لم يعد التحول السياسي داخل قطاعات من نخبة التكنولوجيا الأمريكية مجرد انتقال فردي أو جماعي من المواقف الليبرالية التقليدية إلى مواقف أكثر محافظة، بل أصبح مؤشراً على ظهور مخيال سياسي جديد يعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة وحدود الديمقراطية ومصادر الشرعية، ومستقبل السلطة في عصر التكنولوجيا المتقدمة فقد ارتبط وادي السيليكون لعقود طويلة بصورة ثقافية تقوم على الانفتاح الاجتماعي، وحرية تداول المعلومات، وتشجيع الابتكار، والشك في المؤسسات المركزية غير أن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً ملحوظاً في مواقف بعض أبرز المستثمرين ورواد الأعمال، الذين أصبحوا أكثر انتقاداً للتنظيم الحكومي وأكثر تشككاً في قدرة المؤسسات الديمقراطية التقليدية على مواكبة سرعة التطور التكنولوجي، وأكثر استعداداً للتقارب مع التيارات المحافظة والقومية في الولايات المتحدة.
ويأتي هذا التحول في ظل تغير جذري في موقع التكنولوجيا داخل الدولة والمجتمع فلم تعد الشركات التكنولوجية مجرد مؤسسات اقتصادية تبيع البرمجيات أو الأجهزة وإنما أصبحت تدير منصات الاتصال، والبنية السحابية، ومراكز البيانات، والأنظمة الرقمية، ومحركات البحث، والذكاء الاصطناعي، وشبكات المدفوعات، وهي قطاعات باتت تمثل بنية أساسية للاقتصاد والمجتمع والأمن القومي كما أدى تصاعد المنافسة الدولية على أشباه الموصلات والطاقة والحوسبة والذكاء الاصطناعي إلى زيادة اعتماد الدول على قدرات الشركات الخاصة، الأمر الذي منح أصحاب هذه الشركات نفوذاً يتجاوز حدود النشاط الاقتصادي التقليدي.
الجذور الفكرية للتيار
يصعب فهم اليمين التكنولوجي باعتباره امتداداً مباشراً لليمين المحافظ التقليدي، لأن جذوره الفكرية أكثر تعقيداً وتنوعاً فقد تشكل جزء كبير من بيئته الفكرية داخل ثقافة وادي السيليكون التي جمعت بين رفض المؤسسات المركزية، والإيمان بحرية الفرد، والثقة في التكنولوجيا والأسواق، والاعتقاد بأن الابتكار قادر على تجاوز القيود التي تفرضها الدولة. وقد عُرفت هذه التركيبة الفكرية في بعض الأدبيات باسم "أيديولوجيا كاليفورنيا"، حيث التقت الثقافة المضادة للسلطة مع التحررية الاقتصادية والإيمان بقدرة التكنولوجيا على تغيير المجتمع.
ومن هذه البيئة ظهرت التحررية السيبرانية التي نظرت إلى الإنترنت باعتباره فضاءً يمكن من خلاله تجاوز الحدود التقليدية للدولة والمؤسسات وقد حملت هذه الرؤية في بدايتها مضموناً تحررياً واضحاً، إذ اعتبرت الإنترنت وسيلة لتوسيع حرية التعبير وتسهيل الوصول إلى المعلومات وتقليل قدرة السلطات على احتكار المعرفة. غير أن هذه الفكرة حملت في الوقت نفسه تصوراً ضمنياً يرفع من مكانة المهندس والمبرمج ورائد الأعمال بوصفهم أصحاب القدرة على بناء نظم جديدة، مقابل السياسي والبيروقراطي اللذين ينظر إليهما باعتبارهما ممثلين لنظام بطيء وعاجز عن مواكبة المستقبل.
ويتقاطع اليمين التكنولوجي مع النيوليبرالية في الثقة بالأسواق والمنافسة والقطاع الخاص، وفي الشك في قدرة التنظيم الحكومي على إنتاج أفضل النتائج. إلا أن بعض تياراته تتجاوز النيوليبرالية التقليدية؛ فهي لا تكتفي بالمطالبة بتقليص حجم الدولة، وإنما تطرح إمكانية إنشاء نظم اجتماعية وسياسية جديدة خارج المؤسسات التقليدية. وبذلك يتحول السوق من مجرد أداة اقتصادية إلى وسيلة محتملة لإعادة تنظيم المجتمع نفسه، وتتحول الشركة من مؤسسة اقتصادية إلى نموذج محتمل للحكم والإدارة.
كما ترتبط بعض التيارات الأكثر راديكالية بالرجعية الجديدة والتسارعية، حيث تظهر انتقادات صريحة للديمقراطية والتمثيل السياسي. ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذا الاتجاه كورتيس يارفين ونيك لاند. وينطلق هذا الفكر من الشك في قدرة الديمقراطية على إدارة مجتمعات شديدة التعقيد والتسارع، ويرى أن تركيز السلطة قد يؤدي إلى سرعة أكبر في اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات غير أن هذه الأفكار لا تمثل اليمين التكنولوجي بأكمله، بل تشكل أحد أطرافه الأكثر تطرفاً.
التسارع والوفرة التكنولوجية
تقوم إحدى أهم الرؤى داخل اليمين التكنولوجي على فكرة أن المشكلة الأساسية التي تواجه المجتمعات الغربية ليست نقص المعرفة أو الموارد، وإنما ضعف القدرة على البناء والتنفيذ. ووفق هذا التصور، أدت البيروقراطية والتنظيمات الحكومية والخوف من المخاطرة إلى إبطاء مشروعات الطاقة والإسكان والبنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا ومن ثم، فإن تسريع الابتكار وتحرير رواد الأعمال من القيود يمثلان، في نظر أصحاب هذا الاتجاه، شرطاً أساسياً لتحقيق النمو والوفرة.
وقد عبّر مارك أندريسن عن هذه الرؤية بوضوح في مقاله "حان وقت البناء" ثم في "بيان المتفائل التكنولوجي"، حيث قدم التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال باعتبارها قوى قادرة على مواجهة أزمات الإنتاج والنمو. ويضع هذا التصور "الباني" في مواجهة البيروقراطي؛ فالأول ينتج حلولاً ملموسة، بينما ينشغل الثاني بوضع القيود والإجراءات. ومن هنا تأتي الدعوة إلى إعطاء الأولوية لمن يستطيع إنشاء المنتجات والبنى الجديدة، بدلاً من توسيع نفوذ المؤسسات التي تركز على التنظيم والرقابة.
وقد اكتسبت هذه الرؤية زخماً إضافياً مع التطور السريع في الذكاء الاصطناعي فظهرت حركة التسارعية الفعالة (e/acc) التي تدعو إلى تسريع الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والحوسبة بدلاً من فرض قيود واسعة عليه ويرى أنصار هذا الاتجاه أن المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا يمكن التعامل معها من خلال تطوير مزيد من التكنولوجيا، وأن إبطاء الابتكار قد يؤدي إلى نتائج أكثر خطورة من السماح له بالتوسع.
ولا تنتمي التسارعية بالضرورة إلى اليمين السياسي، إذ توجد لها جذور واتجاهات مختلفة، لكن بعض صيغها داخل البيئة التكنولوجية المحافظة ارتبطت برفض التنظيم الحكومي والاعتراض على محاولات وضع قيود مسبقة على الذكاء الاصطناعي. وتقوم هذه الرؤية على افتراض أن التكنولوجيا تتحرك بسرعة تفوق قدرة المؤسسات السياسية على مواكبتها، وأن محاولة إخضاعها بالكامل للعمليات السياسية التقليدية قد تؤدي إلى فقدان القدرة على المنافسة الدولية.
سيادة المؤسس والدولة الشبكية
تمثل فكرة "سيادة المؤسس" أحد أكثر التحولات إثارة للجدل داخل اليمين التكنولوجي، إذ تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمؤسسة والدولة وبدلاً من النظر إلى الديمقراطية باعتبارها الوسيلة الأساسية لمشاركة المواطنين في صياغة القواعد التي تحكمهم، يرى بعض أنصار هذا الاتجاه أن الحرية يمكن تحقيقها من خلال قدرة الفرد على اختيار النظام الذي يريد الانتماء إليه أو مغادرته عندما لا يوافق عليه.
وتظهر هذه الفكرة في التمييز بين "الصوت" و"الخروج"؛ فالصوت يعني المشاركة في تغيير المؤسسة من الداخل، بينما يشير الخروج إلى القدرة على مغادرة المؤسسة والانتقال إلى نظام آخر. وتستند هذه الرؤية إلى اعتقاد بأن المنافسة بين المدن والشبكات والمجتمعات يمكن أن تؤدي إلى نتائج أفضل من محاولة إصلاح نظام سياسي واحد يفرض قواعده على الجميع.
ويبرز بيتر ثيل باعتباره أحد أبرز الأسماء التي طرحت أفكاراً مرتبطة بهذا الاتجاه. فقد أبدى تشككاً في العلاقة بين الحرية والديمقراطية، ودعا إلى البحث عن مساحات يستطيع الأفراد من خلالها تجاوز القيود السياسية التقليدية كما ارتبط اسمه بأفكار حول الفضاء الرقمي والاستيطان البحري والفضاء الخارجي بوصفها مجالات يمكن أن تسمح بتجربة نظم اجتماعية جديدة.
أما كورتيس يارفين، فيقدم نموذجاً أكثر راديكالية يقوم على إدارة الدولة بصورة تشبه إدارة الشركة، بحيث تتركز السلطة في يد مدير يتمتع بصلاحيات واسعة، ويصبح معيار نجاحه هو القدرة على اتخاذ القرار وتحقيق النتائج. وفي هذا النموذج، تتراجع أهمية المشاركة الديمقراطية لصالح الكفاءة وسرعة اتخاذ القرار، بينما يصبح حق المغادرة أحد أهم الضمانات المتاحة للفرد.
ويقدم بالاجي سرينيفاسان تصوراً مختلفاً من خلال مفهوم "الدولة الشبكية"، التي تبدأ من جماعة رقمية تتشكل حول أهداف أو قيم مشتركة، ثم تجمع الموارد وتؤسس وجوداً مادياً على الأرض، وصولاً إلى السعي للحصول على اعتراف سياسي. ويعكس هذا النموذج انتقالاً من فكرة أن الإقليم هو الذي يصنع الجماعة السياسية إلى فكرة أن الجماعة الرقمية يمكن أن تبني نفسها أولاً ثم تبحث عن الإقليم والسيادة لاحقاً.
وتكشف هذه الأفكار عن تحول مهم في مفهوم المواطنة. ففي النظام الديمقراطي التقليدي، المواطن ليس مستهلكاً للخدمات السياسية، وإنما شريك في تحديد القواعد العامة أما في بعض تصورات اليمين التكنولوجي، فيتحول الفرد إلى مستخدم يستطيع اختيار النظام أو المدينة أو الشبكة التي تناسبهوبذلك تصبح المنافسة بين النظم بديلاً جزئياً عن المشاركة داخل النظام.
البيئة التكنولوجية والانتقال إلى السلطة
مع تصاعد المنافسة الدولية في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والحوسبة والدفاع، برز اتجاه جديد داخل البيئة التكنولوجية يقوم على الجمع بين الابتكار والقوة الوطنية. ويعرف هذا الاتجاه باسم القومية التكنولوجية، وهو يرى أن التفوق التكنولوجي أصبح عنصراً أساسياً في القوة الاقتصادية والعسكرية للدولة، وأن الشركات الخاصة والدولة بحاجة إلى شراكة استراتيجية طويلة الأجل.
ويختلف هذا التصور عن التحررية التكنولوجية التي تسعى إلى الابتعاد عن الدولة، لأنه يرى أن الدولة تمثل أداة ضرورية لبناء القدرات الاستراتيجية. فالدولة تستطيع تمويل الأبحاث الأساسية، ودعم الجامعات، وتطوير البنية التحتية، وتأمين سلاسل توريد الرقائق، وشراء التكنولوجيا العسكرية، وفرض القيود على المنافسين الدوليين، بينما توفر الشركات سرعة الابتكار والقدرة على تطوير المنتجات والخدمات.
ويعبّر كتاب "الجمهورية التكنولوجية" لألكسندر كارب ونيكولاس زاميسكا عن هذا الاتجاه، من خلال الدعوة إلى إعادة بناء العلاقة بين وادي السيليكون والمؤسسات الوطنية وإلى توجيه قدر أكبر من الابتكار نحو الدفاع والأمن القومي والمشروعات الاستراتيجية. ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من أدوات القوة الدولية، وأن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة، لن تُحسم من خلال الأسواق وحدها.
وقد اكتسب هذا الاتجاه أهمية سياسية أكبر مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، حيث وجد بعض رموز التكنولوجيا مساحة أكبر للتأثير في دوائر صنع القرار وبرز ديفيد ساكس في ملفات الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، كما أصبح مايكل كراتسيوس من الشخصيات البارزة في إدارة السياسة العلمية والتكنولوجية، في حين ضمت الدوائر الاستشارية شخصيات من عالم الاستثمار والتكنولوجيا، من بينها مارك أندريسن.
ويكشف هذا التطور عن انتقال اليمين التكنولوجي من مرحلة التأثير الفكري إلى مرحلة التأثير السياسي المباشر ولم تعد القضية تقتصر على المطالبة بخفض الضرائب أو تخفيف التنظيم وإنما أصبحت تشمل إعادة تصميم الدولة نفسها وفق مفاهيم الكفاءة والسرعة والاعتماد على التكنولوجيا وقد ظهر ذلك بوضوح في مبادرات إصلاح الجهاز الحكومي التي ارتبطت بإيلون ماسك، والتي اعتمدت على تقليص النفقات، واستخدام البرمجيات، والاستعانة بالمهندسين وأدوات تحليل البيانات في إعادة تنظيم المؤسسات العامة.
كما وضعت الاستراتيجية الأمريكية للذكاء الاصطناعي تسريع الابتكار وتطوير البنية التحتية للحوسبة والطاقة وأشباه الموصلات، وتعزيز التنافسية الأمريكية في قلب السياسة التكنولوجية ويعكس ذلك انتقالاً من النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها قطاعاً اقتصادياً مستقلاً إلى اعتبارها جزءاً من الأمن القومي والاستراتيجية الدولية.
خاتماً: يكشف صعود اليمين التكنولوجي عن تحول أعمق من مجرد تغير في التوجهات الحزبية لنخبة وادي السيليكون؛ فهو يعكس إعادة صياغة لمفهوم السلطة في ظل صعود التكنولوجيا بوصفها بنية أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وقد ساهمت عوامل متعددة في هذا التحول، من بينها توسع نفوذ الشركات التكنولوجية، وتسارع الذكاء الاصطناعي، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية، وتصاعد المنافسة الدولية، والشعور بأن النظام السياسي غير قادر على مواكبة سرعة التغيير.
ويمكن القول إن الصراع حول التكنولوجيا أصبح في جوهره صراعاً حول من يملك حق تصميم المستقبل فإذا نجحت النخب التكنولوجية في تحويل قدرتها على البناء إلى سلطة غير خاضعة للمساءلة، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل النظام السياسي على أسس تتجاوز النموذج الديمقراطي التقليدي أما إذا تمكنت المجتمعات من تطوير مؤسسات تستوعب الابتكار وتحافظ في الوقت نفسه على المشاركة والمساءلة، فقد تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتجديد الديمقراطية بدلاً من أن تصبح بديلاً عنها.
المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. دينا شحاتة
التاريخ : 24/8/2026
------------------------------------------------------------------------------------------
الكاتب : د. خالد وليد محمود
التاريخ : 12/3/2025
