أعاد مرور عقد على الاستفتاء الذي قاد المملكة المتحدة إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي النقاش حول مستقبل العلاقة بين لندن وبروكسل إلى صدارة المشهد السياسي والشعبي البريطاني، في ظل تنامي الأصوات المطالبة بإعادة النظر في نتائج «بريكست» وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية فبعد سنوات من تمسك قطاعات واسعة من النخبة السياسية بخيار الانفصال باعتباره تعبيراً عن استعادة السيادة الوطنية والتحكم في الحدود والسياسات التجارية، بدأت تظهر مؤشرات على تغير تدريجي في المزاج العام وصولاً إلى بروز تعبير «بريجريت» الذي يعكس شعوراً متنامياً بالندم على قرار الخروج بالتزامن مع ارتفاع نسب التأييد الشعبي لفكرة العودة إلى الاتحاد الأوروبي.
ولا يرتبط هذا التحول بعامل واحد، وإنما يأتي نتيجة تفاعل مجموعة من المتغيرات، في مقدمتها استمرار الضغوط الاقتصادية، وتراجع الثقة في قدرة «بريكست» على تحقيق الوعود التي رافقت حملة الاستفتاء، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بالتجارة والهجرة وفرص الشباب فضلاً عن التحولات التي طرأت على البيئة الأمنية والجيوسياسية الأوروبية كما ساهمت حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي وتغير مواقف بعض الشخصيات السياسية البارزة في إعادة فتح النقاش حول الخيارات المستقبلية للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وإن كانت فكرة العودة الكاملة لا تزال تواجه عقبات سياسية وقانونية ومؤسسية كبيرة.
تحولات الرأي العام البريطاني
يمثل تغير اتجاهات الرأي العام البريطاني أحد أبرز المؤشرات على التحول الجاري في النظرة إلى «بريكست» إذ تظهر استطلاعات الرأي الحديثة انتقالاً تدريجياً من مرحلة الدفاع عن قرار الخروج باعتباره خياراً نهائياً إلى مرحلة أكثر انفتاحاً على مناقشة إمكانية إعادة الانضمام ووفقاً للاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «إيبسوس» في مايو 2026، يؤيد 58% من الناخبين المرجح مشاركتهم في استفتاء افتراضي مستقبلاً إعادة انضمام المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، بينما يؤيد نحو 49% إجراء استفتاء جديد عقب الانتخابات العامة المقبلة وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن مسألة إعادة النظر في «بريكست» لم تعد مجرد موقف هامشي داخل المجتمع البريطاني، بل أصبحت تحظى بتأييد نسبة معتبرة من الناخبين.
وتزداد دلالة هذه المؤشرات عند النظر إلى الفروق العمرية في المواقف من مستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. فقد أظهر استطلاع آخر أن التأييد لإعادة الانضمام يرتفع بصورة كبيرة بين الشباب، حيث بلغت نسبة المؤيدين 68% بين الفئة العمرية التي تتراوح بين 18 و34 عاماً كما أظهر استطلاع أجرته «يوجوف» في أبريل 2026 تأييد 55% من البريطانيين لفكرة العودة إلى الاتحاد الأوروبي. ويعكس ذلك وجود فجوة واضحة بين الأجيال في تقييم تجربة «بريكست»، إذ إن قطاعات واسعة من الشباب لم تعد تنظر إلى العضوية الأوروبية باعتبارها قضية سيادة وطنية فقط، وإنما تربطها بفرص الدراسة والعمل والتنقل والتجارة والتواصل مع بقية القارة.
ويرتبط تغير المزاج الشعبي كذلك بإعادة تقييم الوعود التي صاحبت حملة الخروج عام 2016 فقد ارتبط «بريكست» في الوعي العام بوعود تتعلق باستعادة السيطرة على الحدود، وتحسين الأداء الاقتصادي، وتعزيز التجارة العالمية، وتقليص الاعتماد على المؤسسات الأوروبية إلا أن مرور السنوات دون تحقق جميع هذه الوعود بالصورة التي توقعها مؤيدو الخروج أدى إلى تآكل تدريجي في الثقة بها ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ملف الهجرة، إذ تشير نتائج استطلاعات الرأي إلى أن نسبة كبيرة من البريطانيين ترى أن وضع الهجرة أصبح أكثر سوءاً منذ «بريكست»، رغم أن السيطرة على الهجرة كانت واحدة من أهم الحجج التي استخدمت لتبرير مغادرة الاتحاد الأوروبي.
كما لعبت التكاليف الاقتصادية دوراً مركزياً في إعادة تشكيل المواقف الشعبية. وتشير التقديرات الواردة في المادة إلى أن الاقتصاد البريطاني خسر، بحلول عام 2025، ما يتراوح بين 6% و8% من نمو الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالمسار الذي كان يمكن أن يسلكه في حال استمرار العضوية كذلك توقع مكتب مسؤولية الميزانية انخفاض الصادرات والواردات بنحو 15% على المدى الطويل مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه لو بقيت المملكة المتحدة عضواً في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب انخفاض الإنتاجية بنحو 4%. وبغض النظر عن اختلاف التقديرات الاقتصادية بشأن حجم أثر «بريكست»، فإن استمرار النقاش حول تكلفته أصبح عاملاً مهماً في إعادة تقييم القرار داخل المجتمع البريطاني.
تغير النخبة السياسية
لم يقتصر التحول في الموقف من «بريكست» على الرأي العام، بل امتد إلى عدد من الشخصيات السياسية البارزة، وهو ما يمنح النقاش حول مستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بعداً أكثر تأثيراً. فقد عبّر «آندي بيرنهام»، قبل توليه رئاسة الحكومة، عن مواقف تنتقد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكان من المشاركين في حملة البقاء خلال استفتاء عام 2016 كما اعتبر أن الخروج كان ضاراً، رغم تأكيده ضرورة احترام القرار الذي اتخذه الناخبون ويكشف هذا الموقف عن طبيعة التحول داخل النخبة السياسية؛ إذ لم تعد معارضة «بريكست» تعني بالضرورة الدعوة الفورية إلى إلغاء نتائجه، وإنما أصبحت ترتبط بإعادة تقييم آثاره والبحث عن صيغة جديدة للعلاقة مع أوروبا.
معضلة العودة الأوروبية
على الرغم من تنامي التأييد الشعبي والسياسي لفكرة إعادة الانضمام، فإن تحويل هذا التأييد إلى عملية قانونية وسياسية فعلية يواجه مجموعة كبيرة من العقبات ويتمثل أول هذه التحديات في غياب توافق داخلي واضح بشأن طبيعة العلاقة التي تريد بريطانيا إقامتها مع الاتحاد الأوروبي. فهناك فرق كبير بين تحسين التعاون في مجالات التجارة والطاقة والدفاع والتنقل، وبين إعادة الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل الانتقال من سياسة «إعادة الضبط» إلى سياسة العضوية الكاملة مساراً معقداً.
ويضاف إلى ذلك الموقف الأوروبي نفسه. فعلى الرغم من وجود شخصيات أوروبية تؤيد فكرة عودة بريطانيا، فإن الاتحاد الأوروبي لن يكون بالضرورة مستعداً للدخول في مفاوضات شاملة قبل التأكد من وجود موقف بريطاني مستقر وطويل الأمد فقد دفعت تجربة الخروج السابقة المؤسسات الأوروبية إلى التعامل بحذر مع أي دعوات بريطانية للعودة، خصوصاً في ظل احتمال تغير الحكومات والمواقف السياسية مستقبلاً. ولذلك فإن بروكسل ستحتاج إلى ضمان أن طلب العودة يمثل خياراً استراتيجياً مستقراً، وليس مجرد رد فعل على أزمة سياسية أو اقتصادية مؤقتة.
وتزداد الصعوبات عند الانتقال إلى الجانب القانوني والمؤسسي. ففي حال اتخاذ قرار رسمي بإعادة الانضمام، سيكون على المملكة المتحدة التقدم وفق المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وهي الآلية التي تنظم انضمام الدول الجديدة إلى الاتحاد. ولن تعود بريطانيا بالضرورة بالشروط والاستثناءات التي كانت تتمتع بها قبل الخروج، إذ من المرجح أن تخضع لأي ترتيبات جديدة وفق القواعد المعمول بها وقت تقديم الطلب. وهذا يعني أن لندن قد تجد نفسها أمام التزامات مختلفة تماماً عن تلك التي كانت تتمتع بها قبل «بريكست».
وتبرز هنا قضية العملة الأوروبية والتكامل المؤسسي وحرية الحركة، وهي ملفات كانت بريطانيا تتمتع بشأنها باستثناءات خاصة قبل الخروج وبالتالي فإن العودة لن تكون مجرد استعادة للوضع السابق، وإنما ستعني التفاوض على عضوية جديدة في بيئة سياسية ومؤسسية مختلفة وهذه الحقيقة قد تجعل بعض البريطانيين الذين يؤيدون إعادة الانضمام أكثر حذراً عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل العملية للعضوية.
الأمن والتموضع الاستراتيجي
لا يمكن فهم النقاش البريطاني الجديد حول أوروبا من خلال الاقتصاد والسياسة الداخلية فقط، إذ بدأت الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية تكتسب أهمية متزايدة في تحديد مستقبل العلاقة بين لندن وبروكسل فقد تغيرت البيئة الدولية بصورة كبيرة منذ الاستفتاء البريطاني عام 2016 مع اندلاع الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر مع روسيا، إلى جانب تنامي المخاوف الأوروبية من مستقبل الالتزام الأميركي بأمن القارة وفي هذا السياق، أصبح التعاون الأوروبي في مجالات الدفاع والأمن والطاقة أكثر أهمية بالنسبة إلى المملكة المتحدة.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن بريطانيا لا تستطيع التعامل مع التحديات الأمنية الأوروبية بمعزل عن جيرانها، حتى في ظل استمرارها خارج المؤسسات السياسية للاتحاد الأوروبي فالجغرافيا تفرض على لندن التعاون مع الدول الأوروبية في مجالات مكافحة الإرهاب، وحماية الحدود، والأمن السيبراني، والطاقة، وسلاسل الإمداد، إضافة إلى مواجهة التهديدات الروسية ومن هنا، فإن إعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي قد تتحول من خيار اقتصادي إلى ضرورة استراتيجية تفرضها البيئة الدولية الجديدة.
وتكشف هذه المعطيات عن أحد التناقضات التي أفرزها «بريكست». فقد كان منطق الخروج يقوم على تعزيز قدرة بريطانيا على اتخاذ قرارات مستقلة، إلا أن التحولات الجيوسياسية دفعت لندن إلى إعادة بناء قنوات تعاون مع الدول الأوروبية في ملفات حيوية وبذلك أصبحت القضية لا تتعلق فقط بمقدار السيادة التي تحققها بريطانيا خارج الاتحاد، وإنما بمدى قدرتها على استخدام هذه السيادة بصورة فعالة في مواجهة تحديات لا تستطيع دولة أوروبية منفردة التعامل معها بسهولة.
خاتماً: تكشف عودة النقاش حول مستقبل بريطانيا داخل أوروبا عن تحول واضح في تقييم تجربة «بريكست» بعد مرور عقد على الاستفتاء، حيث لم تعد تداعيات الخروج تُناقش باعتبارها نتيجة سياسية نهائية غير قابلة للمراجعة، وإنما أصبحت موضوعاً لإعادة التقييم في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي شهدتها المملكة المتحدة وأوروبا ويشير ارتفاع التأييد الشعبي لإعادة الانضمام، خصوصاً بين الشباب، إلى تغير مهم في المزاج العام كما يعكس اتساع الأصوات السياسية المؤيدة لإعادة بناء علاقة أكثر عمقاً مع الاتحاد الأوروبي تراجعاً تدريجياً في قوة الخطاب الذي رافق مشروع الخروج.
وعليه، يبدو أن المسار الأكثر واقعية في المدى القريب لن يكون إعادة الانضمام الكامل، وإنما مواصلة إعادة بناء العلاقات تدريجياً من خلال تعزيز التعاون التجاري والأمني والطاقوي والدفاعي، إلى جانب توسيع فرص التنقل والتعاون في المجالات التي تضررت بفعل الانفصال وقد يسمح هذا المسار باختبار مدى قدرة لندن وبروكسل على استعادة الثقة، وفي الوقت نفسه قياس مدى استقرار التحول في المزاج البريطاني.
المصدر: موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
الكاتب : سارة خليل
الناريخ : 4/8/2026
---------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: Deutsche Welle
الكاتب : علاء جمعة
الناريخ : 20/6/2026
