يشهد جنوب لبنان مرحلة جديدة من التحولات الأمنية والعسكرية تتجاوز في طبيعتها حدود الردود التكتيكية المرتبطة بحوادث أمنية منفردة، لتأخذ شكلًا أكثر استدامة يقوم على تكريس حضور عسكري وأمني إسرائيلي داخل المناطق الحدودية ومحيطها. ويأتي هذا التطور في سياق معقد تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والجغرافية والسياسية، في ظل استمرار التوتر بين إسرائيل وحزب الله، وعدم اكتمال ترتيبات ما بعد الحرب، إلى جانب الجهود الرامية إلى إعادة تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. ويعتمد النمط الإسرائيلي الراهن على توظيف أدوات عسكرية متعددة، تشمل القوة الجوية والمدفعية والاستطلاع الجوي والأعمال الهندسية والتحركات البرية المحدودة، بما يسمح بإبقاء الضغط على حزب الله وتقليص قدرته على إعادة بناء بنيته العسكرية بالقرب من الحدود، من دون الانزلاق بالضرورة إلى مواجهة شاملة أو اجتياح بري واسع. وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية في ضوء طبيعة الجنوب اللبناني الجغرافية، حيث تمثل التلال والمناطق المرتفعة والممرات الحيوية عناصر أساسية في الحسابات العسكرية، لما توفره من مزايا تتعلق بالمراقبة والتحكم بالحركة وتأمين العمق العملياتي.
ترسيخ الحضور العسكري الإسرائيلي
تتجه التطورات الميدانية في جنوب لبنان نحو تكريس نمط من الحضور العسكري الإسرائيلي المستمر، بدلًا من الاكتفاء بعمليات رد محدودة ومؤقتة عقب وقوع حوادث أمنية. ويظهر ذلك من خلال الجمع بين الغارات الجوية والقصف المدفعي والتحركات البرية والأعمال الهندسية، بما يشير إلى اعتماد مقاربة متعددة المستويات تستهدف فرض وقائع ميدانية تدريجية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مستوى من العمليات لا يصل بالضرورة إلى عتبة الحرب الشاملة. ويمنح هذا الأسلوب إسرائيل قدرة على مواصلة الضغط العسكري بصورة متواصلة، دون تحمل الكلفة السياسية والعسكرية المرتبطة بعملية برية واسعة داخل الأراضي اللبنانية.
وتبرز طبيعة التحركات في عدد من المناطق الجنوبية، من بينها محيط زوطر وأرنون وحولا والخيام والمنصوري وعيتا الجبل، باعتبارها مؤشرًا على اتساع نطاق النشاط العسكري وتعدد قطاعاته. فتنفيذ عمليات متزامنة أو متقاربة في مناطق جغرافية مختلفة يعكس قدرة على توزيع الجهد العملياتي، ويمنح القوات الإسرائيلية هامشًا أكبر للمراقبة والاستهداف والتحرك وفقًا للظروف الميدانية. كما أن التركيز على البنية التحتية التي يُشتبه في ارتباطها بحزب الله يعكس هدفًا يتجاوز إيقاع الخسائر المباشرة، ليشمل الحد من قدرة الحزب على إعادة بناء شبكاته العسكرية واللوجستية بالقرب من الحدود.
وتكتسب الأعمال الهندسية أهمية خاصة ضمن هذا السياق، إذ إن التفجير والهدم والتجريف لا تمثل مجرد إجراءات مرتبطة بالعمليات القتالية، وإنما يمكن أن تؤدي إلى تغيير البيئة الميدانية ذاتها. فمن خلال إزالة منشآت أو فتح مساحات أو تعديل بعض طرق الحركة، تستطيع القوات الإسرائيلية خلق نطاق أكثر ملاءمة للمراقبة والاستطلاع، والحد من قدرة الخصم على استخدام المناطق السكنية والريفية في عمليات التحرك أو التخزين أو إعادة الانتشار. كما أن هذه الإجراءات قد تؤثر بصورة مباشرة على عودة السكان إلى المناطق المتضررة، نتيجة صعوبة إعادة تأهيل المنازل والمنشآت وشبكات البنية التحتية.
ويكشف هذا النمط عن تحول في طبيعة القوة المستخدمة؛ فبدلًا من الاعتماد الكامل على الانتشار البري، يجري توظيف القوة الجوية والطائرات المسيرة والمدفعية إلى جانب الأعمال الهندسية والتحركات المحدودة. ويسمح هذا الدمج بالحفاظ على الضغط العسكري مع تقليل الحاجة إلى وجود بري كثيف، وهو ما يقلل من مخاطر الاحتكاك المباشر والخسائر البشرية ويمنح إسرائيل قدرة أكبر على إدارة مستوى التصعيد. وبذلك يصبح الحضور العسكري المستمر وسيلة لإدارة البيئة الأمنية أكثر منه تمهيدًا مباشرًا لعملية اجتياح شاملة.
الجغرافيا كأداة للسيطرة
لا يمكن فهم التحركات العسكرية في جنوب لبنان بمعزل عن الخصائص الجغرافية للمنطقة، إذ تمثل التضاريس عنصرًا أساسيًا في تحديد طبيعة العمليات وأهدافها فالمناطق المرتفعة والتلال والممرات الحيوية توفر مزايا استراتيجية تتعلق بالمراقبة والسيطرة وتحديد مسارات الحركة، ولذلك تحظى بأهمية تفوق قيمتها الجغرافية المباشرة. ويظهر هذا البعد بوضوح في استمرار النشاط حول علي طاهر وفي المناطق المرتفعة ومحيط الأنهار والبلدات الجنوبية، حيث تسمح السيطرة على المواقع المرتفعة بتوفير مجال أوسع للرصد وتحديد التحركات على الأرض.
ومن منظور عسكري، تمنح المرتفعات قدرة على مراقبة مساحات واسعة، كما توفر مواقع أكثر ملاءمة للاستطلاع وتوجيه النيران ومتابعة خطوط الحركة. وفي بيئة جغرافية معقدة مثل جنوب لبنان، يمكن أن يؤدي التحكم في عدد محدود من المواقع المرتفعة إلى التأثير في حركة القوات والأفراد بين البلدات والطرق الفرعية والممرات. ولذلك فإن التركيز على هذه المناطق لا يمكن تفسيره فقط باعتباره جزءًا من العمليات الحالية، بل يرتبط كذلك بالسعي إلى إنشاء بيئة أمنية تقلل من قدرة حزب الله على إعادة الانتشار بالقرب من الحدود.
وتزداد أهمية العامل الجغرافي في ظل استخدام الطائرات المسيرة بصورة مكثفة، حيث يؤدي الجمع بين الاستطلاع الجوي والمراقبة الأرضية إلى بناء صورة أكثر تفصيلًا عن التحركات داخل المنطقة. وتوفر الطائرات المسيرة إمكانية متابعة النشاط بصورة مستمرة، بينما تتيح المواقع المرتفعة مراقبة ميدانية أكثر ثباتًا، وهو ما يؤدي إلى تكامل بين الوسائل المختلفة في إدارة العمليات. ومن ثم، فإن السيطرة على الجغرافيا لا تعني بالضرورة احتلال مساحات واسعة، وإنما يمكن أن تتحقق عبر التحكم في النقاط ذات القيمة العملياتية الأعلى.
وفي الوقت نفسه، تؤثر هذه العمليات في طبيعة الحياة المدنية داخل الجنوب اللبناني. فاستمرار الاستطلاع والغارات والتجريف والهدم يؤدي إلى خلق بيئة أمنية غير مستقرة، تجعل عودة السكان وإعادة النشاط الاقتصادي وإصلاح البنية التحتية أكثر تعقيدًا. كما أن تدمير المنشآت والطرق أو إلحاق أضرار بالمنازل والمرافق العامة يمكن أن يطيل أمد تداعيات الحرب حتى بعد توقف العمليات العسكرية المباشرة. وبالتالي، فإن الأثر الاستراتيجي للعمليات لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تحكم إمكانية عودة السكان إلى المنطقة.
حدود الترتيبات الدولية
تتزامن التطورات الميدانية مع مرحلة دقيقة من إعادة ترتيب الوضع الأمني في جنوب لبنان، في ظل سعي دولي إلى تعزيز دور الدولة اللبنانية وبسط سلطتها على كامل أراضيها وفي هذا السياق، تكتسب قرارات مجلس الأمن والوجود الدولي في المنطقة أهمية خاصة، باعتبارهما جزءًا من الإطار الذي يفترض أن ينظم مرحلة ما بعد الحرب وقد وثقت القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان خلال يونيو 2026 نشاطًا إسرائيليًا كثيفًا شمل تحركات مدرعة وأعمالًا هندسية وعمليات هدم، إلى جانب نشاط جوي مرتفع الكثافة، فضلًا عن رصد أعداد كبيرة من مسارات القذائف المنطلقة من مواقع إسرائيلية. وتعكس هذه المؤشرات حجم التحديات التي تواجه عملية تثبيت ترتيبات أمنية مستقرة على الأرض.
وتزداد حساسية الوضع مع ارتباط هذه العمليات بمرحلة يفترض أن تنتقل خلالها مسؤولية الأمن تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة اللبنانية. ويستهدف الإطار الدولي في جوهره تعزيز سلطة الدولة ومنع وجود السلاح أو مراكز القوة خارج مؤسساتها الرسمية، بالتوازي مع المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع الواقعة شمال الخط الأزرق. غير أن الفجوة بين الترتيبات القانونية والسياسية وبين الوقائع الميدانية تظل أحد أبرز مصادر التعقيد، إذ إن استمرار العمليات الإسرائيلية يحد من قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيطرتها الكاملة، في حين أن استمرار وجود السلاح خارج مؤسساتها يوفر لإسرائيل مبررات أمنية للاستمرار في عملياتها.
كما يضيف انتهاء مهمة القوة الدولية وفق الجدول الزمني المقرر عنصرًا جديدًا من عناصر عدم اليقين. فبدء الانسحاب التدريجي خلال الفترة التي تسبق نهاية ديسمبر/كانون الأول 2026 يعني أن المرحلة المقبلة ستتطلب قدرة أكبر من الدولة اللبنانية على تولي المسؤوليات الأمنية والميدانية. ويطرح ذلك تساؤلات حول مدى جاهزية المؤسسات اللبنانية للاضطلاع بهذه المهمة، ومدى استعداد الأطراف الإقليمية والمحلية لقبول ترتيبات جديدة تحد من احتمالات تجدد المواجهة.
وتكشف هذه التطورات عن محدودية قدرة الاتفاقات وحدها على إنتاج استقرار مستدام إذا لم تتوافر آليات تنفيذ واضحة وفعالة. فالقرارات الدولية يمكن أن تحدد الأهداف والإجراءات لكنها تحتاج إلى توافق سياسي وإرادة ميدانية من الأطراف المعنية حتى تتحول إلى واقع. وفي حالة جنوب لبنان، يرتبط نجاح هذه الترتيبات بقدرة الدولة اللبنانية على تعزيز حضورها، وبمدى التزام حزب الله بالترتيبات المتعلقة بالسلاح والانتشار، وبمدى استعداد إسرائيل للانسحاب من المواقع التي لا تزال تحت سيطرتها.
معضلة السلاح واستدامة الهدوء
يمثل سلاح حزب الله أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل الوضع الأمني في جنوب لبنان، إذ يرتبط استمرار العمليات الإسرائيلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمستوى قدرة الحزب على الاحتفاظ ببنيته العسكرية وإعادة بناء قدراته بالقرب من الحدود ومن منظور إسرائيل، فإن وجود قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة اللبنانية يمثل تهديدًا أمنيًا مستمرًا، ويبرر الإبقاء على أدوات الضغط العسكري لمنع إعادة تشكيل البنية العسكرية للحزب. وفي المقابل، ينظر حزب الله إلى سلاحه ضمن مفهوم المقاومة، وهو ما يجعل مسألة نزع السلاح أو تسليمه للجيش اللبناني قضية شديدة التعقيد سياسيًا وأمنيًا.
وتنشأ عن هذه المعادلة حلقة يصعب كسرها؛ فاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية أو قربها يوفر لحزب الله مبررًا للتمسك بالسلاح تحت عنوان مقاومة الاحتلال، بينما يوفر استمرار الهجمات أو النشاط العسكري من جانب الحزب لإسرائيل مبررًا لتنفيذ عمليات جديدة بحجة حماية أمنها ومنع تهديد حدودها. وهكذا يصبح كل طرف قادرًا على استخدام سلوك الطرف الآخر لتبرير استمرار سياساته، الأمر الذي يضعف فرص الوصول إلى وقف مستدام للأعمال العدائية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الطرفين يتجهان بصورة مباشرة نحو حرب شاملة، بل تشير طبيعة العمليات الحالية إلى وجود مصلحة متبادلة في تجنب التصعيد الكبير مع الحفاظ على مستوى من الضغط والردع. فإسرائيل تبدو معنية بمنع إعادة بناء قدرات حزب الله دون تحمل تكلفة اجتياح بري واسع، بينما يواجه حزب الله ضغوطًا للحفاظ على قدراته من دون الانخراط في مواجهة قد تكون كلفتها مرتفعة. وينتج عن ذلك نمط من التصعيد المحدود والمتكرر، حيث تبقى العمليات العسكرية تحت مستوى الحرب الشاملة، لكنها في الوقت ذاته تمنع العودة إلى استقرار كامل.
وفي هذا الإطار، تبدو المفاوضات والترتيبات السياسية المرتبطة بالمناطق التجريبية واتفاق الإطار مع الدولة اللبنانية ذات أهمية خاصة، لأنها توفر مسارًا بديلًا عن استمرار إدارة الخلافات بالقوة العسكرية غير أن نجاح هذا المسار يتوقف على مدى قدرة الأطراف على الوصول إلى تفاهمات تتناول القضايا الجوهرية، وليس فقط معالجة الحوادث الأمنية اليومية فالتسويات المؤقتة قد تخفف حدة المواجهة، لكنها لا تزيل أسبابها ما لم تترافق مع تفاهمات واضحة بشأن الانتشار والسلاح والسيطرة والحدود.
خاتماً: يُظهر المشهد في جنوب لبنان أن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية تتجاوز منطق المواجهة العسكرية المباشرة نحو إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية التي ستحدد مستقبل الحدود اللبنانية الإسرائيلية فقد أصبح النشاط الإسرائيلي أكثر انتظامًا واعتمادًا على مزيج من الغارات الجوية والمدفعية والاستطلاع والأعمال الهندسية والتحركات البرية المحدودة، بما يعكس سعيًا إلى فرض مستوى من السيطرة الميدانية والحد من قدرة حزب الله على إعادة بناء قدراته العسكرية، مع تجنب الانزلاق إلى اجتياح بري شامل. وفي المقابل، يظل العامل الجغرافي عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة، نظرًا إلى أهمية التلال والمناطق المرتفعة والممرات في توفير قدرات المراقبة والتحكم بالحركة وتزداد تعقيدات المرحلة مع محاولة نقل المسؤولية الأمنية تدريجيًا إلى الدولة اللبنانية، بالتزامن مع ترتيبات دولية تتعلق بمستقبل القوة المؤقتة للأمم المتحدة وانسحابها التدريجي غير أن نجاح هذه العملية سيظل مرتبطًا بمعالجة الإشكالية الأساسية المتمثلة في العلاقة بين سلطة الدولة وسلاح حزب الله، فضلًا عن تحديد وضع القوات الإسرائيلية والمواقع التي لا تزال تحت سيطرتها.
المصدر: مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية
التاريخ : 1/9/2026
------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: الساعة 24
التاريخ : 28/8/2026
