مفاوضات روما والتوتر الحربي بين لبنان وإسرائيل
فرع القاهرة

تشهد الساحة اللبنانية مرحلة دقيقة من التحولات السياسية والأمنية في أعقاب الحرب الأخيرة، وسط جهود دولية وإقليمية لاحتواء تداعياتها ومنع انزلاق المنطقة إلى موجة جديدة من التصعيد. وفي هذا السياق، تبرز جولة المفاوضات غير المباشرة المرتقبة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما باعتبارها محطة مفصلية تتجاوز الإطار التقليدي لتثبيت وقف إطلاق النار، لتفتح الباب أمام إعادة صياغة ترتيبات أشمل تشمل الأمن والحدود والطاقة وإعادة الإعمار ضمن رؤية متكاملة تقودها الولايات المتحدة. 

تحول مسار المفاوضات

تشير المعطيات إلى أن مفاوضات روما تمثل بداية مرحلة جديدة تختلف بصورة جوهرية عن الجولات السابقة، بعدما انتقلت من التركيز على تثبيت وقف إطلاق النار إلى مناقشة مستقبل المرحلة التي تلي الحرب، وهو تحول يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن استمرار الاستقرار لا يمكن تحقيقه عبر التفاهمات العسكرية وحدها فالإدارة الأمريكية تسعى إلى بناء إطار تفاوضي طويل الأمد يربط بين الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار، بما يخلق مصالح مشتركة تقلل من فرص العودة إلى المواجهة المسلحة. ومن هذا المنطلق، توسع جدول الأعمال ليشمل قضايا الحدود البرية والبحرية، وآليات الرقابة، والاستثمار في المناطق الحدودية، وملفات الطاقة والتنمية، وهو ما دفع لبنان إلى إعادة تشكيل وفده المفاوض بإضافة خبراء في القانون الدولي وترسيم الحدود والطاقة إلى جانب الوفد العسكري ويعكس هذا التطور إدراكًا لبنانيًا بأن المرحلة المقبلة لن تقتصر على الجوانب الأمنية، وإنما ستتداخل فيها اعتبارات سياسية واقتصادية وقانونية ذات تأثير مباشر على مستقبل الدولة اللبنانية وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى نتائج الحرب باعتبارها فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض ترتيبات دائمة تحول دون إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله، وهو ما يفسر سعيها إلى توسيع نطاق التفاوض وربط الملفات المختلفة ضمن حزمة واحدة. ومن ثم، فإن جولة روما لا تمثل مجرد استكمال لمسار وقف إطلاق النار، بل تؤسس لمرحلة جديدة من إدارة العلاقة بين الجانبين، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية بصورة غير مسبوقة.

الترتيبات الأمنية الجديدة

تمثل الترتيبات الأمنية المحور الأكثر حساسية في جولة روما، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى الانتقال من الاتفاقات العامة الخاصة بوقف إطلاق النار إلى وضع بروتوكول تنفيذي أكثر دقة ينظم آليات التطبيق الميداني ويحد من فرص انهيار التفاهمات مستقبلاً. وتستند المقاربة الأمريكية إلى قناعة بأن التجربة التي أعقبت الحرب الأخيرة أظهرت محدودية الآليات الحالية في منع الخروقات أو احتواء التوترات المتكررة، الأمر الذي يستدعي إنشاء منظومة أكثر فاعلية تعتمد على قواعد واضحة للتنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة والجهات الدولية المشرفة على تنفيذ الاتفاقات. ولا يهدف هذا البروتوكول، وفق الطرح الأمريكي، إلى استبدال اتفاق وقف إطلاق النار، وإنما إلى تطوير أدواته التنفيذية بما يضمن سرعة التعامل مع أي حادث أمني ويمنع تحوله إلى مواجهة واسعة النطاق، مع تعزيز دور الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الشرعية المسؤولة عن بسط سلطة الدولة في الجنوب.

وفي الإطار نفسه، تعمل واشنطن على إنشاء آلية تحقق أكثر تطورًا تبدأ في المناطق الحدودية الأكثر حساسية، ثم تتوسع تدريجيًا مع تحسن الأوضاع الأمنية، بما يسمح بمتابعة تنفيذ الالتزامات بصورة أكثر انتظامًا وشفافية. كما تسعى إلى ربط هذه المنظومة بحزمة من الإجراءات الاقتصادية والتنموية، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن الاستقرار الدائم لا يتحقق فقط عبر الأدوات العسكرية، وإنما من خلال خلق بيئة اقتصادية تقلل دوافع التصعيد غير أن هذه الرؤية تواجه تحفظات لبنانية واضحة، إذ تخشى بيروت أن تتحول آليات التحقق إلى وسيلة تمنح إسرائيل حق الاعتراض المستمر على أداء مؤسسات الدولة أو استخدامها ذريعة لتبرير استمرار عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. ولذلك تؤكد الحكومة اللبنانية أن أي بروتوكول جديد يجب أن يقتصر على تنظيم الجوانب التنفيذية، دون المساس بالسيادة الوطنية أو منح أي طرف خارجي صلاحيات تتجاوز ما تنص عليه الاتفاقات الدولية. ويكشف هذا التباين أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بالترتيبات الأمنية، بل بطبيعة الدور الذي ستؤديه الجهات الدولية في المرحلة المقبلة، وحدود العلاقة بين متطلبات الأمن واعتبارات السيادة وهي قضايا ستحدد إلى حد كبير فرص نجاح مفاوضات روما وإمكانية تحويلها إلى نقطة انطلاق لمسار أكثر استقرارًا في جنوب لبنان.

السيادة والمطالب الإسرائيلية

تمثل قضية السيادة اللبنانية أكثر القضايا تعقيدًا في مفاوضات روما، إذ تتجاوز الخلافات مسألة تثبيت وقف إطلاق النار لتصل إلى طبيعة النظام الأمني الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه في مرحلة ما بعد الحرب. فبحسب الطروحات الإسرائيلية، ينبغي أن تواكب أي عملية انسحاب أو إعادة إعمار منظومة رقابة أمنية واسعة تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله، وهو ما يتطلب - من وجهة نظرها - إنشاء آليات تحقق تتجاوز مراقبة النشاط العسكري إلى متابعة البيئة المدنية في المناطق الحدودية وتشمل هذه التصورات إجراء مسح شامل للقرى الجنوبية وإعداد قواعد بيانات للمباني والمؤسسات والسكان، إضافة إلى وضع لوائح بأسماء أشخاص تعتبرهم إسرائيل مرتبطين بالبنية العسكرية أو اللوجستية للحزب، مع فرض قيود على عودة بعضهم إلى مناطقهم قبل استكمال تقييمات أمنية محددة. وتستند إسرائيل في هذا الطرح إلى قناعتها بأن تجربة ما بعد حرب عام 2006 سمحت بإعادة بناء القدرات العسكرية تدريجيًا تحت غطاء إعادة الإعمار وعودة السكان، وهو السيناريو الذي تسعى إلى تجنبه في المرحلة المقبلة.

في المقابل، ترى الدولة اللبنانية أن هذه المطالب تمثل مساسًا مباشرًا بالسيادة الوطنية، لأنها تمنح إسرائيل دورًا غير مباشر في إدارة الشأن الداخلي اللبناني، سواء من خلال التأثير في حركة السكان أو مراقبة المؤسسات المدنية أو التدخل في آليات عمل الدولة داخل أراضيها ولذلك تؤكد بيروت أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية يجب أن تنفذ عبر المؤسسات اللبنانية وحدها، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، وبالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة، دون منح إسرائيل أي صلاحيات رقابية أو تنفيذية داخل الأراضي اللبنانية كما ترفض الحكومة اللبنانية المقترحات المتعلقة بمنح الجهات المشرفة على آلية التحقق صلاحيات واسعة لتفتيش الممتلكات الخاصة أو متابعة الأنشطة المدنية، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات تتعارض مع القانون الدولي وتمثل سابقة قد تؤدي إلى تقويض سلطة الدولة. 

التنمية وآفاق التسوية

لم تعد مفاوضات روما تقتصر على مناقشة الجوانب الأمنية والعسكرية، بل اتجهت بصورة واضحة إلى إدماج ملفات التنمية وإعادة الإعمار والطاقة ضمن إطار تفاوضي واحد، في محاولة لإرساء مقاربة جديدة تربط بين الاستقرار الأمني والتحفيز الاقتصادي. ويعكس انضمام خبراء الاقتصاد والطاقة والقانون الدولي إلى الوفد اللبناني إدراكًا بأن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالًا من إدارة تداعيات الحرب إلى معالجة آثارها الاقتصادية والاجتماعية، بما يفتح المجال أمام إعادة تنشيط الاقتصاد اللبناني واستقطاب الاستثمارات الدولية وفي هذا السياق، ترى الولايات المتحدة أن نجاح أي تسوية سياسية يتطلب إطلاق برامج واسعة لإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتحسين البنية التحتية والخدمات العامة، وتهيئة بيئة اقتصادية مستقرة تقلل من احتمالات عودة التوتر إلى الجنوب اللبناني. كما عاد ملف الحدود البحرية إلى واجهة النقاش، ليس بهدف إعادة التفاوض على اتفاق ترسيم الحدود، وإنما لمعالجة القضايا التقنية العالقة، وفي مقدمتها المنطقة المحاذية لرأس الناقورة وبعض الجوانب المرتبطة بخط الطفافات، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل عمليات التنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية.

وتنظر واشنطن إلى قطاع الطاقة باعتباره أحد أهم أدوات تثبيت الاستقرار، انطلاقًا من أن نجاح لبنان في استثمار موارده الطبيعية يمكن أن يسهم في تحسين أوضاعه الاقتصادية ويعزز قدرة الدولة على بسط سلطتها في المناطق الحدودية، كما يشجع الشركات الدولية على استئناف أعمال الاستكشاف والاستثمار في شرق البحر المتوسط. وفي المقابل، تبدي بعض القوى السياسية اللبنانية تحفظات على الربط بين مشروعات الطاقة والترتيبات الأمنية، خشية أن يتحول ذلك إلى مدخل لتوسيع أشكال التعاون غير المباشر مع إسرائيل أو إلى وسيلة لفرض تنازلات سياسية تحت غطاء التنمية الاقتصادية. ويؤكد هذا الواقع أن نجاح جولة روما لن يتوقف فقط على معالجة الملفات الأمنية، وإنما سيتحدد أيضًا بقدرة الوسطاء على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن، واحترام السيادة اللبنانية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، واستثمار الموارد الاقتصادية بصورة تحقق مصالح جميع الأطراف دون المساس بالثوابت الوطنية وفي ضوء ذلك، تبدو مفاوضات روما بداية لمسار طويل قد يعيد رسم قواعد العلاقة بين لبنان وإسرائيل خلال السنوات المقبلة، ويحدد مستقبل الأمن والحدود والطاقة والتنمية في جنوب لبنان، بما يجعل نتائجها ذات تأثير يتجاوز حدود الأزمة الراهنة إلى إعادة تشكيل معادلات الاستقرار في منطقة شرق المتوسط بأكملها.

خاتماً: تمثل جولة روما نقطة تحول في طبيعة المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل بعدما انتقلت من التركيز على تثبيت وقف إطلاق النار إلى البحث في صياغة ترتيبات شاملة لمرحلة ما بعد الحرب، تجمع بين الأمن والحدود والطاقة وإعادة الإعمار ضمن إطار تفاوضي واحد. ويعكس هذا التحول رغبة أمريكية في بناء منظومة أكثر استدامة للاستقرار، تقوم على المزج بين الضمانات الأمنية والحوافز الاقتصادية، بما يقلل احتمالات تجدد الصراع ويؤسس لواقع سياسي وأمني جديد في الجنوب اللبناني. وفي المقابل، لا تزال الفجوة واسعة بين الرؤية اللبنانية التي تتمسك بحماية السيادة الوطنية ورفض أي ترتيبات تمنح إسرائيل أدوارًا دائمة داخل الأراضي اللبنانية، والرؤية الإسرائيلية التي تسعى إلى تحويل نتائج الحرب إلى منظومة رقابة أمنية طويلة الأمد تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله.

وفي ضوء هذه المعطيات، فإن مستقبل المفاوضات سيظل مرهونًا بقدرة الوسطاء على تحقيق توازن دقيق بين المتطلبات الأمنية والهواجس السيادية، وبين ضرورات إعادة الإعمار ومتطلبات التنمية الاقتصادية. كما أن نجاح هذا المسار لن يقاس فقط بالتوصل إلى تفاهمات أمنية، بل بقدرته على خلق بيئة مستقرة تسمح بإطلاق مشاريع التنمية واستثمار الموارد الطبيعية واستعادة النشاط الاقتصادي، بما يرسخ الاستقرار في جنوب لبنان ويحد من فرص العودة إلى دوامة المواجهات العسكرية، ويجعل من مفاوضات روما محطة مفصلية في إعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

 

المصدر: عربي بوست

التاريخ : 4/8/2026

-----------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: موقع مصراوي

الكاتب : عبدالله محمود

التاريخ : 4/8/2026


المقالات الأخيرة