إشكالية التهديد الداخلي في الاستراتيجية الأمريكية 2026
فرع بنغازي

في الخامس من مايو 2026، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاستراتيجية الوطنية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 (U.S. Counterterrorism Strategy 2026)، التي وصفها بأنها "عودة إلى المنطق السليم وإلى مبدأ 'السلام من خلال القوة'". الوثيقة المكونة من 16 صفحة، الصادرة عن البيت الأبيض، جسّدت رؤية إدارة ترامب لمكافحة الإرهاب وفقًا لمبدأ "أمريكا أولًا" (America First)وشكّلت تحولًا استراتيجيًا في الأمن القومي الأمريكي يرتكز على مبدأي "أمريكا أولًا" و"السلام من خلال القوة".

غير أن ما ميّز هذه الاستراتيجية وأثار جدلاً واسعًا في الأوساط الأكاديمية والقانونية والحقوقية هو توسيعها الجذري لمفهوم التهديد الإرهابي. لم تعد التهديدات مقتصرة على الجماعات الجهادية التقليدية (القاعدة، داعش، حماس) أو الكارتلات الإجرامية العابرة للحدود، بل امتدت لتشمل -لأول مرة في وثيقة استراتيجية أمريكية بهذا المستوى- فئات من التهديدات الداخلية المحضة: "المتطرفون اليساريون العنيفون (Violent Left-Wing Extremists)"، و"المناهضون للفاشية (Anti-Fascists)"، والأفراد المرتبطين بـ"أيديولوجيات راديكالية مؤيدة للتحولالجنسي (radically pro-transgender)".

في تفسير هذه الوثيقة الاستراتيجية التي صدرت عن مركز "تريندز" للاستشارات والبحوث، اعتُبِرت وثيقةً فريدةً جمعت بين "عقيدة الأمن القومي، والأيديولوجية السياسية، والاستراتيجية العسكرية، والتوجه الاستخباراتي، وإنفاذ القانون، وإدراك التهديدات الجيوسياسية". لكن هذا"المزج" بين المستويات المختلفة هو نفسه جوهر الإشكالية التي تعالجها هذه الورقة، والمتمثلة في استخدام إطار مكافحة الإرهاب -المصمم أصلاً لمواجهة تهديدات خارجية وجودية- لاستهداف جهات فاعلة داخلية تنتمي إلى التيار السياسي أو الأيديولوجي المعارض، تحت مبررات أمنيةقابلة للتوسع والتأويل.

تنطلق الفرضية الأساسية لهذه الورقة من أن الاستراتيجية الأمريكية 2026 لمكافحة الإرهاب تجاوزت حدودها التقليدية لتصبح أداةً للسياسة الداخلية والأيديولوجيا، مما يخلق إشكالية قانونية وأخلاقية عميقة تتمثل في تسييس مفهوم الإرهاب من جهة، وتوسيع أدوات المراقبة والإنفاذ على نحو يهدد الحريات المدنية من جهة أخرى. 

سوف تناقش الدراسة هذه الإشكالية من خلال ثلاثة محاور رئيسية: أولاً، تسييس مفهوم الإرهاب في الاستراتيجية الجديدة من منظور تاريخي وتحليلي؛ ثانيًا، تحليل أدوات المراقبة الموسعة وآثارها على الأطر القانونية التقليدية.

ثانيًا: تسييس مفهوم الإرهاب: الجذور والدلالات

2.1. السياق التاريخي: الإرهاب بوصفه مفهومًا "مرنًا"

لم يخلُ تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية من محاولات تسييس مفهوم الإرهاب لإضفاء الشرعية على خيارات معينة أو تجريم خصوم سياسيين. كما تُظهر رواية الأكاديمية بيفرلي غيج، الموثقة في إحدى الدراسات الهامة، أن "كيف قامت الحكومة الأمريكية بتحديد المجموعات التي قد يتمتصنيفها كمنظمات إرهابية؟" و"كيف حاولت أمريكا تجنب تطبيق مثل هذه الصفات على عملائها الذين يخوضون حروبها بالوكالة؟" هما سؤالان رئيسيان ظلا مطروحين بإلحاح. ففي ثمانينيات القرن الماضي، كان الرئيس ريغان أول رئيس أمريكي يضع الحرب ضد "الإرهاب الدولي" في قلب سياسته الخارجية، لكنه في خطابه المحلي استخدم مصطلح "الإرهاب" للإشارة إلى مجموعة واسعة من الأعمال التي يرتكبها أعداء الولايات المتحدة، بينما ظل صامتًا حول العنف الذي كان يرتكبه حلفاؤها. وقد أكدت هذه السابقة التاريخية أن الولايات المتحدة، عند الحاجة، تميل إلى تعريفالإرهاب بطريقة "انتقائية" تخدم مصالحها الاستراتيجية وتحول دون وصف تهديدات حلفائها بنفس المصطلحات.

هذا الإرث من "الازدواجية في التعامل مع مفهومي الإرهاب وحقوق الإنسان" يبدو حاضرًا بقوة في استراتيجية 2026. فالاستراتيجية تتهم الإدارات السابقة بـ"تسييس" أجهزة المخابرات واستخدام صلاحيات مكافحة الإرهاب ضد المعارضين السياسيين، لكنها في الوقت نفسه تمارس ذات الممارسة بل وتعممها في وثيقة استراتيجية رسمية.

2.2. الجديد في استراتيجية 2026: الإطار التهديدي المُوسّع

تحدد الاستراتيجية الأمريكية 2026 ثلاثة أنواع رئيسية من الجماعات الإرهابية التي سيتم توجيه الجهود لمكافحتها: تجار المخدرات الإرهابيون والعصابات العابرة للحدود (Narco-terrorists and Transnational Gangs) ، والإرهابيون الإسلاميون التقليديون (Legacy Islamist Terrorists) ، والمتطرفون اليساريون العنيفون (Violent Left-Wing Extremists) ، بما فيهم الفوضويون والمناهضون للفاشية.

لكن إدراج الفئة الثالثة تحديدًا هو الذي شكل قفزة نوعية. فمصطلح "الإرهاب المحلي" لم يكن غائبًا تمامًا عن الخطاب الأمريكي، ولكن استخدامه كان دائمًا محصورًا في إطار أمني بحت، كمواجهة الجماعات البيضاء المتطرفة (REMVE) أو الجماعات المناهضة للحكومة. في استراتيجية 2026، تحول "اليساريون المتطرفون" من قضية جنائية أو مجتمعية إلى قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، مما يفتح الباب أمام استخدام صلاحيات مكافحة الإرهاب -التي صُممت أصلاً لمواجهة "الإرهاب الدولي"- في سياق محلي وسياسي.

هذا التوسع في التصنيف حملته الاستراتيجية في إطار أيديولوجي واضح، إذ تحدث مسؤول الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، سيباستيان غوركا، عن "الصعود المذهل الذي لا يمكن إنكاره للإرهاب الراديكالي الأصلي من اليسار"the incredible, undeniable rise in left-wing indigenous radical terrorism),مستشهدًا بأحداث محددة لتدعيم وجود هذا التهديد. كما حملت الاستراتيجية إشارات واضحة إلى أيديولوجيات تصفها بـ"المعادية لأمريكا" و"الراديكالية المؤيدة للتحول الجنسي".

2.3. التحدي الأكبر: إقصاء التهديد "الأبيض المتطرف"

ولعل أبرز ما يفضح الطابع "المسيّس" لهذه الاستراتيجية هو ما لم تتضمنه. فبينما ركزت الوثيقة على المتطرفين اليساريين كتهديد داخلي رئيسي، تجاهلت تمامًا فئة ما يُعرف بـ REMVERacially or Ethnically Motivated Violent Extremismالتي تشمل الجماعات البيضاء المتطرفة والنازية الجديدة.

هذا الإقصاء ملفت للغاية، إذ أن كل وثائق مجتمع الاستخبارات الأمريكي (Intelligence Community) على مدار عقد كامل تصنف REMVE على أنها المصدر الرئيسي لحالات الوفاة المرتبطة بالإرهاب المحلي في الولايات المتحدة. فقد شهد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريستوفر راي بذلك تحت القسم مرارًا، وأكدته وزارة الأمن الداخلي (DHS) ومكتب المحاسبة الحكومي (GAO)، بل إن إدارة ترامب الأولى نفسها هي التي صاغت مصطلح REMVE وأجرت أول تصنيفات وزارة الخارجية ضد جماعة نازية جديدة روسية في عام 2020.

في أحد التحليلات الناقدة، كتب مسؤول أمريكي سابق كبير في مكافحة الإرهاب: "ما نشرناه هو كتيب أيديولوجي بختم البيت الأبيض على الغلاف. الاستراتيجية الحقيقية لمكافحة الإرهاب تمر بعملية بين وكالات تطول، حيث يتشاجر مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزيةووزارة الخارجية ووزارة الخزانة ووزارة الدفاع على كل فقرة... هذا لم يحدث هنا. يمكنك معرفة ذلك لأن الجمل تبدو كشاشات أخبار الكابل. 'المتطرفون اليساريون العنيفون' و'معاداة أمريكا' و'معاداة المسيحية' ليست فئات تحليلية. إنها نقاط نقاش تم إسقاطها في ملف Word من قبل أشخاص لم يقوموا بالعمل الحقيقي قط". 

هذا الإقصاء المقصود للتهديد "الأبيض المتطرف" مع التركيز المكثف على التهديد اليساري والجهادي، يُظهر بوضوح أن الاستراتيجية لم تكن مجرد وثيقة أمنية موضوعية، بل أداة سياسية تعكس أولويات أيديولوجية وسياسية قبل أن تعكس تهديدات أمنية حقيقية.

ثالثًا: توسيع أدوات المراقبة: الآليات والآثار

3.1. صندوق الأدوات الدستورية المتاحة

الاستراتيجية الجديدة لا تقتصر على تغيير التصنيفات فقط، بل توسع بشكل كبير في آليات المراقبة والإنفاذ المتاحة للحكومة. فالوثيقة تؤكد أن الحكومة ستستخدم "جميع الأدوات المتاحة دستوريًاall the tools constitutionally available" لـ "تخطيط" هذه الجماعات، وتحديد هوية أعضائها، وتعطيل عملياتهم.

في الشرح الذي قدمته مجلة "إنفورسمينت إيدج" المتخصصة بالشؤون القانونية، بمجرد إعادة صياغة أي سلوك من خلال عدسة مكافحة الإرهاب، تحصل الحكومة الأمريكية على إمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من صلاحيات التحقيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية والإنفاذ القانوني التي يمكن أن يكون لها آثار كبيرة على الشركات والمنظمات غير الربحية والمؤسسات المالية ومنصات التكنولوجيا والجامعات وأرباب العمل.

3.2. من الجريمة الجنائية إلى الأمن القومي

جوهر التحول في الاستراتيجية هو نقل عدد من القضايا التي كانت تُعالج تقليديًا ضمن إطار القانون الجنائي العادي أو التنظيمي، إلى إطار الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. هذا النقل له عواقب وخيمة على عدة مستويات:

- مستوى التحقيق: تمنح صلاحيات مكافحة الإرهاب الحكومة سلطات أوسع في المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية، بدون القيود الإجرائية التي تخضع لها التحقيقات الجنائية التقليدية.

- مستوى الملاحقة: أدوات مثل قوانين "الدعم المادي" (Material Support Statutes) يمكن تطبيقها في حالات لا توجد فيها تهم جنائية مباشرة. حتى لو لم يتم توجيه أي تهم، يمكن أن تخلق العقوبات وقوائم المراقبة لوائح تنظيمية تعرض الأفراد والمنظمات لمخاطر قانونية وسمعية جسيمة.

- مستوى الردع: تصنيف جماعة كـ"منظمة إرهابية أجنبية" (Foreign Terrorist Organization - FTO) يقطع تمويلها وتجنيدها، ويسمح للحكومة باستهدافها بأدوات عسكرية واستخباراتية مكثفة. هذا يعني أن جماعات يسارية داخلية يمكن أن تُعالج بنفس الأدوات التي تُعالج بها تنظيم القاعدة أو داعش.

3.3. الاستراتيجية كـ"عقيدة دولة استخباراتية"

يمكن قراءة هذه الاستراتيجية على أنها ليست مجرد وثيقة لمكافحة الإرهاب، بل "عقيدة أيديولوجية واستراتيجية للدولة الاستخباراتية" المنشودة. حيث تجمع بين الإرث الأمني التقليدي والرؤية الأيديولوجية المحافظة، وتُخضع مفاهيم مثل العدالة والحقوق المدنية لأولويات الأمن القومي. ما يسمى بـ"الدولة الاستخباراتية" هي التي تنتج "تهديدًا" أمنيًا من أي معارضة سياسية، وتُخضع المجتمع بأسره لمنطق المراقبة والأمن الوقائي.

الاستراتيجية تعكس إيمانًا بأن أساليب الاستخبارات والإنفاذ الحالية "عالقة في طرق قديمة للنظر إلى التهديدات"، وتدعو إلى نموذج أكثر تكاملًا يجمع بين الأدوات العسكرية والاستخباراتية والمالية والإلكترونية والشرطية. هذا التكامل، إذا ما قُرنَ بالتوسع في تعريف التهديدات، يخلق إطارًا أمنيًا متشعبًا يمكن أن يصل إلى قطاعات واسعة من المجتمع المدني والنشاط السياسي.

 

رابعا: الخلاصة: التحديات والآفاق

تمثل الاستراتيجية الوطنية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 تحولاً عميقًا وجذريًا في سياسة الولايات المتحدة، يحمل في طياته تداعيات بعيدة المدى. لم يعد مكافحة الإرهاب أداة لمواجهة تهديدات خارجية أو إجرامية واضحة، بل أصبح إطارًا شاملاً يمكن استخدامه لاستهداف خصوم سياسيين وأيديولوجيات محلية، تحت مسميات أمنية واسعة ومرنة.

أبرز إشكاليات الاستراتيجية تتمثل في ثلاثة جوانب رئيسية:

أولاً: تسييس مفهوم الإرهاب. الاستراتيجية تعكس أيديولوجية سياسية أكثر مما تعكس تحليلًا موضوعيًا للتهديدات، كما يتجلى في إقصاء التهديد "الأبيض المتطرف" وتركيزها الانتقائي على التهديد اليساري. هذا يؤسس لسابقة خطيرة يمكن أن تحذو حكومات أخرى حذوها لتبرير قمع المعارضة تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

ثانيًا: توسيع أدوات المراقبة. نقل قضايا كانت تعالج جنائيًا إلى إطار الأمن القومي يمنح الحكومة صلاحيات غير مسبوقة في المراقبة والملاحقة والتجريم، دون الضمانات الإجرائية التقليدية. هذا يعيد إنتاج نموذج "الدولة الاستخباراتية" ويوسع نطاقها.

ثالثًا: التأثير على المعايير الدولية. هذا التحول الأمريكي يُضعف القدرة على نقد الدول الأخرى لتوسيع تعريف الإرهاب أو توظيفه سياسيًا، ويخلق حالة من التطبيع مع ممارسات كانت تعتبر غير مقبولة سابقًا.

هذه الإشكاليات لا تعني أن مكافحة الإرهاب ليست ضرورة ملحة، بل تعني أن الاستراتيجية الحالية تفشل في التمييز بين تهديدات حقيقية ومخاوف سياسية، وتُخضع قيم الديمقراطية والحقوق المدنية لمنطق أمني متشعب. مستقبل مكافحة الإرهاب يتطلب إعادة النظر في هذه الوثيقة على أنها "كتيب أيديولوجي" أكثر مما هي "استراتيجية أمنية وطنية"، والعودة إلى صياغة سياسات تستند إلى تحليل موضوعي للتهديدات لا إلى تقييمات سياسية متحيزة.



المراجع :

خضر، نبيل (أ.د.). (2022). "مكافحة الإرهاب في الوطن العربي: بين الردع الأمني واحترام حقوق الإنسان" . مجلة الدراسات الأمنية والقانونية، المركز العربي للبحوث والدراسات السياسية، القاهرة. العدد 14، ص 112-145.

العساف، يوسف (د.). (2023). "الإطار القانوني الدولي لمكافحة الإرهاب وإشكالات التطبيق في المنطقة العربية: إعادة النظر فيتعريف الجريمة وآليات المحاكمة" . سلسلة أبحاث الأمن القومي، مركز الخليج للأبحاث، دبي. العدد 27، ص 88-121.

المقالات الأخيرة