بعد عقد من التراجع النسبي، عادت القرصنة البحرية إلى الواجهة بقوة منذ عام 2025، لكن هذه المرة في سياق جيوسياسي وأمني أكثر تعقيدًا وتشابكًا. لم تعد التهديدات البحرية تقتصر على عصابات القراصنة التقليدية، بل تطورت إلى نمط من "الابتزاز البحري" يندرج ضمن ما يمكن تسميته "اقتصاد الإكراه"، حيث تُستخدم التهديدات المسلحة والقدرة على تعطيل الملاحة كأداة ضغط جيوسياسي واقتصادي. وفقًا لتقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) الصادر في مايو 2026، استولى القراصنة المدعومون من جهات إقليمية فاعلة على أربع سفن في غضون أسابيع فقط قبالة سواحل الصومال واليمن، مطالبين بفديات وصلت إلى عشرة ملايين دولار لكل سفينة كبرى، مما يعيد إلى الأذهان ذروة موجة القرصنة بين عامي 2010 و2011 التي كلّفت الاقتصاد العالمي سبعة مليارات دولار في عام واحد فقط.
هذا التصاعد المتزامن لأنشطة القرصنة مع الاضطرابات السياسية في اليمن والقرن الأفريقي يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية الأطر القانونية والأمنية القائمة لمواجهة التهديدات المتجددة. فبينما نجح التحالف البحري الدولي سابقًا في خفض وتيرة القرصنة بفضل الدوريات المكثفة والحراسة المسلحة على متن السفن، فإن الظروف الراهنة — التي تتسم بتحول الانتباه الدولي نحو صراعات أخرى، وضعف الحوكمة في المناطق الساحلية، وبروز أنماط تمويل غير مشروعة — تستدعي مراجعة جذرية لآليات المواجهة التقليدية.
تتناول هذه الدراسة ثلاث قضايا رئيسية:
1. الثغرات القانونية في الاتفاقيات الدولية القائمة، وتحديدًا اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982(UNCLOS)، والتي تفتقر إلى تعريف دقيق للجرائم السيبرانية البحرية وآليات إنفاذ ملزمة في المياه الإقليمية للدول الهشة.
2. الثغرات الأمنية والتنفيذية المرتبطة بضعف التنسيق الإقليمي بين الدول العربية، وتضارب المصالح في الممرات الحيوية، وانشغال القوى الكبرى بأولويات أخرى.
3. إطار مقترح لبروتوكول إقليمي عربي يعالج هذه الثغرات، مستفيدًا من تجارب ناجحة كبروتوكول مكافحة القرصنة لدول مجلس التعاون الخليجي والإطار القاري الأفريقي (Agenda 2063) في حوض المحيط الهندي.
تنطلق فرضية البحث الأساسية من أن غياب إطار قانوني إقليمي ملزم يوحّد تعريف الجريمة وآليات الردع والمحاكمة هو العامل الأهم في عجز المجتمع الدولي عن ردع الموجات المتجددة للقرصنة، وأن الحل الأمثل لا يكمن في تعديل اتفاقية UNCLOS (وهو مسار طويل وشائك كما توضح أدبيات الحوكمة البحرية الحديثة)، بل في بناء منظومة تعاقدية إقليمية متخصصة، تعمل كآلية تطبيقية مكملة وليست بديلة.
ثانيًا: الثغرات القانونية في مواجهة الإكراه البحري
2.1 نُدرة التعريف الدقيق للجرائم البحرية المستجدة
على الرغم من أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982 تُشكّل المرجعية الأساسية لتنظيم الأنشطة البحرية، إلا أن المادة 101 منها، التي تُجرّم القرصنة، لم تضع تعريفًا دقيقًا يمكن تطبيقه على أشكال الابتزاز البحري المستجدة. تشير أدبيات القانون الدولي إلى أن الاتفاقية اكتفت بذكر الأفعال المكوّنة للجريمة دون أن تضع معايير واضحة للتمييز بين القرصنة التقليدية والأعمال الإرهابية أو العمليات السيبرانية العدائية في الفضاء البحري. وقد بات هذا الغموض التشريعي أكثر إشكالية في ظل التحول الرقمي للقطاع البحري، إذ كشف بحث Jinوزملائه (2025) أن أكثر من 95% من حركة البيانات عبر المحيطات تعتمد على كابلات الألياف البصرية البحرية، مما يجعلها هدفًا هشًّا أمام الهجمات السيبرانية، غير أن UNCLOS لا تحتوي على أي تعريف صريح لـ"الجريمة السيبرانية البحرية"، ما يخلق فجوة أساسية في القانون الدولي.
تتفاقم هذه المعضلة مع غياب الإجماع حول ما إذا كانت الهجمات السيبرانية – كاختراق أنظمة الملاحة أو تعطيل الموانئ الذكية – تخضع لنفس قواعد "استخدام القوة" المنصوص عليها في المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة. ويُجمع الباحثون في مجال الحوكمة البحرية على أن آليات الإنفاذ الحالية غير مؤهلة لمعالجة العمليات العدائية التي تنفذها جهات تابعة للدول أو غير حكومية في الفضاء السيبراني البحري.
2.2 غياب آليات تسليم ومحاكمة ملزمة
تتمثل إحدى أهم الثغرات الهيكلية في اتفاقية UNCLOSفي غياب آلية واضحة وملزمة لمحاكمة المتهمين بأعمال القرصنة البحرية. في العادة، تعتمد الدول التي تحتجز القراصنة – غالبًا من قبل القوات البحرية الغربية العاملة في المنطقة – على القوانين الوطنية لمحاكمة المعتقلين، في حال وجود إرادة سياسية لذلك. هذا التشتت القضائي لا يُنتج ردعًا حقيقيًا، بل يُفضي إلى حالات عديدة من الإفراج عن القراصنة لعدم كفاية الأدلة وفق القانون المحلي، أو لعدم توفر إطار قانوني يجرم الفعل بالشكل الذي يُراعِي تعقيدات الابتزاز البحري. يتطلب إنشاء آلية محاكمة إقليمية دائمة في المنطقة العربية، مرجعية قانونية واضحة تعترف بها جميع الدول، وهو ما لا يتوفر حاليًا.
2.3 ثغرات التمويل غير المشروع وتجريم الدعم اللوجستي
عادةً ما تركّز النصوص القانونية الدولية على تجريم فعل الاختطاف والاحتجاز نفسه، لكنها تهمل تتبع شبكات التمويل والدعم اللوجستي التي تمكّن عصابات القرصنة من الاستمرار. في السياق الحالي للبحر الأحمر وخليج عدن، تشير تقارير استخباراتية إلى أن القراصنة الصوماليين يتلقون دعمًا من جهات فاعلة إقليمية، بما في ذلك توفير المعلومات الاستخباراتية والأسلحة والملاذات الآمنة. هذه الظاهرة تضع القرصنة في خانة "الجريمة المنظمة عبر الوطنية" أكثر مما هي "نشاط إجرامي محلي". غير أن صكوك مكافحة الجريمة المنظمة التابعة للأمم المتحدة (كـ UNTOC) لا تتضمن نصوصًا محددة للجرائم البحرية، مما يُبقي مسألة تجريم الدعم غير المباشر معلّقة في منطقة رمادية قانونية.
2.4 فجوات الولاية القضائية في المياه الإقليمية للدول الهشة
إذا كانت اتفاقية UNCLOS تمنح الدول حقوقًا سيادية في مياهها الإقليمية (حتى 12 ميلًا بحريًا)، فإن ضعف مؤسسات الدولة – كما هو الحال في الصومال واليمن – يُفرغ هذه الحقوق من محتواها العملي، ويخلق فراغًا أمنيًا تستغله عصابات القرصنة. لا توجد في القانون الدولي آلية واضحة للتعامل مع حالات "الدولة الفاشلة بحريًا"، حيث تكون الحكومة الشرعية غير قادرة على حماية الملاحة في مياهها الإقليمية أو ملاحقة الجناة. الوضع المعقد في مضيق باب المندب يجسد هذه المعضلة بوضوح: فقد شهد هذا المضيق، الذي يمرّ عبره ما يصل إلى 8.8 ملايين برميل من النفط يوميًا قبل الأزمة، انخفاضًا حادًا في حركة الملاحة التجارية نتيجة للتوترات الأمنية, لكن غياب آليات التدخل القانوني الواضحة حال دون معالجة جذرية للفراغ الأمني.
ثالثًا: الثغرات الأمنية والتنفيذية في المنطقة العربية
3.1 غياب التنسيق الإقليمي الفاعل على المستوى العملياتي
على الرغم من وجود أطر تعاون إقليمية كمجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية، فإن غياب آلية عملياتية موحدة لمواجهة الابتزاز البحري يُعد عائقًا رئيسيًا أمام الردع الفاعل. تفتقر المنطقة العربية إلى منظومة إنذار مبكر مشتركة للتهديدات البحرية، وقاعدة بيانات موحّدة لتحليل أنماط حركة القراصنة، وعمليات دورية بحرية مدمجة تعكس التزامًا سياسيًا جماعيًا. وعلى الرغم من أن بعض دول الخليج بدأت في تطوير أساطيلها الوطنية وتبني تقنيات ذكاء اصطناعي مثل مبادرة "الموانئ الذكية" السعودية ومشروع "ساتغيت" الإماراتي، فإن هذه الجهود تبقى فردية وغير موحدة على المستوى الإقليمي، مما يسمح للقراصنة بالتنقل بين المناطق الأقل حراسة.
3.2 الفجوة بين القدرات الأمنية والتهديدات المتطورة
ساهمت الجهود الدولية طوال العقد الماضي في خفض معدلات القرصنة بشكل كبير بفضل وجود قوات بحرية متعددة الجنسيات (كعملية "أتلانتا" الأوروبية وقوة المهام المشتركة 151). لكن مع تحول الاهتمام الدولي نحو صراعات جديدة (كالحرب في أوكرانيا وتصعيد التوترات في شرق آسيا) ونقل أصول بحرية غربية إلى مسارح أخرى، عاد النشاط القرصاني للارتفاع من 6 حوادث في 2023إلى 22 حادثة في 2024 وحده. هذا التراجع في الوجود البحري الدولي خلق فراغًا أمنيًا استغله القراصنة بسرعة. وفي الوقت نفسه، فشلت القدرات البحرية العربية المحلية منفردة في سد هذا الفراغ، مما يُظهر حاجة ملحّة إلى منظومة إقليمية مكتفية ذاتيًا لا تعتمد بشكل حصري على الضمانات الأمنية الخارجية.
3.3 ثغرات تبادل المعلومات الاستخباراتية
العديد من أنشطة الابتزاز البحري كان يمكن منعها أو إحباطها باكرًا لو توفرت بنية تحتية أمنية تسمح بتبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي بين الدول العربية. لكن غياب الثقة السياسية بين بعض الدول، وتضارب المصالح الجيوسياسية، وعدم وجود إطار مؤسسي ملزم، يحول دون تحقيق هذا المستوى من التعاون. من المهم التمييز هنا بين تبادل المعلومات العملياتية (كموقع السفن المختطفة) وتبادل المعلومات الاستخباراتية التحليلية(كشبكات التمويل ومراكز القيادة)، فبينما قد يكون النوع الأول ممكنًا من خلال قنوات عسكرية ثنائية، يظل النوع الثاني عُرضة للانسداد السياسي. علاوة على ذلك، يعتمد نجاح أي عملية تحرير رهائن على دقة المعلومات الاستخباراتية الميدانية، وهو ما يستدعي شراكة وثيقة مع المجتمعات الساحلية المحلية ومؤسسات الحكم في الدول الهشة. لقد أظهرت تجارب سابقة أن غياب هذه الشراكةالمحلية يُفشل حتى أكثر العمليات البحرية تقدمًا من الناحية التقنية.
3.4 ضعف الحوكمة البرية في المناطق الساحلية الهشة
تمثل المناطق الساحلية الممتدة من القرن الأفريقي إلى اليمن "بيئة حاضنة" لأنشطة القرصنة والابتزاز البحري. تتفاعل عدة عوامل معًا: الفقر والبطالة بين المجتمعات الساحلية، الصيد الجائر الذي يدفع الصيادين نحو الأنشطة غير المشروعة كبديل للرزق، غياب خدمات الشرطة والقضاءالفاعلة على الأرض، وتغلغل شبكات الجريمة المنظمة في مؤسسات الحكم المحلي. هذه المعضلة تشير إلى أن الحل العسكري وحده (الذي كان ناجحًا نسبيًا في ردع الموجة الأولى) غير كافٍ لمواجهة جذور المشكلة، مما يُبرز الحاجة إلى تكامل الجهود الأمنية مع برامج التنمية الاجتماعية وبناء مؤسسات حوكمة محلية قادرة على فرض سيادة القانون في هذه المناطق.
رابعًا: نحو بروتوكول إقليمي عربي للتصدي للابتزاز البحري: الملامح والمحتوى
بناءً على التحليل السابق للثغرات القانونية والأمنية، تطرح الدراسة إطارًا مقترحًا لبروتوكول إقليمي عربي يهدف إلى معالجة هذه الإشكاليات بشكل منهجي. يُستلهم هذا المقترح من تجارب إقليمية ناجحة، أبرزها اتفاقية جيبوتي لمكافحة القرصنة (2009) في شرق أفريقيا، والبروتوكول الخاص بمكافحة القرصنة في خليج غينيا (2013)، واستراتيجيات مجلس التعاون الخليجي للأمن البحري. كما يستفيد من الإطار الذي اقترحه عدد من الباحثين عبر "تعزيز التعاون الإقليمي وتنسيق الجهود بين الدول العربية في مجال الأمن البحري ومكافحة القرصنة".
4.1 الأهداف الاستراتيجية للبروتوكول
1. سد الثغرات القانونية عبر صياغة تعريف موحّد ودقيق لجرائم "الابتزاز البحري" و"الإكراه البحري"، يشمل الأنشطة المباشرة وغير المباشرة (التمويل والدعم اللوجستي والاستخباراتي).
2. بناء آلية قضائية إقليمية تتولى محاكمة المتهمين بأعمال القرصنة والابتزاز، تتخذ من إحدى المدن العربية مقرًا دائمًا لها، وتعمل بنظام قضائي مستقل بالتعاون مع المنظمات الدولية ذات الصلة.
3. تأسيس مركز عمليات أمني بحري عربي دائم يجمع الغرف العملياتية للقوات البحرية العربية، وينشئ قاعدة بيانات مركزية لأنماط التهديدات وحوادث القرصنة.
4. إنشاء وحدة استخباراتية إقليمية بحرية تعمل على تبادل وتحليل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي حول تحركات القراصنة وشبكات التمويل، مع وضع بروتوكولات صارمة لحماية أمن المعلومات.
5. تطوير إطار للتعاون التنموي في المناطق الساحلية الهشة (كالصومال واليمن والسودان) بالشراكة مع برامج الأمم المتحدة الإنمائية، بهدف تجفيف منابع التجنيد للقرصنة عبر توفير بدائل اقتصادية مستدامة.
4.2 المبادئ الحاكمة
يستند البروتوكول إلى مجموعة من المبادئ الأساسية التي تضمن فاعليته وشرعيته:
- مبدأ الولاية القضائية التكميلية: للبروتوكول ولاية قضائية على جرائم الابتزاز البحري في حال كانت الدولة الساحلية غير قادرة أو غير راغبة في ملاحقة الجناة، مع احترام السيادة الوطنية.
- مبدأ عدم التمييز في الملاحة: تُطبّق آليات الحماية على جميع السفن العابرة للمنطقة بغض النظر عن جنسيتها أو علمها، ضمانًا لحياد الإجراءات وحماية حرية الملاحة.
- مبدأ التناسب في استخدام القوة: تُحدّد قواعد اشتباك واضحة ومتفق عليها بين الأطراف الموقعة لضمان عدم تجاوز التدخل العسكري الحدود القانونية والإنسانية.
- مبدأ الشفافية والمساءلة: يُلزم البروتوكول الدول الموقعة بتقديم تقارير دورية عن نشاطاتها في مكافحة القرصنة إلى هيئة إقليمية رقابية.
4.3 آلية التنفيذ وهيكل القيادة
يُقترح هيكل تنفيذي ثلاثي المستويات لضمان فعالية البروتوكول:
المستوى الكيان المقترح المهام الرئيسية
السياسي مجلس وزراء الدفاع والداخلية العرب (يجتمع كل 6 أشهر) | إقرار الاستراتيجيات العامة، حل النزاعات بين الدول الأعضاء، الموافقة على الميزانيات.
الأمني التشغيلي غرفة العمليات البحرية العربية المركزية التخطيط للدوريات المشتركة، تنفيذ قرارات الاعتراض والتحرير، تنسيق تبادل المعلومات في الوقت الفعلي.
| القضائي | المحكمة البحرية العربية (موقع مقترح: القاهرة أو جدة) محاكمة المتهمين بجرائم الابتزاز البحري، إصدار مذكرات توقيف وتسليم إقليمية، تقديم الرأي القانوني الاستشاري.
4.4 آليات تنفيذ مقترحة في البروتوكول
1. آلية طلب المساعدة البحرية العاجلة: تُنشئ البروتوكول قناة اتصال مباشرة بين غرف العمليات الوطنية والغرفة المركزية لطلب الدعم العاجل عند وقوع حادثة قرصنة، مع تحديد أقصى زمن للاستجابة.
2. آلية تبادل المعلومات الاستخباراتية: يُلزم البروتوكول الدول الموقعة بتزويد المركز بمعلومات فورية حول أي أنشطة اشتباهية، مقابل منحها حق الوصول إلى التحليلات المركزية.
3. آلية تسليم المطلوبين: تُحدّد البروتوكول أحكامًا واضحة وموجزة لتسليم المتهمين بين الدول العربية، متجاوزةً التعقيدات الإجرائية الطويلة التي تعيق تسليم المجرمين عبر الحدود.
4. آلية الرصد والامتثال: يُنشأ نظام رصد دوري لتقييم امتثال الدول الأعضاء لالتزاماتها، مع عقوبات تدريجية تصل إلى تقييد حق التصويت في اجتماعات البروتوكول.
5. آلية التمويل المشترك: يُقتَرح إنشاء "صندوق الأمن البحري العربي" بنظام حصص عادلة يراعي قدرة الدول الأعضاء الاقتصادية، لتمويل العمليات المشتركة وتعزيز القدرات البحرية للدول الأقل نموًا.
4.5 التوافق مع القانون الدولي
يُصمّم هذا البروتوكول كاتفاقية إقليمية بموجب الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة، مما يضمن توافقه الكامل مع اتفاقية UNCLOS ومجلس الأمن الدولي. يُقرّ البروتوكول بمركزية UNCLOS كإطار عام لقانون البحار، ولا يسعى إلى استبدالها أو تعديلها، بل إلى سد ثغراتها التنفيذية في سياق إقليمي محدد. هذا النموذج مطابق لما اقترحه أحدث الأبحاث في الحوكمة البحرية (مثل Buegeret al., 2025)، التي ترى أن حل التحديات الأمنية البحرية الراهنة لا يكمن في مراجعة UNCLOS الشاملة (وهو مسار يستغرق عقودًا ويواجه معارضة من قوى كبرى كالولايات المتحدة التي لم تصدق عليها بعد)، بل في تأسيس آليات إقليمية متخصصة ومعاهدات مكملة تعالج قضايا محددة. كما أن المقترح لا يتعارض مع ولاية المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS) أو غيرها من الهيئات القضائية الدولية, بل يعمل كطبقة إقليمية متخصصة ترفع العبء عن هذه المحاكم وتُسرّع إجراءات العدالة في المنطقة.
خامسًا:التوصيات
التوصيات
استنادًا إلى التحليل الذي أجرته هذه الدراسة، توصي الباحثة/الباحث بمجموعة من الإجراءات العملية التي تتوزع على مستويات متعددة، على النحو التالي:
أولًا: على المستوى الإقليمي العربي:
- تبني مشروع البروتوكول العربي لمكافحة الابتزاز البحري بشكل عاجل عبر جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، مع السعي لتوقيعه خلال مؤتمر قمة عربية خلال عام 2027.
- إنشاء فريق عمل قانوني فني عربي متخصص لوضع الصياغة النهائية للبروتوكول خلال 12 شهرًا، بمشاركة خبراء من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، ومنظمة الأمم المتحدة للقانون الدولي.
- تخصيص ميزانية سنوية لا تقل عن 500 مليون دولار أمريكي لتمويل غرفة العمليات البحرية العربية المشتركة وأنشطة تعزيز القدرات.
ثانيًا: على المستوى الثنائي ومتعدد الأطراف:
- توقيع اتفاقيات ثنائية بين الدول العربية والقوى الدولية الفاعلة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين) لدعم تنفيذ البروتوكول عبر نقل التكنولوجيا، بناء القدرات القضائية والأمنية، وتوفير الدعم الاستخباراتي.
- إشراك الهيئات القضائية الدولية (كمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية) في تدريب القضاة العرب على آليات المحاكمة البحرية المشتركة.
ثالثًا: على المستوى الوطني:
- على الدول العربية ذات السواحل الممتدة والأساطيل المتطورة (مثل السعودية والإمارات ومصر) أن تكون "دولًا رائدة" في توقيع البروتوكول وتنفيذه، وذلك لوضع نموذج يمكن للدول الأخرى أن تحذو حذوه.
- إجراء مراجعة شاملة للتشريعات الوطنية المتعلقة بالجرائم البحرية لضمان توافقها مع أحكام البروتوكول، مع سن قوانين جديدة تجرّم دعم القرصنة والابتزاز البحري بكل أشكاله.
- الاستثمار في بناء محاكم متخصصة في الجرائم البحرية لدى الدول الكبرى في المنطقة، مع تدريب القضاة وأعضاء النيابة على تعقيدات هذه الجرائم.
رابعًا: على المستوى التنموي:
- إطلاق شراكة إقليمية عربية - أممية للتنمية الساحلية المستدامة تستهدف المجتمعات الصيادة في الصومال واليمن والسودان، من خلال تمويل مشاريع صغيرة ومتوسطة، وتأهيل البنى التحتية الأساسية، ودعم مؤسسات الحكم المحلي.
- إنشاء آلية مراقبة للصيد غير المشروع في المياه الإقليمية العربية بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية (IMO)، للحد من المصادر الاقتصادية الدافعة نحو القرصنة.
خاتمة
لا يمكن اختزال ظاهرة الإكراه البحري المتجددة إلى مجرد عودة موجة قرصنة جديدة. إنها تنذر بتحول عميق في طبيعة التهديدات الأمنية في الممرات المائية الحيوية للإقليم، حيث تتداخل الجريمة المنظمة مع الصراعات الجيوسياسية وضعف الحوكمة، وتستغل الثغرات القانونية والإجرائيةالقائمة لتحقيق مكاسب غير مشروعة. لقد أظهرت تجارب العقدين الماضيين أن الحلول الأمنية الجزئية، مهما بلغت فاعليتها الظرفية، لا يمكنها أن تحقق ردعًا دائمًا دون إطار قانوني وتنظيمي متين يدعمها ويستمر بعد انصراف الأساطيل الدولية.
في هذا السياق، يمثل البروتوكول الإقليمي العربي المقترح أداة واعدة لمعالجة الفجوات القائمة، ليس فقط عبر تعزيز الجانب العسكري والأمني، بل أيضًا عبر ملء الفراغ القضائي والتشريعي الذي يُعد البيئة المواتية لاستمرار هذه الظاهرة. غير أن نجاح أي بروتوكول إقليمي يظل مرهونًا بإرادة سياسية عربية جماعية تضع الأمن المائي المشترك فوق الحسابات الضيقة، وبقدرة الدول العربية على بناء مؤسسات إقليمية دائمة وفاعلة تليق بحجم التهديدات التي تواجهها.
تأتي هذه الدراسة كمحاولة أولية لطرح هذا المقترح في الأوساط الأكاديمية والسياسية العربية، وتدعو الباحثين والخبراء والمتخصصين في القانون الدولي والأمن البحري إلى تطوير هذه الأفكار وبلورتها في صيغ عملية قابلة للتطبيق. ذلك أن مستقبل ممراتنا المائية الحيوية – بابالمندب وهرمز وقناة السويس وخليج عدن – ليس مجرد مسألة أمنية عابرة، بل هو جوهر الأمن الاقتصادي والوجودي لشعوب المنطقة بأكملها.
المراجع:
الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري (2020). الجرائم البحرية وطرق مكافحتها – دراسة حالة: القرصنة الصومالية واليمنية في القرن الأفريقي. الإسكندرية: المنشورات العلمية للأكاديمية.
علي، جابر ظاهر، ولبكي، جورج (2025). مواجهة المجتمع الدولي للقرصنة البحرية. مجلة الدراسات القانونية والحوكمة، المجلد 8، العدد 2، ص 45-78.
