في عقد مضى، كانت مسألة المواد الخام الحرجة حاضرة في هوامش النقاشات الاقتصادية الأوروبية؛ أما اليوم فقد أصبحت في صلب الأمن القومي للقارة. فمع تسارع وتيرة التحول الأخضر والرقمي، برزت معادن مثل الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة كأساس لصناعات المستقبل: بطاريات السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، الرقائق الإلكترونية، وأنظمة الدفاع. غير أن المفارقة الأوروبية المؤلمة أن القارة التي تستهلك حصة كبيرة من هذه المواد تفتقر إلى القدرة على تكريرها، مما يجعلها تعيد تصدير خاماتها إلى الخارج لإعادة استيرادها بعد تحويلها إلى منتجات شبه جاهزة بأسعار مضاعفة. ففي عام 2025، لم تتجاوز حصة أوروبا من معالجة أكاسيد العناصر الأرضية النادرة 5%، فيما لا تزال تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها من معدن الليثيوم المكرر من الخارج. وهو ما يفرض عليها تكاليف لوجستية إضافية، ويعرّضها لابتزازات جيوسياسية متكررة، كما حدث في أبريل 2025 عندما فرضت الصين قيوداً على صادراتها من سبعة معادن أرضية نادرة رداً على الحرب التجارية مع واشنطن، الأمر الذي أصاب الأسواق الأوروبية بالارتباك وعجل بإطلاق بروكسل "خطة عمل REsourceEU" بقيمة 3 مليارات يورو.
غير أن السؤال الذي تطرحه هذه الورقة ليس عن ضرورة توطين قدرات التكرير، فقد باتت هذه ضرورة استراتيجية بحكم الأمر الواقع، بل عن جدواها الاقتصادية في ضوء التكاليف الباهظة، والتقنيات المعقدة، وفجوة القدرات الهائلة التي تفصل أوروبا عن الهيمنة الصينية. فبينما تسعى أوروبا إلى بناء 47 مشروعاً استراتيجياً في 13 دولة عضواً باستثمارات أولية تُقدَّر بنحو 225 مليار يورو، فإن تحقيق الهدف الطموح بتوطين 40% من التكرير بحلول 2030يتطلب تضافر جهود غير مسبوقة، واستثمارات إضافية تقدَّر بأكثر من 50 مليار يورو. بالإضافة إلى عوائق أخرى مثل التشريعات البيئية الصارمة، وارتفاع تكاليف الطاقة، ومعارضة المجتمعات المحلية، وغياب "رخصة التشغيل الاجتماعي" في العديد من المواقع.
تعتمد الورقة في منهجيتها على تحليل الأرقام والتشريعات الرسمية، ودراسة المشاريع الاستراتيجية القائمة، ومقارنة الخيارات البديلة المتاحة. ثم نستعرض أبعاد الفجوة البنيوية، ثم نقيّم التكاليف والفوائد الاقتصادية لتوطين التكرير، ونناقش العقبات التي تواجه تنفيذ المشاريع، ونقارنها بخيارات أخرى مثل الشراكات الدولية وإعادة التدوير، ثم نخلص إلى خلاصة تجيب عن سؤال الورقة المحوري.
أولاً: فجوة التكرير الأوروبية – قراءة في الأرقام
ما لم تعلنه الاستراتيجيات الأوروبية صراحة هو حجم الهوة التي تفصل القارة عن الاكتفاء الذاتي في تكرير المواد الحرجة. وفقاً لبيانات أواخر عام 2025، بلغت حصة أوروبا من معالجة أكاسيد العناصر الأرضية النادرة 5% فقط، بينما تسيطر الصين على 90% من هذه القدرات على مستوى العالم. وتنطبق الصورة ذاتها على الليثيوم: رغم أن أوروبا ستُمثل أكثر من 25% من الطلب العالمي على الليثيوم بحلول أوائل الثلاثينيات، فإنها تكرر حالياً أقل من 10% من الليثيوم بدرجة البطاريات الذي تستخدمه داخل حدودها. وبالنسبة للنحاس، تستهلك أوروبا نحو 5 ملايين طن سنوياً من النحاس المكرر، لكنها تظل تعتمد بشكل كبير على الواردات، حتى عندما يكون الخام أو الخردة من أصل أوروبي.
وهذا العجز البنيوي هو نتاج تراكمي لثلاثة عقود من السياسات التي سمحت بنقل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى الخارج، حيث شجعت المعايير البيئية الأوروبية المتشددة وارتفاع تكاليف الكهرباء على إغلاق المصاهر وتصفية مصانع المواد الكيميائية وضمور الخبرات المعدنية.
ثانياً: الجدوى الاقتصادية لتوطين التكرير – التكاليف مقابل الفوائد
مناقشة الجدوى الاقتصادية تتطلب قياساً موضوعياً للتكاليف التي يفرضها هذا التوجه مقابل العوائد. تقدّر التقديرات الأولية أن تحقيق الهدف المتمثل في نقل 40% من عمليات تكرير المواد الاستراتيجية إلى داخل أوروبا بحلول 2030 سيتطلب استثمارات تراكمية تتجاوز 50 مليار يورو، وهو رقم قد يرتفع إذا ما أُدرجت تكاليف الطاقة، ومعالجة النفايات، والبنية التحتية اللوجستية.
أما الفوائد المتوقعة لهذه الاستثمارات فتشمل تخفيض أقساط التأمين والمخاطر الجيوسياسية، وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الطويلة المكلفة، واحتجاز القيمة المضافة داخل القارة. ففي مجال العناصر الأرضية النادرة، تتطلب مصانع التكرير استثمارات أولية تتراوح بين 350و600 مليون يورو لكل منشأة، لكن محطة "بينسانا" في إنجلترا، عند اكتمال طاقتها، ستُنتج حوالي 5% فقط من الطلب العالمي على أكاسيد النيوديميوم والبراسيوديميوم. وهذا يكشف عن ثنائية أساسية: المشاريع مكلفة بشكل هائل لكن حصتها السوقية من المتوقع أن تبقى محدودة.
كما أن العوائد طويلة الأجل غير مضمونة تماماً، إذ تظل هوامش الربحية في صناعة التكرير ضعيفة مقارنة باستخراج المواد الخام، مما يجذب رؤوس أموال أقل ميلاً للمخاطرة ويتطلب تمويلاً صبوراً وضمانات حكومية.
ثالثاً: الحواجز التي تعترض المشاريع – عندما يصطدم الطموح بالواقع
أعلنت المفوضية الأوروبية في مارس 2025 عن 47 مشروعاً استراتيجياً داخل الاتحاد، موزعة على 13 دولة عضواً، بإجمالي استثمارات أولية تقدر بنحو 225 مليار يورو، تغطي 14 من أصل 17 مادة استراتيجية. لكن التحديات التي تواجه هذه المشاريع تطرح تساؤلات كبيرة حول الجدوى الاقتصادية لهذا البرنامج الطموح. فالسماح المعقد والتشرذم الوطني أحد أبرزها؛ فالقانون يضع مواعيد قصوى للترخيص تبلغ 27 شهراً لمشاريع الاستخراج و15شهراً لغيرها، غير أن تنفيذها لا يزال غير متساوٍ بين الدول الأعضاء بسبب اختلاف الهياكل التنظيمية وتقاطعها مع توجيهات بيئية صارمة.
الأمر الآخر هو "الترخيص الاجتماعي بالتشغيل"، حيث تحولت مشاريع الليثيوم عالية المستوى مثل باروسو في البرتغال وسينوفيتش في التشيك إلى نقاط اشتعال للاحتجاجات المحلية بسبب المخاوف من فقدان التنوع البيولوجي وإزالة الغابات وتلوث المياه. وهذا أمر جوهري لأن إعادة بناء صناعة التكرير الأوروبية تتطلب تحولاً في العقلية العامة تجاه أنشطة التعدين.
كما تشكل الفجوات التكنولوجية عقبة حقيقية، إذ غالباً ما يُصدر الليثيوم المستخرج في أوروبا إلى الصين للمعالجة، مما يُظهر أن وجود خام داخل القارة لا يعني بالضرورة توفر القدرة على تحويله. وتبقى تقنيات الاستخراج والتدوير المبتكرة، مثل استخراج الليثيوم من المصادر الحرارية الأرضية، كثيفة رأس المال ولم تُثبت جدواها بعد على نطاق تجاري.
وآخر العقبات وأكثرها إلحاحاً هو التمويل نفسه، حيث أن أغلب المستثمرين لا يزالون حذرين، لأن التكرير لا يجتذب المضاربات المرتفعة أثناء فورة السلع الأساسية كقطاع التعدين، بل يحتاج إلى رأسمال صبور يقبل بعوائد معتدلة على مدى فترات أطول، وهو ما لا يتوفر بسهولة في الأسواق المالية الأوروبية.
رابعاً: البدائل الاستراتيجية – ممرات متعددة لا مفر منها
في ضوء هذه المعضلة، لم تكتفِ أوروبا بمسار واحد. فقد طوّرت استراتيجية متعددة المستويات تجمع بين بناء قدرات داخلية انتقائية وتعزيز الشراكات الدولية.
ففي نوفمبر 2025، وقّع الاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم مع جنوب أفريقيا تلتزم بموجبها بروكسل باستثمار 750 مليون يورو عبر برنامج "غلوبال غيتوي"، مقابل أن تقوم جنوب أفريقيا بتكرير معادنها محلياً بدلاً من تصديرها كمواد خام. وهذه علامة بارزة على تحول استراتيجي: أوروبا لم تعد تسعى فقط لتنويع مصادر المواد الخام، بل تسعى إلى إعادة توزيع مواقع التكرير نفسها، وهو ما يقلل تكاليف الشحن ويعزز القيمة المضافة في الدول المنتجة. كما أن إعادة التدوير تشكل بديلاً واعداً، فمع وصول أول جيل من توربينات الرياح والبطاريات الأوروبية إلى نهاية عمرها الافتراضي، تستطيع أوروبا تطوير شبكات متقدمة لاسترجاع المعادن وإبقائها في الحلقة الإقليمية. وأخيراً، تستخدم أوروبا أدوات تمويل مبتكرة كالضمانات العامة وآليات استقرار الأسعار لتقليل المخاطر وجذب رأس المال الخاص.
الخلاصة: بين الجدوى الاقتصادية والضرورة الاستراتيجية
هل توطين تكرير المواد الخام الحرجة في أوروبا مجد اقتصاديًا؟ الإجابة ليست بنعم مطلقة ولا لا مطلقة، بل تبدو المعضلة كالتالي: المشروع ليس مجدياً اقتصادياً بالمعنى الكلاسيكي القائم على الميزة النسبية والتكاليف، لأن بناء قدرات تكريرية من الصفر في بيئة شديدة التنظيم ومرتفعة التكاليف سيكون أقل كفاءة من الاستيراد من آسيا، وهو ما تؤكده احتكار الصين لأكثر من 90% من تكرير العناصر الأرضية النادرة و81% من قدرات التكرير العالمية عموماً. المشروع يتطلب استثمارات ضخمة بعوائد هامشية.
لكن بالمقابل، فإن تكلفة عدم بناء هذه القدرات هي تكلفة لا يمكن تحملها في عالم يتسم بالصراعات التجارية والابتزاز الجيوسياسي. فاعتماد أوروبا على الصين فيما يتجاوز 90%من الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة المكررة يجعلها رهينة لإرادة بكين. ومن هنا فإن الجدوى الاقتصادية لهذا المسار لا تُقاس بالربح المباشر، بل بمفهوم "السياسة الصناعية الدفاعية" – أي بنوع من التأمين الاستراتيجي طويل الأجل الذي يقلل التعرض للصدمات الخارجية.
بالنظر إلى ما سبق، فإن التوصية الأساسية التي يمكن استخلاصها هي أن أوروبا بحاجة إلى نموذج جديد لا يعتمد على "الاكتفاء الذاتي الكامل" -وهو غير مجدٍ على الأرجح- بل على "التنويع الاستراتيجي والاعتماد المتعدد الأقطاب"، بثلاثة مبادئ رئيسية: أولاً، بناء قدرات تكريرية داخلية انتقائية في المواد ذات القيمة الأكبر والاعتماد الأشد خطورة (مثل أكاسيد النيوديميوم). ثانياً، تحويل جزء كبير من التكرير إلى الدول المنتجة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية كجزء من صفقة تنموية متكاملة. ثالثاً، الاستثمار الهائل في الاقتصاد الدائري لجعل أوروبا "منطقة منجم حضري" تنتج المعادن من النفايات الإلكترونية وبطاريات السيارات المستهلكة.
أوروبا بين مطرقة الطموح الأخضر وسندان الواقع الجيوسياسي، وسيبقى سؤال الجدوى الاقتصادية مطروحاً، لكن ما لا شك فيه هو أن العودة إلى نموذج التبعية الكاملة لم تعد خياراً.
المراجع:
مركز الخليج للأبحاث. (2025). المعادن الحرجة والتحول الأخضر: تحديات سلاسل التوريد في أوروبا والشرق الأوسط. دبي، الإمارات العربية المتحدة.
المعهد العربي للتخطيط. (2025). السياسات الصناعية في عصر التحولات التكنولوجية والجيوسياسية: أوروبا بين الطموح الأخضر والأمن الاستراتيجي. الكويت.
