونة أكبر في المفاوضات.
3- ترقُّب الولايات المتحدة للتغيُّرات الداخلية في كولومبيا: كانت كولومبيا من بين الدول اللاتينية التي هددها "ترامب" صراحةً؛ ورغم عدم تحقيق الرئيس الكولومبي "جوستافو بيترو" نجاحات انتخابية وإنجازات ملموسة كالتي حققها سلفه "هوجو تشافيز" خلال عقده الأول في السلطة، بالإضافة إلى أنه لم يمضِ على انتخاب "بيترو" سوى فترة قصيرة نسبياً، فإنه من المُرجح أن تكون التهديدات الأمريكية في حالة كولومبيا على سبيل الحرب النفسية لدفعها إلى تبني سياسة "النأي بالنفس" عن أي تصعيد مُحتمل مع الولايات المتحدة، لا سيما أن كولومبيا تعتزم إجراء انتخاباتها الرئاسية في مايو 2026؛ ومن المُرجح أن يترشح فيها "إيفان سيبيدا" حليف "بيترو" إلى جانب مُرشح يميني تُعوّل عليه الولايات المتحدة كثيراً وهو "أبيلاردو دي لا إسبريلّا" الذي تتوقع له الولايات المتحدة أداءً جيداً في الجولة الأولى، وتُعلّق عليه آمالها في الفوز في جولة إعادة مُنتظرة أمام "سيبيدا".
4- تباين مواقف الدول اللاتينية من السياسة الأمريكية الجديدة: استتبعت واقعة القبض على "مادورو" انقساماً واسعاً في أوساط دول أمريكا اللاتينية، في كل من الأرجنتين وكولومبيا والإكوادور وحتى بيرو، إذ لا يُعارض بعضهم السياسة الأمريكية الجديدة تجاه دول المنطقة ويعتبرونها "تدخّلات محسوبة"، في حين يرى آخرون أنها تنم عن "سياسة توسُّعية" بدأت بفنزويلا وستمتد إلى عدد غير محدود من دول المنطقة. وهو ما يُتوقع معه استمرار تباين مواقف تلك الدول تجاه السياسة الأمريكية الجديدة، نظراً للانقسامات بين اليسار واليمين، حتى مع مُعارضة قادة يساريين لما أقدم عليه "ترامب" في فنزويلا، مثل الرئيس البرازيلي "لولا دا سيلفا" والرئيسة المكسيكية "كلوديا شينباوم". فضلاً عن محاولة بعض قادة المنطقة ترسيخ سياسة النأي بالنفس عن الأنظمة الاشتراكية في المنطقة، مثل الرئيس التشيلي "جابرييل بوريك" الذي أدان بشدّة العملية العسكرية التي نفّذتها الولايات المتحدة. وفي المقابل، ورغبةً في تجنُّب الصِّدام المُباشر لدول أمريكا اللاتينية مع "ترامب"، فإنه من المُرجَّح تجاوز كثير من دول المنطقة مسألة الولاءات الأيديولوجية القديمة (Old Ideological Loyalties) لتتجه نحو البراجماتية، ولا سيما في ظل النزعة الأمريكية الحالية مع دول المنطقة نحو مُعالجة القضايا العالقة بالحسم السريع عبر عقد الصفقات أو التصعيد العسكري، في ظل تشديد "ترامب" على أن قضية التعامل مع ما يُسميها "عصابات المُخدرات والسلاح" في المنطقة، لم تُحسم بعد.
ختاماً، يقود تزايد مستوى انخراط الرئيس "دونالد ترامب" في منطقة أمريكا اللاتينية إلى رفع الكُلفة السياسية على الإدارة الأمريكية، الأمر الذي يُمكن معه القول إن كل محاولة أمريكية غير ناجحة لاستنساخ "تجربة فنزويلا" قد تُفضي إلى نتائج عكسية تدفع الولايات المتحدة إلى تغيير سياستها الخارجية تجاه المنطقة وتقليص حضورها، لا سيما مع استفادة التيارات اليسارية في أمريكا اللاتينية من الوضع الحالي في معركة سياسية تستهدف من خلالها كسب أصوات شريحة إضافية من الناخبين في الاستحقاقات الانتخابية التي ستُجرَى خلال العام الجاري 2026؛ من مُنطلق تمسُّكها بالحفاظ على وحدة أراضيها وسيادتها.
المراجع
_ عمار ياسين، 27/4/2026، الاتجاهات المتوقّعة للسياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، انترريجونال للتحليلات السياسية.
_ منى اسامة، 13/1/2026، مستقبل السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة.
