لم تعد دول الخليج العربي ــ التي ارتبطت لعقود بتحالفات أمنية واقتصادية حصرية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية ــ تجد في النموذج الأحادي للتحالفات ما يكفل لها الحماية والمصالح في عالم يشهد تحولات عميقة وغير مسبوقة. بعد أن اعتمدت هذه الدول لسنوات طويلة على «التحالف الحصري» مع الغرب، حيث مقابل تدفق النفط والحفاظ على استقرار الأسواق تقدم واشنطن الضمانات الأمنية وحماية النظم الخليجية، بات المشهد اليوم مختلفًا تمامًا.
شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من الأحداث التي أيقظت دول الخليج من سبات الأمن المستعار. في عام 2019، قوبلت الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة على منشآت أرامكو السعودية برد فعل أمريكي وصفته مصادر دبلوماسية بأنه «لا يتجاوز الإدانة»، وهو ما شكل صدمة للرياض التي كانت ترى في اتفاقية الدفاع المشترك مع واشنطن ضمانة مطلقة. وجاءت الضربة الأكثر قسوة في سبتمبر 2025 عندما شن الكيان الصهيوني هجوماً على العاصمة القطرية الدوحة، فيما وقفت واشنطن موقف المتفرج، محاولة إبعاد نفسها عن الهجوم رغم استمرار دعمها له.
في خضم هذه التحولات، أدركت القيادات الخليجية أن الأمان الاستراتيجي لم يعد يتحقق من خلال حليف واحد، وأن السبيل الوحيد لضمان الأمن والمصالح هو في تنويع الشراكات وبناء تحالفات مع قوى متعددة، خاصة في القارة الآسيوية التي تشهد صعوداً اقتصادياً وعسكرياً غير مسبوق. هذا الإدراك تحول إلى سياسات فعلية تمثلت في توقيع اتفاقيات دفاع استراتيجي مع قوى آسيوية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري مع دول آسيا الناهضة.
ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية مفادها أن تسارع دول الخليج نحو بناء تحالفات عسكرية واقتصادية مع قوى آسيوية لا يُعزى إلى سبب واحد، بل إلى شبكة معقدة من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية التي تتفاعل مع بعضها وتفرز هذا التحول الكبير. سيتم تحليل هذه العوامل من خلال ثلاثة محاور رئيسية: أولاً، تآكل الثقة في التحالفات التقليدية وأزمة الضمانات الأمنية الأمريكية؛ ثانيًا، بناء تحالفات عسكرية جديدة مع قوى آسيوية نحو أمن ذاتي متعدد الأطراف؛ ثالثًا، الدوافع الاقتصادية والتنموية والارتباط برؤى التنويع الاقتصادي الطموحة.
أولاً: تآكل الثقة في التحالفات التقليدية – أزمة الضمانات الأمنية الأمريكية
إذا كان ثمّة حدث يمكن اعتباره «لحظة الحقيقة» التي أيقظت الخليج من غفوة الأمن المستعار، فهو الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في سبتمبر 2025. في ذلك الهجوم، الذي نُفذ بطائرات مسيّرة متطورة، أصابت إسرائيل منشآت حساسة في العاصمة القطرية، مما شكل انتهاكاً صارخاً للسيادة القطرية واختباراً حقيقياً لمدى جدية الالتزامات الأمنية الأمريكية في المنطقة. غير أن رد الفعل الأمريكي كان صادماً: لم تتدخل واشنطن عسكرياً، واكتفت بإدانة الهجوم بشكل خجول، بينما كانت إسرائيل، المدعومة أمريكياً في العمق، تواصل تحركاتها.
بالنسبة للقيادات الخليجية، حمل هذا الهجوم دلالات عميقة. فالولايات المتحدة، التي كانت منذ عقود الضامن الأمني الأول للمنطقة، أثبتت أنها إما غير راغبة أو غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها الدفاعية في مواجهة تهديدات مباشرة. وأكثر من ذلك، أظهرت التطورات اللاحقة أن واشنطن نفسها تواجه أزمة ثقة داخلية، حيث يعتبر قطاع متزايد من صناع القرار الأمريكي أن منطقة شرق آسيا باتت أهم من الشرق الأوسط، وذلك بسبب صعود الصين كتهديد للهيمنة الأمريكية.
لقد جسّد هذا الحدث وما سبقه من هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت أرامكو السعودية عام 2019 اتجاهاً مقلقاً: الولايات المتحدة تتراجع عن دورها كشرطي العالم. والأكثر خطورة هو أن التردد الأمريكي لم يكن معزولاً؛ بل جاء ضمن سياسة أوسع لتقليص البصمة العسكرية في المنطقة، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الانسحاب الفوضوي من أفغانستان. في هذا السياق، لم تعد دول الخليج تجد أمامها سوى خيار واحد: البحث عن بدائل استراتيجية تحمي مصالحها وتؤمن وجودها دون انتظار ضمانات قد لا تأتي.
ثانياً: بناء تحالفات عسكرية مع القوى الآسيوية – نحو منظومة أمنية مستقلة
لم تبق دول الخليج مكتوفة الأيدي أمام هذا الفراغ الأمني المتنامي. على العكس، انطلقت في مسعى طموح لبناء تحالفات عسكرية مع قوى آسيوية، في محاولة لتأسيس منظومة أمنية مستقلة متعددة الأطراف يمكنها تعويض تراجع الثقة في واشنطن. وتتجسد هذه الاستراتيجية في ثلاثة مستويات متداخلة.
2.1 التحالف الاستراتيجي مع باكستان: المظلة النووية للخليج
كانت الضربة الأبرز في هذا المجال هي اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل التي وقعتها المملكة العربية السعودية مع باكستان في 17 سبتمبر 2025، في خطوة تعيد تعريف مفهوم التحالفات الإقليمية. تنص الاتفاقية، التي وقعها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، على أن «أي عدوان على أي من البلدين يُعتبر عدواناً على الآخر»، وتشمل التعاون في مجالات التدريب العسكري والصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، بالإضافة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية.
ما يجعل هذه الاتفاقية فريدة من نوعها هو أن باكستان هي الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تمتلك ترسانة نووية، مما يعني أنها تستطيع نظرياً تمديد مظلتها النووية لحماية حلفائها. ورغم أن التصريحات الرسمية حاولت احتواء التفسيرات المتطرفة حول «الضمان النووي»، إلا أن المحللين يرون في الاتفاقية نقلة نوعية في ترتيبات الأمن الخليجي، فهي تربط بين القوة المالية السعودية والردع النووي الباكستاني، كما أنها تثير قلق الهند وإسرائيل على حد سواء.
واللافت أن التحالف السعودي-الباكستاني لم يبقَ ثنائياً، بل بدأت تلوح في الأفق إمكانية توسيعه ليشمل تركيا وقطر. فقد أشار وزير الدفاع الباكستاني إلى أن تركيا وقطر «مرشحتان محتملتان» للانضمام إلى الاتفاقية الحالية أو الدخول في اتفاقيات موازية. ويجري العمل حالياً على إطار تعاون أوسع يضم أربع دول: باكستان والسعودية وتركيا ومصر، وهو ما وصفه مراقبون بأنه «محور دفاعي رباعي» يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
2.2 التعاون العسكري مع الصين: من التدريبات إلى التصنيع المشترك
على مسار موازٍ، تشهد العلاقات العسكرية بين دول الخليج والصين تطوراً غير مسبوق. ففي أكتوبر 2025، أجرت القوات البحرية الصينية والسعودية تدريباً بحرياً مشتركاً هو الثالث من نوعه، تحت مسمى «السيف الأزرق 2025» في قاعدة الملك عبد العزيز البحرية بالجبيل. وركزت التدريبات التي استمرت ثلاثة أسابيع على مكافحة الإرهاب والقرصنة، والاقتحام البحري، وإنقاذ الرهائن، ومكافحة الطائرات المسيرة، في مؤشر واضح على مستوى متقدم من التنسيق والتشغيل البيني بين القوتين.
لكن ما هو أعمق من التدريبات المشتركة هو مسار التصنيع العسكري المشترك ونقل التكنولوجيا. فمع ازدياد القيود الأمريكية على تصدير أحدث أنظمة الأسلحة إلى المنطقة، ورفض واشنطن تلبية طلبات حلفائها التقليدية في العديد من المناسبات، وجدت دول الخليج في الصين بديلاً جاهزاً ومستعداً. فشركات صينية مثل نورينكو وأفيشن إندستري كوربوريشن أوف تشاينا باتت تقدم أنظمة متطورة، بما في ذلك طائرات مسيّرة بعيدة المدى مثل وينغ لونغ-2 التي تملكها القوات الجوية السعودية بالفعل.
ويرى المحللون أن بيع الأنظمة الدفاعية ليس مجرد صفقة عابرة، بل هو «بداية علاقة طويلة الأمد»، إذ يتراوح العمر الافتراضي للأنظمة العسكرية بين 20 و25 عاماً، مما يخلق تبعيات استراتيجية وتقنية طويلة الأجل بين المورد والمشتري. وبينما تتخوف واشنطن من هذا التوجه، تدرك جيداً أن الأسباب التي تقف وراءه تعود إلى تراجعها هي ذاتها عن تقديم الضمانات والتكنولوجيا المطلوبة.
2.3 التعاون مع الهند ودول آسيوية أخرى: تنويع شامل للشركاء
لا تقتصر التحالفات العسكرية الخليجية الجديدة على الصين وباكستان فحسب، بل تمتد لتشمل الهند ودولاً آسيوية أخرى. ففي ديسمبر 2025، وقّعت الهند وسلطنة عُمان اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة واعتمدتا وثيقة رؤية مشتركة حول التعاون البحري، مع تعهدات بتعميق التنسيق الدفاعي والأمني، بما في ذلك التدريبات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية في المجال البحري. كما تعزز التعاون الدفاعي بين الهند والكويت، حيث قامت سفينة خفر السواحل الهندية سرثاك بأول زيارة لها إلى ميناء الصبية الكويتي، في إطار اتفاقية تعاون دفاعي موقعة عام 2024.
وإلى جانب ذلك، تبرز الإمارات كدولة خليجية رائدة في التعاون الدفاعي مع دول آسيا والمحيط الهادئ. فمن خلال مجموعة إيدج العملاقة للصناعات الدفاعية، أقامت أبو ظبي شراكات واسعة مع إندونيسيا وماليزيا والهند، تشمل التصنيع المشترك للأسلحة ونقل التكنولوجيا وإنشاء خطوط إنتاج. وتأتي هذه الخطوة في إطار رؤية إماراتية واضحة لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية وتوسيع شبكة الحلفاء الاقتصاديين والعسكريين.
ثالثاً: الدوافع الاقتصادية والتنموية – من الريع النفطي إلى اقتصاد المعرفة
بينما كانت الدوافع الأمنية تدفع دول الخليج نحو تنويع شركائها العسكريين، كانت التحولات الاقتصادية العميقة تشكل حافزاً لا يقل أهمية للتقارب مع آسيا. فبعد عقود من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، أطلقت دول الخليج رؤى تنموية طموحة مثل «رؤية السعودية 2030» و«رؤية الإمارات 2071» التي تسعى إلى تحويل هذه الاقتصادات من اقتصاديات ريعية إلى اقتصادات معرفية متنوعة تعتمد على التكنولوجيا والابتكار. وهذا التحول يتطلب شركاء يمتلكون الخبرات والتقنيات التي تمكن الخليج من الالتحاق بركب الصناعات المتقدمة.
3.1 التجارة المتصاعدة وآسيا كشريك اقتصادي أول
تؤكد الأرقام بجلاء أن مركز الثقل الاقتصادي للخليج قد انتقل إلى الشرق. فوفقاً لتقرير Asia House لعام 2025، بلغت التجارة بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا 516مليار دولار في عام 2024، أي حوالي ضعف التجارة بين الخليج والغرب التي بلغت 256 مليار دولار. والأهم من ذلك، أن هذه الأرقام ليست مجرد زيادة كمية، بل تعكس تحولاً نوعياً في بنية العلاقات الاقتصادية نفسها. فالتجارة لم تعد تقتصر على تبادل النفط مقابل السلع الاستهلاكية، بل امتدت إلى الاستثمارات الضخمة في المشاريع المشتركة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
تكشف الأرقام أيضاً عن تحول في تدفقات رأس المال: ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 وحده، تم توجيه نحو 40% من استثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية، التي بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 560 مليار دولار، نحو الأسواق الآسيوية. وهذا يعني أن آسيا لم تعد مجرد سوق فرصة، بل أصبحت محوراً رئيسياً في استراتيجيات الاستثمار طويلة المدى للخليج.
3.2 آسيا كمصدر للتقنية والتصنيع في «ما بعد النفط»
ترتبط رؤى التنويع الاقتصادي لدول الخليج ارتباطاً وثيقاً بالحصول على التكنولوجيا المتقدمة والخبرات الصناعية. وفي هذا المجال، تقدم القوى الآسيوية مزايا لا تضاهى: فالصين تتفوق في البنية التحتية وتقنيات الطاقة الشمسية والذكاء الاصطناعي، والهند تمتلك قطاعاً متقدماً في تكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية، وكوريا الجنوبية واليابان تتصدران مجالات الإلكترونيات والروبوتات. وهذا التنوع في القدرات يجعل آسيا شريكاً مثالياً لاقتصادات الخليج وهي تخطو خطواتها الأولى نحو التصنيع المتقدم.
تتجسد هذه الشراكات بوضوح في مشاريع كبرى مثل الشراكة بين صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة فوكسكون التايوانية لبناء أول علامة تجارية للسيارات الكهربائية في المملكة، مما يمنح أكبر اقتصاد عربي منفذاً لبناء خبرات صناعية محلية من خلال نقل المعرفة. كما تستثمر شركة مبادلة الإماراتية في الصين والهند وجنوب شرق آسيا، ليس فقط لتحقيق عوائد مالية، بل لدمج الإمارات في شبكات الابتكار وسلاسل التوريد العالمية.
ويجري العمل حالياً على اتفاقيات تجارة حرة بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيوية كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية واندونيسيا، مما سيسهل التبادل التجاري ويعزز التعاون في الطاقة والتكنولوجيا. وقد اعتمدت قمة دول الخليج ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في مايو 2025 إعلاناً مشتركاً لتعزيز الشراكة الاقتصادية، فيما تسعى الصين أيضاً إلى توسيع التعاون مع الخليج في إطار مبادرة الحزام والطريق.
رابعاً: تحليل استراتيجي – «التحوّط الاستراتيجي» في عالم متعدد الأقطاب
ما الذي تعنيه هذه التحالفات الجديدة في التحليل الاستراتيجي العام؟ تقدم دول الخليج اليوم نموذجاً معاصراً لاستراتيجية تُعرف في الأدبيات السياسية بـ «التحوّط الاستراتيجي» (Strategic Hedging). وتعني هذه الاستراتيجية أن دولة ما لا تضع كل ثقلها في سلة حليف واحد، بل تبني شبكة من العلاقات المتوازنة مع عدة قوى عظمى وقوى صاعدة، بحيث لا يصبح مصيرها رهناً بتقلبات علاقتها مع طرف واحد.
في حالة دول الخليج، يُترجم التحوّط الاستراتيجي إلى ثلاث طبقات متداخلة:
الطبقة الأولى: الحفاظ على العلاقة مع الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا)، فهذه العلاقة لا تزال مهمة، خاصة في المجال العسكري التقليدي والمالي. فالصفقة الدفاعية الضخمة التي وقعتها السعودية مع الولايات المتحدة بقيمة 142 مليار دولار خلال زيارة الرئيس ترامب في مايو 2025تؤكد أن العلاقة مع واشنطن لم تُقطع، بل أعيد تعريفها.
الطبقة الثانية: بناء علاقات استراتيجية عميقة مع القوى الآسيوية الصاعدة (الصين والهند وباكستان وتركيا وكوريا الجنوبية)، وتشمل هذه العلاقات المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية. هذه الطبقة هي الجديدة والمتطورة، وهي التي تمنح دول الخليج خيارات إضافية ومرونة في مواجهة الأزمات.
الطبقة الثالثة: تطوير قدرات دفاعية ذاتية، من خلال توطين الصناعات العسكرية والتعاون في البحث والتطوير. هذا البعد هو الأهم على المدى الطويل، لأنه يحرر دول الخليج تدريجياً من التبعية لأي طرف خارجي.
تؤكد المحللة حنان الغامدي في التقرير الاستراتيجي السنوي لمركز الخليج للأبحاث أن دول الخليج تسعى اليوم إلى «الاستقلال الاستراتيجي في ظل نظام عالمي متفكك»، وأن هذا الاستقلال لا يعني العزلة أو الانغلاق، بل يعني القدرة على اتخاذ القرارات السيادية بحرية والتفاعل مع العالم من موقع الندّ وليس التبعية. وتضيف أن صعود «القوى الاستراتيجية المتوسطة» في آسيا يفتح أمام الخليج فرصاً غير مسبوقة للعب دور نشط في تشكيل النظام العالمي الجديد.
الخلاصة: الخليج كقوة وسطى في نظام عالمي متعدد الأقطاب
يؤكد التحليل الذي قدمه هذا المقال أن تسارع دول الخليج العربي نحو بناء تحالفات عسكرية واقتصادية مع قوى آسيوية ليس مجرد ظاهرة عابرة أو رد فعل على ظرفية سياسية معينة، بل هو اتجاه استراتيجي بنيوي يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة النظام الدولي وفي مكانة الخليج داخله. فالخليج يمر اليوم بمرحلة انتقالية من التبعية الأحادية إلى الاستقلالية المتعددة، حيث لم يعد القرار الخليجي مرتبطاً بشكل حصري بإرادة واشنطن، بل أصبح نتاجاً لموازنة معقدة بين مصالح متعددة وشركاء متنوعين.
انطلاقاً من الأسباب الجيوسياسية المتمثلة في تآكل الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية وبروز نظام عالمي متعدد الأقطاب، وصولاً إلى الدوافع الاقتصادية والتنموية المتعلقة برؤى «ما بعد النفط» الطموحة، ومروراً بالرغبة في بناء شراكات عسكرية وتقنية متطورة تعزز الأمن الذاتي والمنعة الاقتصادية، فإن دول الخليج تعيد تعريف نفسها في النظام الدولي.
ما يميز هذه المرحلة هو أن الخليج لم يعد مجرد متلقٍ للحماية الأمنية أو مجرد مصدر للطاقة، بل أصبح فاعلاً مستقلاً يسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، ويستخدم ثروته ورؤيته الطموحة كأدوات لتعزيز مصالحه الاستراتيجية. ويؤكد تقرير Asia House أن الخليج أصبح اليوم «قوة وسطى» ناشئة، لم يعد دوره مقتصراً على التأثر بالقرارات الدولية، بل صار مشاركاً فاعلاً في تشكيلها، من خلال عضويته في مؤسسات مالية متعددة مثل بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية ومجموعة البنك الدولي، وتحركاته الدبلوماسية المستقلة في المحافل الدولية.
غير أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من التحديات والمخاطر. فالعلاقات المتعددة قد تؤدي إلى صراعات مصالح، خاصة مع الأطراف التقليدية التي قد تنظر إلى التحالفات الآسيوية الجديدة باعتبارها تهديداً لنفوذها في المنطقة. كما أن الاعتماد المتزايد على الصين قد يخلق أشكالاً جديدة من التبعية، خصوصاً إذا تطورت العلاقة إلى نمط حصري. ومما لا شك فيه أن دول الخليج ستظل تواجه تحديات داخلية وخارجية أثناء سعيها لتحقيق هذا التوازن، ولكن يبدو أن المسار نحو الشرق أصبح لا رجعة فيه في ظل التحولات العميقة التي تجتاح النظام العالمي.
