شهدت بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، التي استضافتها كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك؛ تداخلاً غير مسبوق بين الأبعاد السياسية والنواحي الرياضية، كما شهدت منافسات البطولة إقامة 104 مباريات، بمشاركة 48منتخباً، على مدى 39 يوماً، في الفترة من 11 يونيو إلى 19يوليو 2026، بحضور نحو 6.8 مليون شخص شاهدوا 308أهداف في 16 ملعباً. وقد تجاوز الحدث كونه منافسة كروية ليصبح مختبراً للهيمنة على الساحة الدولية، وإظهار القوة الناعمة، وإبراز قدرات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إدارة حدث عالمي واسع النطاق وتأمينه، وانعكاس التعامل الأمريكي مع قضايا الهجرة والحدود والهوية، وإثارة الذاكرة الجماعية. كما أسهمت قضايا التأشيرات وقيود السفر، وتعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف لأحد اللاعبين الأمريكيين، إلى جانب التوترات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران؛ في إضفاء أبعاد سياسية واضحة على مجريات البطولة.
ملامح التسييس:
على الرغم من رفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) شعار "كرة القدم توحد العالم"؛ فقد كانت ملامح التسييس بارزة في مواجهات الفرق المتنافسة في كأس العالم 2026، بل امتدت أيضاً إلى سياسات الدول المستضيفة لهذا الحدث، وذلك على النحو التالي:
1- إبراز عناصر القوة الصلبة والناعمة الأمريكية على الساحة الدولية: حرصت الولايات المتحدة على إبراز قوتها ونقلها من النظام السياسي الدولي إلى النظام الكروي العالمي؛ إذ تُستخدم الملاعب والمنشآت الضخمة لإثبات النفوذ على الساحة الدولية. كما سجلت بطولة كأس العالم 2026 واقعة أثارت جدلاً واسعاً عندما تدخل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، شخصياً لدى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، بشأن عقوبة الإيقاف الموقعة بحق مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون. وأعلن الاتحاد الدولي أن لجنة الانضباط عدلت طريقة تنفيذ العقوبة؛ حيث حُوِّل الإيقاف لمباراة واحدة إلى إيقاف مع وقف التنفيذ لمدة عام؛ ما أتاح للاعب المشاركة في المباراة التالية. وأثار هذا التدخل السياسي المباشر في الشؤون الانضباطية للبطولة استياءً واسعاً، ومخاوف من استغلال الأحداث الرياضية الكبرى لتحقيق مكاسب سياسية داخلية؛ حيث إن العلاقة تجاوزت حدود المجاملات البروتوكولية المعتادة بين رئيس (فيفا) ورئيس الدولة المستضيفة.
وانتقل هذا التأثير من الإطار السياسي إلى البعد الأمني من خلال استعراض القوة؛ حيث نظرت الدول المستضيفة (الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك) إلى تأمين البطولة ليس فقط كإجراء تنظيمي، بل كاستعراض لقدرات الأمن القومي. وقد انعكس هذا في إدارتها للعمليات عبر تفعيل دور وكالات الاستخبارات، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة السيبرانية المتقدمة لحماية الملايين من الجماهير وصد الهجمات الرقمية المحتملة من جماعات تخريبية أو دول منافسة. ويرى اتجاه في الكتابات أن تنظيم بطولة بهذا الحجم عبر قارة بأكملها يعكس قدرة لوجستية وأمنية فائقة تضاهي إدارة العمليات العسكرية الكبرى؛ بعبارة أخرى، فإن توزيع المباريات والتحكم في التدفقات البشرية الهائلة عبر الحدود يثبت للعالم أن منظومة أمريكا الشمالية تمتلك مرونة هيكلية وبنية تحتية قادرة على مواجهة أكثر التحديات الأمنية تعقيداً؛ مما يمنحها تفوقاً يُترجم مباشرة إلى نفوذ سياسي.
فالرسالة الأمريكية واضحة ومفادها أن القوة التنظيمية لا تقل حزماً عن القوة العسكرية؛ مما جعل من ملاعب مونديال 2026 خط دفاع أول عن هيبة القوى الغربية في مواجهة القوى الدولية الصاعدة كالصين، التي لم يشارك منتخبها في البطولة. كما أصبحت الأحداث الرياضية الكبرى منصات لفرض الهيمنة الثقافية والاقتصادية؛ حيث أثارت البطولة نقاشاً سياسياً وثقافياً حول "أمركة كرة القدم العالمية"؛ إذ سعى الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى دمج البطولة مع الثقافة الترفيهية الأمريكية. وقد تجلى ذلك بوضوح في حفل الختام والنهائي الذي تضمن عروضاً مطولة بين الشوطين وتقاليد مشابهة لبطولات الرياضة الأمريكية (مثل توزيع خواتم تذكارية لأعضاء المنتخب المتوَّج)، وإطالة فترة الاستراحة إلى ما يقارب ضعف الزمن الذي اعتادت عليه كرة القدم عقوداً، وهو ما أثار جدلاً حول تأثير قوة رأس المال والدعم التجاري على الهوية التقليدية للعبة.
2- تشديد الإجراءات الأمنية تجاه المشجعين والمشاركين: ألقت سياسات الهجرة من جانب إدارة ترامب بظلالها على البطولة؛ حيث واجه مشجعو عدد من الدول صعوبات في دخول الولايات المتحدة خلال فترة إقامة البطولة؛ بسبب قيود السفر التي فُرضت على جنسيات دول بعينها. فعلى سبيل المثال، لم يتمكن مشجعو كوت ديفوار والسنغال من مرافقة منتخبيهما؛ بسبب عدم حصولهم على تأشيرات دخول. كما مُنع لاعب منتخب غانا توماس بارتي، الذي يواجه محاكمة في بريطانيا بتهم اغتصاب، من الحصول على تأشيرة دخول إلى كندا. بينما مُنع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة قبل البطولة؛ ما وضع (فيفا) في موقف محرج. وفي مفارقة لافتة، عيّن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) أرتان لاحقاً حكماً لمباراة كأس السوبر الأوروبية في أغسطس المقبل.
3- إثارة قضايا الهوية الثقافية للاعبين المشاركين في منتخبات أوروبية: يشير اتجاه في الكتابات إلى أن بطولة كأس العالم 2026 كانت ساحة بارزة لقضايا الهوية والهجرة والعنصرية والصراعات الاجتماعية، وبات اللاعبون لا يُنظر إليهم فقط باعتبارهم رياضيين، بل أصبحوا رموزاً لقضايا أوسع تتعلق بالانتماء والتعدد الثقافي. فعلى سبيل المثال، برزت منتخبات مثل فرنسا وإنجلترا، التي تضم عدداً كبيراً من اللاعبين ذوي الأصول المهاجرة، في النقاشات المتعلقة بالعنصرية وصعود اليمين المتطرف وسياسات الهجرة في أوروبا. كما واجهت بعض جماهير الشتات الإفريقي تعقيدات في تحديد ولاءاتها بين منتخبات القارة الإفريقية، ومنتخبات الدول التي يمثلها لاعبون من أصول إفريقية؛ مما يعكس تأثير قضايا الهوية في علاقة المشجعين بالبطولة.
4- انتقال عدوى الأطراف المتحاربة إلى الساحات الرياضية: أدت الظروف السياسية دورها في بطولة كأس العالم 2026، خصوصاً في ملف مشاركة إيران بعد الحرب في الشرق الأوسط؛ حيث كانت البطولة من الحالات النادرة التي أُقيمت منافساتها في ظل حرب لا تزال جارية بين إحدى الدول المستضيفة ودولة مشاركة. فقد نظرت الولايات المتحدة إلى البطولة باعتبارها إحدى فعاليات الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيسها، في حين خاض المنتخب الإيراني مبارياته على أرض أحد أطراف هذه الحرب. وبدلاً من إقامة معسكره في ولاية أريزونا الأمريكية؛ انتقل المنتخب الإيراني في اللحظة الأخيرة إلى مدينة تيخوانا الحدودية في المكسيك. كما رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرات دخول لعدد من أعضاء الجهاز الإداري الإيراني، من بينهم رئيس الاتحاد الإيراني مهدي تاج، العضو السابق في الحرس الثوري، الذي تصنفه واشنطن منظمة إرهابية. وانتقدت إيران أيضاً ظروف الاستقبال على الأراضي الأمريكية؛ حيث خاضت مبارياتها الثلاث؛ محتجة خصوصاً على السماح لبعثتها بالوصول قبل يوم واحد فقط من مباراتيها الأوليين.
5- استعادة الذاكرة التاريخية للمواجهات المسلحة بين الدول التي تتنافس منتخباتها: هذا ما ينطبق على فريقين صعدا إلى الدور نصف النهائي وهما إنجلترا والأرجنتين؛ حيث أعاد التحقيق الذي فتحه الاتحاد الدولي لكرة القدم بشأن لافتة "مالفيناس أرجنتينية" التي رفعها لاعبو الأرجنتين بعد الفوز على إنجلترا في بطولة هذا العام إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من الأزمات السياسية التي شهدتها البطولة العالمية. فالقضية الحالية ليست الأولى من نوعها، بل تأتي ضمن سلسلة من الوقائع التي وضعت (فيفا) أمام معضلة الفصل بين الرياضة والسياسة. ومن أبرز هذه السوابق ما حدث عام 2014 عندما رفع لاعبو المنتخب الأرجنتيني لافتة تحمل العبارة نفسها "مالفيناس أرجنتينية" قبل مباراة ودية استعداداً لكأس العالم في البرازيل آنذاك. واعتبر (فيفا) أن الرسالة تحمل مضموناً سياسياً مرتبطاً بالنزاع بين الأرجنتين وبريطانيا حول جزر فوكلاند (مالفيناس)؛ ليفرض لاحقاً غرامة مالية على الاتحاد الأرجنتيني.
فقد استُحضرت أحداث الثاني من إبريل عام 1982، حين اندلعت حرب جزر فوكلاند -أو "لاس مالفيناس" كما يسميها الأرجنتينيون- بين الأرجنتين وبريطانيا، واستمرت نحو عشرة أسابيع، وانتهت بانتصار القوات البريطانية، بعدما سقط مئات القتلى من الجانبين. ولم تمض سوى أربع سنوات حتى جمع كأس العالم 1986 منتخبي البلدين في الدور ربع النهائي؛ لتتحول المباراة إلى أكثر من مجرد مواجهة كروية؛ وهو ما أقر به الأسطورة الأرجنتينية دييغو مارادونا، في كتابه "كيف فزنا بكأس العالم 1986؟". وظلت تلك الحرب حاضرة لدى قطاع واسع من الرأي العام الأرجنتيني خلال بطولة 2026؛ إذ لم تكن المباراة بالنسبة لكثيرين مجرد مواجهة رياضية، بل استحضاراً لذاكرة الصراع. وباختصار، تسهم الانتصارات الكروية في إعادة تشكيل السرديات لدى الدول.
6- التناقض بين مكانة الدول المهيمنة في النظام السياسي الدولي والنظام الكروي العالمي: كشفت بطولات كأس العالم، في دوراتها المختلفة منذ عام 1930، عن تبوؤ دول بعينها صدارة كرة القدم العالمية، مثل البرازيل (5 مرات)، وألمانيا وإيطاليا (4 مرات لكل منهما)، والأرجنتين (3 مرات)، وأوروغواي وفرنسا وإسبانيا (مرتين لكل منهما)، وإنجلترا (مرة واحدة). وهي دول لا تعكس بالضرورة المكانة الدولية التي تحتلها الولايات المتحدة وروسيا والصين في مؤشرات القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية. بل إن دولة واحدة هي إسبانيا كتبت منتخباتها الوطنية لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة صفحة جديدة في التاريخ الكروي للبلاد، وفرضت هيمنة لافتة على كرة القدم العالمية، بإحراز منتخبها للرجال كأس العالم (2026)، وكأس أمم أوروبا (يورو 2024)، ودوري الأمم الأوروبية (2023)، وذهبية الألعاب الأولمبية (2024)، فيما فاز منتخب السيدات بكأس العالم (2023)، ودوري الأمم الأوروبية (2024 و2025).
من جهة أخرى، دائماً ما تسعى الدول المشاركة في بطولة كأس العالم إلى نقل رسالة تعكس مكانتها الدولية من خلال كبار لاعبيها المحترفين في مختلف دول العالم؛ حيث تُستثمر الملايين، بل والمليارات، من الدولارات واليورو في المسابقات الكروية، ولا سيّما في أوروبا؛ ومن ثم فإن الأهداف التي تعمل عليها الدول تتكامل مع ما تسعى إليه الأطراف المشاركة، ليس فقط اللاعبون، بل أيضاً الاتحادات الإقليمية، وكبريات شركات الإعلان والدعاية، وشركات اكتشاف المواهب والاحتراف، التي تبحث عن أفضل اللاعبين في هذه البطولة للتعاقد معهم؛ وهو ما يدفع اللاعبين إلى تقديم أفضل مستوياتهم، وربما تظهر مواهب غير معروفة في بعض المنتخبات المشاركة؛ مما يعزز مكانة هذه الدولة أو تلك في عالم كرة القدم.
تداخل خطي:
خلاصة القول، شكّلت بطولة كأس العالم 2026 حدثاً رياضياً، ومنصة دبلوماسية غير رسمية، ومسرحاً للمنافسة الجيوسياسية العالمية؛ ارتبطت بها مصالح الحكومات، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الإعلامية، وصناديق الاستثمار، إضافة إلى تأثيرها المباشر في الصورة الذهنية للدول؛ وهذا ما يؤكد أن كرة القدم باتت من بين عناصر القوة الشاملة للدول؛ لدرجة دفعت بعض الكتابات إلى القول إن مونديال 2026 قد يكون من أكثر نسخ البطولة كثافة على مستوى حجم التداخل بين الخطين السياسي والكروي في تلك الظاهرة العالمية التي تتكرر مرة كل أربع سنوات؛ وهو ما يستدعي استخلاص الدروس من هذه البطولة.
ويأتي في مقدمة هذه الدروس، تطوير منظومة الحوكمة الرياضية، وتعزيز استقلالية التحكيم، وترسيخ معايير الشفافية، باعتبارها من متطلبات الحفاظ على شرعية إحدى أهم المؤسسات العابرة للحدود، وصون الثقة في لعبة أصبحت جزءاً من التفاعلات السياسية الدولية. فكأس العالم لم يعد مجرد فعالية رياضية كبرى، بل أصبح ترجمة للحضور المؤثر للدول في كثير من المجالات، وليس مطلوباً أن يكون الحضور للمشاركة هدفاً في حد ذاته، بل مدخلاً مهماً لتعزيز الحضور على الساحة العالمية؛ إذ تتقاطع فيه مشاعر الشعوب، وسرديات الدول، وصور المدن، ومصالح الشركات، وخطابات الإعلام، وتفاعلات الجماهير في الملاعب والمنصات الرقمية
المراجع:
محمد عز العرب، 24.7.2026، كيف تصاعدت الأبعاد السياسية لبطولة كأس العالم 2026؟، المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة.
: ملف خاص بعنوان "دراما كأس العالم 2026. قراءة سياسية للمونديال"، يناقش تحول البطولة إلى ساحة للقوة الناعمة والحسابات الجيوسياسية، سي أن بي سي عربي.
