الأمن السوري بين النفوذ التركي والضغوطات الإسرائيلية
فرع القاهرة

لم تعد التحولات الأمنية التي تشهدها سوريا خلال عام 2026 تدور حول قدرة السلطة الجديدة في دمشق على إعادة بناء مؤسسات الدولة فحسب، وإنما باتت تتجه بصورة متزايدة نحو سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بمن سيحدد شكل البيئة الأمنية السورية الجديدة. فبعد أن ركز الرئيس السوري أحمد الشرع على إعادة تجميع مؤسسات الدولة وتعزيز مركزيتها، وإنهاء مراكز القوة العسكرية المستقلة، والانفتاح على القوى الإقليمية والدولية، برز تصاعد في التوتر التركي–الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، ولا سيما حول طبيعة الدور الذي يمكن لكل طرف أن يمارسه في مرحلة إعادة بناء سوريا.

وقد جاءت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري السوري في 18 أغسطس 2026 لتكشف عن طبيعة هذا التنافس، في وقت تحدثت فيه تقارير دولية عن تنامي التعاون العسكري التركي مع دمشق. وبررت إسرائيل الضربة بمخاوف من احتمال نشر قوات تركية في المطار، بينما نفت دمشق وجود خطط لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في الموقع وأدانت الضربة باعتبارها انتهاكًا للسيادة السورية.

ولا تكمن أهمية هذه التطورات في الضربة العسكرية ذاتها، بقدر ما تكشفه من تحول في طبيعة التحدي الذي تواجهه حكومة الشرع. فالمعضلة لم تعد محصورة في توحيد الأراضي السورية ودمج الفصائل المسلحة، وإنما أصبحت مرتبطة بكيفية إعادة بناء القوة السورية في ظل تنافس قوى إقليمية على تحديد حدود هذه القوة واتجاهاتها. ومن هنا يطرح التحليل تساؤلًا رئيسيًا: أين يقف أحمد الشرع من التنافس التركي–الإسرائيلي داخل سوريا؟ وهل يتجه إلى الانحياز إلى أحد الطرفين، أم يحاول الحفاظ على موقع مستقل يتيح له الاستفادة من علاقاته المتعددة ومنع تحول سوريا إلى ساحة صراع إقليمي؟

إعادة بناء الدولة السورية

لفهم موقف أحمد الشرع من التطورات الراهنة، ينبغي النظر أولًا إلى المسار الذي اتبعته حكومته في إعادة بناء مؤسسات الدولة. فقد اتجهت دمشق إلى استعادة مركزية القرار السياسي والأمني، وإنهاء تعدد مراكز القوة، وإدماج الفصائل والقوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة. ويعد ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد» من أبرز الملفات التي عكست هذا التوجه، إذ أُعلن في 25 أغسطس عن الاتجاه إلى دمج قواتها وتشكيلاتها في ألوية الجيش السوري، بالتزامن مع لقاء أحمد الشرع بقائدها مظلوم عبدي لبحث خطوات المرحلة التالية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز بعدها الداخلي، لأنها تؤثر بصورة مباشرة في حسابات تركيا وإسرائيل. فمن الجانب التركي، يمثل إنهاء وجود قوة كردية مسلحة مستقلة على الحدود تطورًا يخفف أحد أبرز مصادر القلق الأمني لأنقرة. أما بالنسبة إلى دمشق، فإن دمج هذه القوات داخل مؤسسات الدولة يمثل خطوة باتجاه بناء مركز أمني وعسكري واحد. وفي المقابل، قد تنظر إسرائيل إلى نجاح هذا المسار باعتباره مقدمة لظهور مؤسسة عسكرية سورية أكثر تماسكًا وقدرة على إعادة بناء قوتها الدفاعية.

وبالتالي، فإن عملية توحيد المؤسسة العسكرية السورية لا يمكن فصلها عن التنافس الإقليمي؛ فكلما نجحت دمشق في احتكار أدوات القوة، ازدادت قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، لكن ذلك قد يجعلها في الوقت نفسه أكثر أهمية في حسابات القوى الإقليمية. ومن هنا يصبح بناء الجيش السوري ليس مجرد مسألة داخلية، بل جزءًا من إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.

التنافس التركي–الإسرائيلي على الأمن السوري

تمثل العلاقة بين سوريا وتركيا حالة مختلفة عن علاقات دمشق مع بقية القوى الإقليمية، إذ لا تقتصر على الدعم السياسي أو الاقتصادي، وإنما ترتبط بإعادة ترتيب البيئة الأمنية والعسكرية في شمال سوريا. كما تتقاطع المصالح التركية والسورية في ملفات الحدود وقوات سوريا الديمقراطية والطاقة والبنية التحتية وإعادة بناء مؤسسات الدولة. لذلك من الصعب تصور تخلي دمشق عن التعاون التركي لمجرد تصاعد التوتر مع إسرائيل.

وفي المقابل، فإن ما تعتبره دمشق مساعدة تركية في إعادة بناء الدولة قد تراه إسرائيل إعادة تشكيل لميزان القوة داخل سوريا. فالمخاوف الإسرائيلية لا ترتبط فقط بحجم الوجود التركي الحالي، وإنما بالمسار الذي يمكن أن يؤدي إليه هذا الوجود، بما في ذلك تدريب القوات السورية وتطوير المنشآت العسكرية وتعزيز قدرات المؤسسة الدفاعية، وربما نشوء علاقة عسكرية طويلة الأمد بين دمشق وأنقرة ولهذا أصبح التعاون العسكري التركي–السوري أحد عناصر القلق الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، جاءت ضربة مطار أبو الظهور باعتبارها مؤشرًا على انتقال التنافس إلى مستوى أكثر مباشرة فقد نفت دمشق وجود خطط لإنشاء قاعدة تركية أو نشر قوات تركية في المطار، وأكدت أن استهدافه يمثل انتهاكًا للسيادة السورية. كما أظهرت التحركات الأمريكية اللاحقة أن واشنطن تنظر إلى منع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا باعتباره جزءًا من الحفاظ على استقرار المرحلة الانتقالية.

ومع ذلك، لم تؤد الضربة إلى إغلاق المسار التفاوضي السوري–الإسرائيلي. فقد أعلنت دمشق سعيها إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، واستمرت الاتصالات بعد الضربة، بما في ذلك اجتماع سوري–إسرائيلي بوساطة أمريكية واستضافة أردنية ويشير ذلك إلى أن حكومة الشرع لا تتعامل مع إسرائيل باعتبارها طرفًا يجب إخراجه من المعادلة بالقوة، وإنما تحاول إدخال العلاقة معها في إطار تفاوضي يحد من قدرتها على تعطيل إعادة بناء الدولة السورية.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية أمام دمشق: فهي تحتاج إلى التعاون مع تركيا لإعادة بناء مؤسساتها، لكنها لا تريد أن يتحول هذا التعاون إلى سبب لمواجهة مباشرة مع إسرائيل. ولذلك تحاول الحكومة إدارة التناقض بدلًا من حسمه لصالح طرف واحد.

سياسة الشرع في إدارة التناقضات الإقليمية والدولية

تشير قراءة التطورات الأخيرة إلى أن أحمد الشرع لا يستطيع التخلي عن تركيا، نظرًا إلى وزنها في البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية المحيطة بسوريا، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع تجاهل إسرائيل، التي تمتلك قدرة عسكرية مباشرة على التأثير في الأراضي السورية وتعطيل أي عملية لإعادة بناء القدرات العسكرية إذا اعتبرتها تهديدًا لأمنها.

ومن ثم، يبدو أن الشرع يتجه إلى مسار ثالث يقوم على الحفاظ على الشراكة مع تركيا، وفتح قناة تفاوضية مع إسرائيل، والاستعانة بالولايات المتحدة لمنع تحول التنافس بين الطرفين إلى مواجهة مباشرة داخل سوريا ويمنح هذا المسار دمشق هامشًا للمناورة، لأنه يسمح لها بالحصول على الدعم التركي دون تحويله إلى تحالف عسكري مغلق، وفي الوقت نفسه يتيح لها التواصل مع إسرائيل بهدف الحد من الضربات وإعادة ضبط قواعد الحركة العسكرية.

وتكتسب الولايات المتحدة أهمية خاصة في هذه المعادلة، لأنها أصبحت أيضًا طرفًا في إدارة التناقضات الأمنية بين القوى الموجودة في سوريا فمحاولة إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا تعكس إدراكًا بأن استمرار التصعيد قد يهدد استقرار المرحلة الانتقالية ويقوض جهود إعادة بناء الدولة.

غير أن قدرة الشرع على إدارة التنافس الخارجي ستظل مرتبطة بنجاحه في معالجة التحديات الداخلية. فدمج قسد لا يعني انتهاء جميع الملفات العالقة، إذ لا تزال هناك قضايا مرتبطة بكيفية دمج بعض التشكيلات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. وبالتالي فإن الانتقال من الاتفاق السياسي إلى مؤسسة عسكرية موحدة يظل عملية معقدة.

وكلما بقي الداخل السوري هشًا ومتعدد مراكز القوة، ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على التأثير في مساره أما إذا نجحت دمشق في توحيد المؤسسة العسكرية وضبط الحدود وتقليص نفوذ الفصائل المستقلة، فإن قدرتها على حماية قرارها السيادي ستزداد.

وبناءً على ذلك، يمكن تحديد سياسة الشرع في ثلاثة مسارات: استكمال إعادة بناء مركز الدولة ودمج القوى المسلحة؛ الحفاظ على التعاون مع تركيا مع محاولة ضبط طبيعته؛ ومواصلة التفاوض مع إسرائيل للوصول إلى ترتيبات تحد من الضربات الإسرائيلية وتضع قواعد أكثر وضوحًا للحركة العسكرية داخل الأراضي السورية.

مستقبل استقلال القرار الأمني السوري

لا يمكن فهم سياسة الشرع تجاه تركيا وإسرائيل بمعزل عن محاولته تنويع علاقات سوريا الخارجية فقد اتجهت دمشق إلى بناء شبكة علاقات أوسع مع الدول العربية والولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، إلى جانب تركيا وغيرها من القوى الإقليمية ويمنح هذا التنوع دمشق بدائل متعددة ويقلل احتمالات وقوعها تحت نفوذ طرف واحد.

وتوفر العلاقات العربية دعمًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا لعملية إعادة الإعمار، بينما يمنح الانفتاح على الولايات المتحدة وأوروبا دمشق مساحة أوسع لإعادة الاندماج الدولي. وفي المقابل، يتيح استمرار التواصل مع روسيا الحفاظ على قنوات مع قوة دولية ذات حضور تاريخي في سوريا بينما تمثل تركيا الشريك الإقليمي الأكثر ارتباطًا بملفات الأمن والحدود وإعادة بناء المؤسسات.

ومن الناحية الاستراتيجية، لا يعني تنويع العلاقات أن دمشق تمتلك حرية مطلقة في اتخاذ قراراتها، لكنه يزيد هامش المناورة أمامها. فالشرع يستطيع من خلال تعدد الشركاء تجنب تحويل التعاون مع تركيا إلى تبعية كاملة، كما يستطيع التفاوض مع إسرائيل دون جعل العلاقة معها بديلًا عن علاقاته الإقليمية والدولية الأخرى.

ومن المرجح أن يصبح مستقبل القرار الأمني السوري مرتبطًا بقدرة دمشق على تحويل هذا التنوع الدبلوماسي إلى استقلال فعلي في القرار. ويتطلب ذلك بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة، وضبط الحدود، وتعزيز قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة، وإقامة ترتيبات واضحة مع القوى الخارجية الموجودة أو المؤثرة في الساحة السورية.

وفي هذا الإطار، يمكن أن يكون التنافس التركي–الإسرائيلي عامل ضغط على دمشق، لكنه قد يتحول أيضًا إلى فرصة إذا استطاعت الحكومة السورية استخدام التنافس بين القوى الإقليمية للحصول على دعم لإعادة بناء مؤسساتها دون السماح لأي طرف بالسيطرة على القرار السوري. فالهدف لا ينبغي أن يكون اختيار تركيا على حساب إسرائيل أو العكس، وإنما منع الطرفين من تحويل سوريا إلى مجال مفتوح للتنافس الأمني.

ومن ثم، فإن مستقبل سوريا الأمني سيتحدد بدرجة كبيرة بمدى نجاح الشرع في تحقيق توازن بين الحاجة إلى الدعم الخارجي وضرورة الحفاظ على القرار الوطني. وكلما أصبحت الدولة السورية أكثر تماسكًا، أصبحت قدرتها على التفاوض مع القوى الإقليمية أكبر، بينما يؤدي استمرار الضعف المؤسسي إلى زيادة فرص التدخل الخارجي.

خاتماً: تكشف التطورات الأمنية في سوريا خلال عام 2026 أن الصراع على مستقبل البلاد لم يعد يقتصر على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنما امتد إلى التنافس على طبيعة هذه المؤسسات وحدود علاقاتها بالقوى الإقليمية وقد أظهرت التطورات المرتبطة بالتعاون التركي–السوري والضربة الإسرائيلية لمطار أبو الظهور أن عملية إعادة بناء القوة السورية أصبحت جزءًا من معادلة أمنية إقليمية معقدة.

وفي هذا السياق، لا يبدو أحمد الشرع منحازًا بصورة كاملة إلى تركيا أو إسرائيل، وإنما يتبع سياسة تقوم على إدارة التناقض بينهما. فهو يحتاج إلى تركيا في عملية إعادة بناء الدولة، لكنه يحاول منع تحول التعاون معها إلى وجود عسكري دائم يثير مخاوف إسرائيل، وفي الوقت نفسه يفتح مسارًا تفاوضيًا مع إسرائيل للحد من الضربات والحصول على ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا.

وتعتمد قدرة هذه السياسة على نجاح دمشق في بناء مركز أمني وعسكري موحد. فكلما نجحت الحكومة في دمج الفصائل والقوى المسلحة، وضبط الحدود، وإنهاء مراكز القوة المستقلة، زادت قدرتها على حماية استقلال القرار السوري أما استمرار الانقسامات الداخلية فسوف يترك المجال مفتوحًا أمام القوى الإقليمية للتأثير في مسار بناء الدولة وفي المحصلة، فإن التحدي الحقيقي أمام الشرع لا يتمثل في الاختيار بين تركيا وإسرائيل، وإنما في بناء سوريا قادرة على التعامل مع الطرفين من موقع الدولة لا من موقع الساحة المتنازع عليها. ويبدو أن تنويع العلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية وأوروبا وروسيا وتركيا، إلى جانب استمرار الحوار مع إسرائيل، يمثل محاولة لتوسيع هامش الحركة السورية ومنع احتكار طرف واحد للتأثير.

فإذا نجح الشرع في تحويل الدعم الخارجي إلى قوة مؤسسية سورية مستقلة، فقد يصبح التنافس الإقليمي عاملًا يمكن لدمشق استثماره لتعزيز موقعها وإعادة بناء الدولة. أما إذا ظلت المؤسسة الأمنية والعسكرية السورية ضعيفة ومتعددة الولاءات، فقد تتحول سوريا مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما يجعل بناء الدولة واستقلال القرار الأمني شرطين أساسيين لتحقيق الاستقرار السوري على المدى الطويل.

 

المصدر: مركز رع للدراسات الاستراتيجية

الكاتب : سارة أمين

التاريخ : 9/9/2026

------------------------------------------------------------------------------------------

 

المصدرصحيفة الشرق الأوسط

التاريخ : 3/9/2026


المقالات الأخيرة