إعادة بناء مفهوم الأمن الخليجي في ظل التحولات الإقليمية
فرع القاهرة

تكشف التطورات المتسارعة في منطقة الخليج والبحر الأحمر أن مفهوم الأمن الإقليمي لم يعد مرتبطًا فقط بامتلاك القدرات العسكرية أو بناء التحالفات الدفاعية، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أعمق بطبيعة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتحرك داخلها الأطراف المتنافسة. فمع سيطرة الحوثيين على مناطق استراتيجية في محيط مضيق باب المندب، وفرض إيران أشكالًا من السيطرة والضغط على مضيق هرمز، أصبحت طهران والحوثيون يمتلكان قدرة مؤثرة على اثنين من أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة عالميًا، بما يجعل أمن الخليج والبحر الأحمر جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الدولي.

ورغم أن بعض القراءات قد تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها جولة جديدة من جولات الصراع الإقليمي، قد تنتهي مع تغير الظروف العسكرية والسياسية، فإن التجربة الممتدة للصراعات في الخليج واليمن تفرض إعادة النظر في مفهوم الأمن ذاته. فالحروب لا تنشأ فقط من القدرات العسكرية، وإنما تتغذى أيضًا من الأفكار والتصورات المتبادلة عن التهديد، ومن غياب الثقة، ومن الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية التي قد تجعل بعض الأطراف أقل تكلفة في تحمل نتائج الصراع.

مفارقات الاقتصاد والعقيدة العسكرية

تكشف الخريطة السياسية والأمنية لمنطقة الخليج والجزيرة العربية عن تفاوتات كبيرة بين إيران واليمن من جهة، ودول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، سواء على مستوى الاقتصاد أو أنماط الحياة أو التركيبة السكانية أو العقيدة العسكرية. وتزداد أهمية هذه الفوارق عند محاولة فهم طبيعة التهديدات التي تواجهها دول الخليج.

ففي الوقت الذي تمتلك فيه إيران تعدادًا سكانيًا كبيرًا، وتواجه منذ سنوات طويلة ضغوطًا اقتصادية وعقوبات دولية، يعاني اليمن من آثار الحرب والانقسام الداخلي وتدهور مؤسسات الدولة. وفي المقابل، قطعت دول مجلس التعاون شوطًا كبيرًا في الاندماج مع الاقتصاد العالمي، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ورفع مستويات التنمية والرفاه.

ولا تقتصر الفجوة على الاقتصاد، وإنما تمتد إلى طبيعة العقيدة العسكرية. ففي إيران يحتل الحرس الثوري موقعًا مركزيًا في منظومة القوة، وتتبنى بعض أدواته نمطًا غير متماثل في إدارة الصراع، يعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والشبكات المسلحة والقدرة على العمل خارج الحدود. وفي اليمن، يمثل الحوثيون نموذجًا للقوة العقائدية التي تعتمد على أساليب حرب غير تقليدية، بما في ذلك استخدام الصواريخ والمسيّرات والتهديد للممرات البحرية.

وفي المقابل، تعتمد دول مجلس التعاون على جيوش نظامية حديثة، وتستثمر بكثافة في الطائرات المتطورة وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والتكنولوجيا العسكرية. إلا أن التفوق في المنصات والأسلحة لا يعني بالضرورة امتلاك تفوق شامل في الحرب، خاصة عندما يواجه جيش نظامي خصمًا يعتمد على أساليب غير متماثلة ويكون أكثر قدرة على تحمل الخسائر البشرية والمادية.

وتطرح هذه المفارقة سؤالًا استراتيجيًا مهمًا: هل كان من الممكن أن يؤدي التعامل المبكر مع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية بين ضفتي الخليج إلى تقليل احتمالات الصراع؟ وهل كان إدماج إيران واليمن في حوارات استراتيجية ومجالس إقليمية قبل اندلاع الأزمات الكبرى سيخلق مصالح مشتركة تجعل قرار الحرب أكثر صعوبة؟

ورغم صعوبة الإجابة القطعية عن سؤال افتراضي كهذا، فإن التجربة الإقليمية تشير إلى أن فترات التهدئة والتفاهم كانت عمومًا أقل توترًا من فترات القطيعة والمواجهة. ومن هنا يمكن استخلاص أن بناء علاقات اقتصادية ومؤسساتية طويلة الأجل لا يمثل بديلًا عن الردع، لكنه يمكن أن يكون أحد عناصره، لأنه يرفع تكلفة الصراع ويزيد عدد المصالح التي يمكن أن تتعرض للخسارة في حال اندلاع الحرب.

حدود الأمن الجماعي الخليجي

رغم أن دول مجلس التعاون الخليجي طورت خلال العقود الماضية منظومة واسعة من الاجتماعات واللجان والترتيبات العسكرية والأمنية، فإن الأزمات والحروب الأخيرة أظهرت وجود فجوة بين الخطاب المتعلق بالأمن الجماعي وبين مستوى التكامل الدفاعي الفعلي.

فمنذ تأسيس مجلس التعاون عام 1981، تطورت هياكل التعاون العسكري والأمني، كما أُنشئت قوات درع الجزيرة عام 1982، وجرى توقيع اتفاقية الدفاع المشترك عام 2000 ومع ذلك، ظلت عملية الانتقال من التنسيق إلى التكامل العسكري الكامل محدودة، ولم تتطور منظومة الدفاع الخليجية إلى صيغة مشابهة للتحالفات العسكرية المتكاملة التي تتشارك فيها الدول في القيادة والتخطيط والقدرات العملياتية.

وقد شهد عامَا 2025 و2026 تكثيفًا للاجتماعات العسكرية والأمنية الخليجية، شمل اجتماعات لقيادات القوات الجوية والدفاع الجوي، ومناقشات حول تبادل المعلومات والاستخبارات، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتعزيز الدفاع الجوي، فضلًا عن اجتماعات مرتبطة بالقيادة العسكرية الموحدة. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا لطبيعة التهديدات المشتركة.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن كثافة الاجتماعات لا تعني بالضرورة تحقيق تكامل عملياتي. فقد أثبتت الأزمات أن عبارة «أمن الخليج كل لا يتجزأ» تحتاج إلى ترجمة عملية من خلال آليات واضحة للردع الجماعي، وتقاسم الأعباء، والإنذار المبكر، والدفاع المشترك، وليس فقط من خلال البيانات السياسية.

ويرتبط ذلك أيضًا بتاريخ طويل من الاعتماد على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأساسي لأمن الخليج وقد وفر هذا الوجود مظلة أمنية مهمة لدول المجلس، لكنه ربما قلل الحافز لتطوير منظومة دفاع خليجية مستقلة ومتكاملة بالدرجة نفسها. ومع تغير البيئة الدولية وارتفاع مستويات عدم اليقين بشأن التزامات القوى الكبرى، أصبحت الحاجة إلى تطوير القدرات الذاتية أكثر إلحاحًا.

وتواجه دول المجلس كذلك مشكلة أخرى تتمثل في اختلاف رؤى الدول الأعضاء بشأن طبيعة الشراكات الخارجية فبعضها يركز على تعزيز العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة، وبعضها يطور علاقاته مع إسرائيل، بينما يتجه آخرون إلى بناء شراكات دفاعية جديدة مع قوى إقليمية ودولية.

وهكذا، أصبحت القرارات الدفاعية أكثر تنوعًا وأحيانًا أكثر فردية، في الوقت الذي تتعامل فيه دول المجلس مع خصم يمتلك منظومة عسكرية غير مركزية وأذرعًا إقليمية متعددة. ولذلك فإن تطوير الدفاع الخليجي المشترك لا يعني إلغاء الشراكات الخارجية، وإنما بناء قدرة خليجية جماعية تستطيع العمل بالتوازي معها.

كما أن التحدي لا يتعلق بالقدرة على إلحاق خسائر عسكرية بإيران، فالتفوق الجوي والتكنولوجي الخليجي يمكن أن يحقق أضرارًا كبيرة، وإنما يتعلق بقدرة دول المجلس على حماية اقتصاداتها ومجتمعاتها وبنيتها التحتية في حرب طويلة. ومن هنا يصبح مفهوم «الاستدامة» عنصرًا أساسيًا في تقييم الأمن الخليجي.

التحالفات الدفاعية و الاستجابة الخليجية

أدت التطورات الأمنية الأخيرة إلى دفع عدد من دول مجلس التعاون نحو تعزيز شراكاتها الدفاعية بصورة منفردة. وتبرز السعودية في مقدمة الدول التي اتجهت إلى بناء شبكة أوسع من الترتيبات الأمنية، من خلال تطوير علاقاتها الدفاعية مع باكستان وتركيا والولايات المتحدة وفرنسا، إلى جانب مبادرات مرتبطة بأمن الملاحة والطاقة.

وتعكس هذه التحركات رغبة في تنويع مصادر الأمن وعدم الاعتماد على طرف واحد. كما يمكن أن تمنح الرياض قدرة أكبر على التعامل مع التهديدات المختلفة، خاصة في ظل الأهمية المتزايدة لأمن الممرات البحرية ومصادر الطاقة.

غير أن توسع الشراكات الفردية يطرح سؤالًا حول مدى تأثيرها في منظومة الأمن الخليجي الجماعي فكلما زادت الاتفاقيات الثنائية والثلاثية دون إدماجها ضمن إطار خليجي موحد، زادت احتمالات ظهور شبكة أمنية متعددة المستويات يصعب تنسيقها.

وفي هذا السياق، يكتسب اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا أهمية خاصة، بالنظر إلى النص على أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يمثل اعتداءً على الدول الأخرى. ويشبه هذا المبدأ، من حيث الفكرة، مبدأ الدفاع الجماعي الذي تقوم عليه المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، وإن كان مختلفًا من حيث البنية والمؤسسات.

كما ظهرت مبادرات أخرى مرتبطة بحماية الملاحة الدولية وطرق التجارة وإمدادات الطاقة، وهو ما يعكس تحولًا في فهم الأمن من حماية الأراضي فقط إلى حماية البنية الاقتصادية والاستراتيجية العابرة للحدود.

وفي الوقت نفسه، طورت دول مجلس التعاون الأخرى علاقاتها الدفاعية بصورة منفردة، سواء مع الولايات المتحدة أو باكستان أو تركيا أو دول أخرى. ويكشف ذلك عن رغبة واضحة في تعزيز القدرات الوطنية، لكنه يثير في المقابل مسألة مدى قدرة مجلس التعاون على الحفاظ على رؤية أمنية موحدة.

وتكمن المشكلة في أن التحالفات الفردية قد توفر حلولًا سريعة للدول التي تواجه تهديدات مباشرة، لكنها لا تعالج بالضرورة جذور ضعف الأمن الجماعي. ولذلك فإن التحدي أمام دول المجلس يتمثل في إيجاد صيغة توازن بين حق كل دولة في تطوير علاقاتها الدفاعية وبين ضرورة عدم تحويل هذه العلاقات إلى بديل عن منظومة الدفاع الجماعي الخليجية.

مفهوم جديد للردع والسلام

تكشف التجربة الأخيرة أن الأمن الخليجي يحتاج إلى تطوير مفهوم الردع نفسه. فالردع لا يعني بالضرورة امتلاك أسلحة أكثر أو بناء تحالفات عسكرية أكبر، وإنما يعني أيضًا جعل تكلفة الحرب مرتفعة إلى الحد الذي يجعل قرار استخدامها غير جذاب.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يمثل تعظيم المصالح المشتركة بين دول الخليج وإيران واليمن أحد عناصر الردع طويل الأمد. فإذا أصبحت لدى الأطراف مصالح اقتصادية واجتماعية وإنسانية واسعة في الاستقرار، فإن تدمير هذه المصالح سيصبح تكلفة مباشرة على صانع القرار والمجتمع معًا.

ولا يعني ذلك إهمال القوة العسكرية أو التخلي عن القدرات الدفاعية، بل يعني وضعها داخل استراتيجية أوسع تجمع بين الردع العسكري والردع الاقتصادي والسياسي والإنساني. فالدولة التي تمتلك اقتصادًا مترابطًا مع جيرانها ستكون أكثر ترددًا في الدخول في حرب تهدد هذا الترابط.

وفي هذا الإطار، يمكن لدول مجلس التعاون التفكير في بناء حوار استراتيجي خليجي–إيراني أكثر انتظامًا، لا يقتصر على التفاوض أثناء الأزمات، وإنما يعمل بصورة مستمرة على مناقشة أمن الملاحة، وحماية المنشآت الحيوية، وأمن الطاقة، والحد من التسلح، وتسوية النزاعات، وتبادل المعلومات.

كما يمكن إدماج اليمن بصورة تدريجية في ترتيبات اقتصادية وتنموية إقليمية، بحيث تصبح عملية إعادة الإعمار والتنمية جزءًا من استراتيجية الأمن، لا مجرد ملف إنساني منفصل. فكلما تحسنت قدرة الدولة اليمنية على توفير الخدمات والتعليم والصحة وفرص العمل، تراجعت البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تستفيد منها الجماعات المسلحة.

وينطبق المنطق ذاته، بدرجات مختلفة، على إيران. فبناء قنوات اقتصادية وحوارية مع المجتمع الإيراني يمكن أن يخلق مصالح داخلية في الاستقرار، ويجعل استمرار المواجهة الخارجية أكثر تكلفة اجتماعيًا واقتصاديًا.

خاتماً: تكشف التطورات الأمنية في الخليج والبحر الأحمر أن المنطقة تقف أمام مرحلة تستدعي إعادة تقييم شاملة لمفهوم الأمن. فقد أظهرت الأزمات الأخيرة أن امتلاك الأسلحة المتقدمة والتحالفات الخارجية لا يكفي وحده لضمان أمن مستدام، كما أظهرت أن تعدد التهديدات وتنوع أدوات الحرب يجعل من الصعب حماية المصالح الخليجية من خلال الاستجابة العسكرية فقط.

وفي الوقت نفسه، أثبتت التجربة أن الأمن الجماعي الخليجي ما زال يواجه فجوة بين الخطاب السياسي والتكامل العملياتي الفعلي. فتكثيف الاجتماعات والتمارين العسكرية لا يعوض غياب منظومة دفاع جماعي متكاملة قادرة على العمل بصورة موحدة، كما أن توسع الاتفاقيات الدفاعية الثنائية والثلاثية قد يزيد من قدرات الدول منفردة، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى مزيد من تجزؤ الرؤية الأمنية الخليجية.

ومن ثم، فإن المطلوب ليس الاختيار بين الردع العسكري والحوار، وإنما بناء استراتيجية تجمع بينهما فالقوة العسكرية ضرورية لحماية الدول وردع التهديدات، لكن الحوار الاستراتيجي والشراكات الاقتصادية والتنمية يمكن أن تخلق نوعًا آخر من الردع، يقوم على زيادة تكلفة الصراع داخل البيئة التي قد تنتج التهديد نفسه.

 

المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية

الكاتب : د. معتز سلامة

التاريخ : 13/9/2026

--------------------------------------------------------------------------------------

المصدرDeutsche Welle

الكاتب : علي المخلافي

التاريخ : 13/4/2026


المقالات الأخيرة