يبدو أن عالمنا اليوم قد تجاوز فكرة التعامل مع الأمن السيبراني بوصفه مسؤولية محصورة في حدود الدولة الواحدة، أو قضية تقنية بحتة تهم المتخصصين فقط. فالأمن السيبراني هو ممارسة حماية أجهزة الكمبيوتر والشبكات وتطبيقات البرامج والأنظمة المهمة والبيانات من التهديدات الرقمية المحتملة. لكن هذه الممارسة، رغم كونها تقنية في جوهرها، باتت قضية وجودية تمس الأفراد والمؤسسات والأمم، بل وتؤثر في المنظومة الاقتصادية العالمية برمتها.
تشير التقديرات الحالية إلى أن الخسائر الناتجة عن الجرائم السيبرانية قد تصل إلى 10.5 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2025، مقارنةً بخسائر بلغت ثلاثة تريليونات دولار في عام 2015؛ ويعكس هذا الارتفاع الكبير تصاعد وتيرة الهجمات السيبرانية. هذا الواقع يجعل من الأمن السيبراني أولوية قصوى ليس فقط للدول المتقدمة، بل للعالم النامي أيضًا. ومع ذلك، يظل غياب هيئة تنظيمية دولية للأمن السيبراني عاملًا يشجع على النهج الوطنية المنعزلة، إذ لا تزال معظم الدول تنظر إلى الأمن السيبراني كمشكلة وطنية، لا دولية.
هذه الورقة تطرح سؤالاً جوهريًا: هل يمكن اعتبار الأمن السيبراني "سلعة عامة دولية"؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو النموذج التمويلي المناسب لطبيعته العالمية؟ تهدف الورقة إلى تقديم نموذج مقترح للتمويل الجماعي الذاتي، مستلهمًا من تجارب ناشئة مثل صندوق "Common Good Cyber"، وأطر نظرية مثل "السلع العامة" في الاقتصاد الدولي.
2. تحليل مفهومي: لماذا يُعد الأمن السيبراني سلعة عامة دولية؟
في النظرية الاقتصادية، تُعرَّف السلعة العامة بأنها سلعة تتميز بعدم الاستبعاد (أي لا يمكن حرمان أي فرد من الاستفادة منها بمجرد توفيرها) وعدم التنافسية (أي أن استهلاك فرد واحد لا يقلل من قدرة الآخرين على الاستفادة منها). عندما تمتد هذه الخصائص إلى المستوى العالمي، تصبح السلعة "سلعة عامة دولية" (Global Public Good). بالنظر إلى الأمن السيبراني، نجد أنه يفي بهاتين الخاصيتين:
عدم الاستبعاد: بمجرد تأمين شبكة أو نظام معين ضد هجوم سيبراني، تستفيد منه جميع الأطراف المتصلة بهذا النظام، حتى أولئك الذين لم يساهموا في تمويل تدابير الأمن هذه.
عدم التنافسية: استفادة فرد أو دولة من الأمن السيبراني لا تمنع الآخرين من الاستفادة منه أيضًا. بل على العكس، فكلما زاد عدد الكيانات المتمتعة بمستوى عالٍ من الأمن السيبراني، قلّت نقاط الضعف التي يمكن للقراصنة استغلالها لشن هجمات على الآخرين.
هذا التحليل يتماشى مع ما صرّح به الأمين العام السابق للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي دعا إلى الحفاظ على الإنترنت كسلعة عامة عالمية، مؤكدًا أن "هذا لن يكون ممكنًا إلا إذا أعدنا التفكير في هياكل حوكمة الإنترنت". كما أشارت منظمات دولية مثل "التحالف السيبراني العالمي" (Global Cyber Alliance) في إسهاماتها في الميثاق الرقمي العالمي إلى أنه "بسبب دورها الأساسي، ينبغي إدارة الأمن السيبراني كسلعة عامة عالمية".
تتجلى الأهمية العملية لهذا الطرح في حقيقة أن التهديدات السيبرانيّة لا تعترف بالحدود الوطنية. فالفيروسات وبرامج الفدية والهجمات الإلكترونية الأخرى تنتشر عبر القارات في غضون ساعات، مما يجعل التعامل معها مجرد "مشكلة وطنية" غير مجدٍ. العجز السيبراني في دولة ما هو بمثابة ثغرة في جدار حماية العالم الرقمي بأسره.
3. فجوة التمويل العالمية: أزمة الاستدامة ومحدودية النماذج التقليدية
لكن، إذا كان الأمن السيبراني سلعة عامة دولية، فإن آليات تمويله الحالية تعاني من قصور بنيوي. تعتمد معظم الدول على ميزانياتها الوطنية لتوفير الأمن السيبراني لشبكاتها وبنيتها التحتية الحيوية. وهذه الميزانيات، رغم ضخامتها أحياناً، لا تكفي وحدها لمواجهة التهديدات المتطورة باستمرار. وتشير البيانات إلى أن المؤسسات المالية، التي تعد الأكثر استهدافًا، شهدت في عام 2023 زيادة حادة بنسبة 72% في حالات تسرب البيانات مقارنة بالعام السابق، مما يعكس عدم كفاية الإجراءات الأمنية والتدابير الوقائية على الرغم من الميزانيات الكبيرة المرصودة.
أما على مستوى القطاع غير الربحي، الذي يلعب دورًا صامتًا لكنه حيوي في الحفاظ على أمن الإنترنت، فإن الوضع أكثر خطورة. فمنظمات مثل هيئات تطوير المعايير ومشاريع البرمجيات مفتوحة المصدر وفرق الاستجابة لحوادث الطوارئ الحاسوبية (CERTs)، التي تقدم خدمات أمنية للمصلحة العامة، تعاني من نقص مزمن في التمويل. وتظهر بيانات "النظرة المستقبلية للأمن السيبراني العالمي 2026" الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) أن فجوة القدرات السيبرانية لا تزال عميقة وغير متكافئة عبر المناطق والقطاعات وأحجام المؤسسات، مما يخلق مخاطر نظامية تتجاوز الكيانات الفردية. كما يعاني قطاع المنظمات غير الربحية من نقص في الخبرات السيبرانية، حيث يُصنف هذا النقص كثاني أكبر تحدٍ في مجال المرونة لهذا القطاع (51%).
هذا الواقع يضع العالم أمام مفارقة خطيرة: تهديدات تتسع وتتعقد، وموارد تمويلية تتجزأ وتقل. وقد نشأت عن هذه الفجوة مبادرات رائدة، أهمها "صندوق الأمن السيبراني للمصلحة العامة" (Common Good Cyber Fund)، الذي يمثل نموذجًا أوليًا للتمويل الجماعي الذي تسعى هذه الورقة إلى تأصيله وتطويره.
4. النموذج المقترح: التمويل الجماعي الذاتي كآلية لسد الفجوة
4.1 مبررات النموذج: من العطاء الخيري إلى الاستثمار الذاتي المستدام
يعتمد التمويل الجماعي الذاتي على فكرة أساسية مفادها أن الكيانات المستفيدة من الأمن السيبراني (حكومات، شركات، مؤسسات مجتمع مدني) ينبغي أن تساهم في تمويله بشكل مباشر ومنتظم، بدلاً من الاعتماد على التبرعات أو الميزانيات الحكومية المتقطعة. وهذا النموذج يستلهم آليتين رئيسيتين:
1. نموذج "صندوق الأمن السيبراني للمصلحة العامة" (Common Good Cyber Fund): الذي أطلقته كل من جمعية الإنترنت (Internet Society) والتحالف السيبراني العالمي (GCA)، وهو أول آلية تمويل عالمية مخصصة لدعم المنظمات غير الربحية التي تقدم خدمات سيبرانية أساسية للمصلحة العامة. وقد حظي هذا الصندوق بدعم من حكومات (المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، وهولندا) ومنظمات خيرية (مثل Craig Newmark Philanthropies). ويخطط الصندوق لضخ ما لا يقل عن 3.5 مليون دولار سنويًا في شكل منح لمدة عامين.
2. نموذج "التأمين التعاوني": وهو نموذج هجين يجمع بين مساهمات التأمين الخاصة والاستثمار الحكومي في القدرات السيبرانية الوطنية. هذا النموذج يقلل التكاليف على المشاركين الأفراد مع ضمان تغطية كافية للثغرات عالية التأثير التي تمس المصالح الوطنية. يمكن لهذا النموذج أن يخلق تمويلًا مستدامًا للأبحاث الأمنية الأكاديمية والبنى التحتية الحيوية.
4.2 مكونات النموذج وآلية العمل: هيكل ثلاثي الطبقات
بناءً على هذه المبررات، يقترح المقال نموذجًا ثلاثي الطبقات للتمويل الجماعي الذاتي:
الطبقة الأولى (التمويل المؤسسي الإجباري): تُخصص نسبة مئوية (مثلاً 0.5%) من حجم أعمال الشركات الكبرى في قطاعات البنية التحتية الحيوية (الاتصالات، الطاقة، المالية، النقل) لصالح صندوق سيبراني عام دولي. هذه المساهمة تكون إجبارية، وتُحتسب ضمن تكاليف الامتثال التنظيمي. وتكون نسبتها مرتفعة في القطاعات الأكثر عرضة للهجمات.
الطبقة الثانية (التمويل الاختياري المحفز): تُمنح حوافز ضريبية للشركات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات غير الربحية التي تساهم طواعية في الصندوق. كما يمكن إنشاء نظام "شهادات الأمن السيبراني" للمؤسسات التي تثبت التزامها بالمعايير الدولية، مما يعزز سمعتها وثقة عملائها.
الطبقة الثالثة (التمويل المجتمعي الموزع): يُخصص جزء من عوائد "ضريبة الأمن السيبراني" على الخدمات الرقمية (مثل خدمات التخزين السحابي، منصات التواصل الاجتماعي) لدعم مشاريع الأمن السيبراني مفتوحة المصدر والتدريب المجتمعي. يمكن أيضًا إطلاق حملات تمويل جماعي (Crowdfunding) لتمويل استجابات عاجلة لهجمات سيبرانية كبرى.
آلية العمل: يدير الصندوق هيئة دولية مستقلة تضم ممثلين عن الحكومات، القطاع الخاص، والمجتمع المدني (على غرار نموذج "المجلس الاستشاري الاستراتيجي" لصندوق Common Good Cyber الذي تقوده GCA). تُوزع الأموال عبر منح تنافسية، مع إلزام المستفيدين بتقديم تقارير سنوية عن أثر التمويل. كما يُنشأ نظام تتبع شفاف لتوزيع الأموال، يُتيح للمساهمين معرفة كيفية استخدام مساهماتهم.
5. التحديات والإمكانيات: نحو حوكمة عالمية فاعلة
5.1 التحديات: القانون، الحوافز، والثقة
يواجه النموذج المقترح جملة من التحديات العملية والقانونية:
السيادة الوطنية: قد ترفض الدول فرض مساهمات مالية إلزامية، معتبرة أنها انتهاك لسيادتها على ميزانياتها. الحل يكمن في البدء بنموذج طوعي موسع، ثم الانتقال التدريجي نحو اتفاقيات دولية متعددة الأطراف.
الرقابة والشفافية: تحتاج آلية الصندوق إلى أعلى مستويات الشفافية والتدقيق المستقل لضمان عدم إساءة استخدام الأموال أو توجيهها نحو أهداف سياسية. وقد أظهرت دراسات أن المنظمات غير الربحية في مجال الأمن السيبراني تنفق حاليًا ما يصل إلى 30%من ميزانياتها على جمع التبرعات بدلاً من مهمتها الأساسية، مما يؤكد الحاجة إلى نموذج أكثر كفاءة.
حوافز المشاركة: يجب تصميم الحوافز بعناية لضمان مشاركة جميع الأطراف. قد تحتاج الشركات الكبرى إلى حوافز أقوى من مجرد خصم ضريبي، مثل الأولوية في الوصول إلى معلومات استخباراتية عن التهديدات أو المشاركة في صنع القرار داخل الصندوق.
5.2 الإمكانيات: التكامل مع أهداف التنمية المستدامة وأمن المجتمعات الضعيفة
على الجانب الآخر، يفتح النموذج آفاقًا واسعة للتكامل مع الأجندات الدولية الكبرى:
أهداف التنمية المستدامة (SDGs): الأمن السيبراني هو ركيزة أساسية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث تعتمد مختلف القطاعات (الصحة، التعليم، الاقتصاد، الطاقة المتجددة) على الأنظمة الرقمية. نموذج التمويل الجماعي الذاتي يمكن أن يكون آلية لتمويل مشاريع الأمن السيبراني في الدول النامية، مما يساهم في سد الفجوة الرقمية وتحقيق العدالة الرقمية.
حماية المجتمعات الضعيفة: تُعد منظمات المجتمع المدني والنشطاء والصحفيين من الفئات الأكثر عرضة للهجمات السيبرانية، وغالبًا ما تفتقر إلى الموارد اللازمة لحماية نفسها. يمكن للنموذج أن يخصص جزءًا من أمواله لتوفير خدمات أمنية مجانية أو مدعومة لهذه الفئات، مما يعزز مبادئ حقوق الإنسان في الفضاء الرقمي.
6. الدليل والدعم: من النظرية إلى التطبيق
تقدم هذه الورقة ثلاثة خطوط من الأدلة لدعم النموذج المقترح:
1. الدليل الإحصائي: التكاليف المتوقعة للجرائم السيبرانية (10.5 تريليون دولار سنويًا)، والتي تتجاوز بكثير الاستثمارات الحالية في الوقاية. هذا يشير إلى أن الاستثمار في الوقاية هو استثمار ذو عائد اقتصادي كبير.
2. الدليل من المبادرات الناشئة: صندوق Common Good Cyber، رغم حداثته (تم إطلاقه في 2025) ، يمثل دليلاً على قابلية تطبيق النموذج. توقف تمويل برامج حيوية مثل برنامج MITRE CVE (الذي يدير قاعدة بيانات الثغرات الأمنية الشائعة) بسبب نقص التمويل يؤكد الحاجة الملحة لنماذج تمويل مستدامة.
3. الدليل من القطاع الخاص: إعلان مؤسسات خيرية مثل Craig Newmark Philanthropies عن التزام بأكثر من 50 مليون دولار لدعم تحالف المنظمات المكرسة للأمن السيبراني المدني يُظهر أن القطاع الخاص مستعد للاستثمار في هذه النماذج إذا توفرت الشفافية والأثر القابل للقياس.
7. الخاتمة والتوصيات
يُمثل الأمن السيبراني، بطبيعته العابرة للحدود، تحديًا وجوديًا للعالم الرقمي. وهذا التحدي، رغم ضخامته، لا يمكن مواجهته بالآليات التقليدية للتمويل الوطني المحدود. هذه الورقة قدمت حجة مفادها أن الأمن السيبراني هو سلعة عامة دولية حقيقية، وأن التحول نحو نموذج التمويل الجماعي الذاتي ليس مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية.
لكن، نجاح هذا النموذج يتطلب إرادة سياسية دولية، وتعاونًا بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني. ولتحقيق ذلك، نوصي بما يلي:
1. لصانعي السياسات: البدء في حوار دولي حول إطار تنظيمي لتوحيد معايير الأمن السيبراني وإنشاء آليات تمويل جماعية طوعية، تتطور تدريجيًا نحو أنظمة أكثر إلزامًا.
2. للمجتمع الدولي: دعم وتوسيع مبادرات مثل Common Good Cyber Fund، وتشجيع انضمام المزيد من الدول والشركات الكبرى إليها، مع ضمان الشفافية الكاملة في إدارة الأموال.
3. للباحثين والأكاديميين: دراسة تجارب التمويل الجماعي في مجالات أخرى (مثل الصحة العالمية والمناخ) للاستفادة من دروسها في تطوير نماذج أكثر فعالية للأمن السيبراني.
4. للقطاع الخاص: تبني مفهوم "المسؤولية السيبرانية المشتركة" من خلال تخصيص نسبة من أرباحها لتمويل الأمن السيبراني للمصلحة العامة، والاستثمار في الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتعزيز البنية التحتية السيبرانية الحيوية.
في النهاية، الأمن السيبراني ليس مجرد برنامج حماية، بل هو استثمار في مستقبل آمن ومستدام للجميع. والتمويل الجماعي الذاتي قد يكون المفتاح لفتح هذا المستقبل.
المراجع:
الخوري، علي محمد. (2025). "الاقتصاد العالمي والأمن السيبراني"، مجلة مفكرو الإمارات، متاح على: https://arab-digital-economy.org/?p=10672. .
دليل "تقييمات مخاطر الأمان السيبراني لمنظمات المجتمع المدني والمؤسّسات الإعلاميّة". (د.ت). مركز 7amleh للحقوق الرقمية، متاح على: https://dsc.7amleh.org/guide/tqyymat-mkhatr-alaman-alsybrany-lmnzmat-almjtme-almdny-walmws-sat-alielamy-t. .
