يشهد الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة مرحلة من أكثر مراحل التحول تعقيداً منذ عقود، في ظل تراجع تدريجي لملامح النظام الإقليمي الذي استند لفترة طويلة إلى تفوق الولايات المتحدة وقدرتها على إدارة التوازنات الأمنية والسياسية والاقتصادية في المنطقة. ولم يعد المشهد الإقليمي محكوماً بصورة كاملة بعلاقة واضحة بين قوة مهيمنة وأطراف تابعة لها، بل بات يتسم بدرجة متزايدة من السيولة الاستراتيجية، وتعدد مراكز القوة وتصاعد قدرة الفاعلين الإقليميين على المبادرة والتأثير في مسارات الأحداث وقد أسهمت مجموعة من التطورات المتلاحقة، وفي مقدمتها الحرب مع إيران، والحرب في غزة وتغير موازين القوى في سوريا ولبنان واليمن، في تسريع تفكك الترتيبات السابقة وفتح المجال أمام إعادة صياغة النظام الإقليمي على أسس جديدة.
ولا يمكن فهم التحولات الحالية بمعزل عن المسار الذي بدأ قبل اندلاع الحرب مع إيران بسنوات، وتحديداً منذ عام 2019، عندما كشفت الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية عن حدود الترتيبات الأمنية القائمة ومدى اعتماد دول الخليج على الضمانات الأمريكية. ثم جاءت المصالحة السعودية الإيرانية التي تمت بوساطة صينية عام 2023 لتقدم مؤشراً إضافياً على تزايد قدرة القوى الإقليمية والدولية الأخرى على التحرك خارج الإطار التقليدي للنفوذ الأمريكي. كما شكل هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبته في غزة نقطة تحول جديدة، أسهمت في إعادة ترتيب العلاقات الأمنية والسياسية في المنطقة وتوسيع نطاق المواجهة بين القوى الإقليمية.
تفكك النظام الإقليمي التقليدي
يمثل تراجع النظام الإقليمي التقليدي أحد أبرز ملامح التحول الذي يشهده الشرق الأوسط. فقد اعتمدت المنطقة لعقود على وجود الولايات المتحدة باعتبارها القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية، وعلى شبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية والتحالفات والشراكات التي هدفت إلى احتواء التهديدات الإقليمية وضمان تدفق الطاقة وحماية المصالح الاستراتيجية. إلا أن مجموعة من التطورات المتراكمة بدأت منذ عام 2019 في إضعاف الثقة بقدرة هذا النظام على توفير الحماية والاستقرار بصورة مستدامة.
وكان الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو السعودية في سبتمبر 2019، ونُسب إلى الحوثيين المدعومين من إيران، من أبرز المحطات التي كشفت هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة فقد أدى الهجوم إلى تعطيل جزء من إنتاج النفط السعودي بصورة مؤقتة، كما أثار تساؤلات لدى دول الخليج حول حدود الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة، خصوصاً في ظل عدم اتخاذ واشنطن رداً عسكرياً مباشراً يتناسب مع حجم الهجوم من وجهة نظر بعض دول المنطقة. وأسهم ذلك في دفع عدد من القادة الخليجيين إلى إعادة تقييم مفهوم الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، والبحث عن خيارات إضافية للتعامل مع التهديدات الإيرانية.
ولم يقتصر هذا التحول على المجال العسكري، بل امتد إلى المجال الدبلوماسي. فقد شكل الاتفاق السعودي الإيراني لاستئناف العلاقات في مارس 2023، بوساطة صينية، مؤشراً مهماً على اتساع هامش الحركة أمام القوى الإقليمية في إدارة خلافاتها بعيداً عن الدور الأمريكي المباشر. وأظهر الاتفاق في الوقت ذاته أن الصين باتت قادرة على الاضطلاع بأدوار سياسية تتجاوز نطاق علاقاتها الاقتصادية التقليدية مع دول الشرق الأوسط، وأن المنطقة أصبحت أكثر انفتاحاً على تعدد الوسطاء والشركاء الدوليين.
وجاءت حرب غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 لتسرّع مسار التحولات. فقد تجاوزت آثار الحرب حدود الأراضي الفلسطينية لتنعكس على العلاقات بين إسرائيل وإيران، وعلى وضع حزب الله في لبنان، ودور الحوثيين في اليمن، والتوازنات السياسية والأمنية في سوريا والعراق. كما أدت التطورات المتلاحقة إلى انتقال المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى مستويات أكثر مباشرة، وهو ما رفع من مستوى المخاطر المرتبطة بإمكانية اتساع نطاق الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وفي السياق ذاته، أسهمت التطورات التي شهدتها سوريا ولبنان واليمن في إعادة توزيع النفوذ بين الأطراف الإقليمية فقد أدى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا إلى فتح مرحلة سياسية وأمنية جديدة، في حين تعرض حزب الله لضغوط عسكرية وسياسية كبيرة، بينما تمكن الحوثيون من تعزيز حضورهم في الحسابات الأمنية المرتبطة بالبحر الأحمر والممرات البحرية. وبذلك أصبح النظام الإقليمي أكثر تعقيداً، ولم تعد العلاقات بين الدول وحدها هي المحدد الأساسي لمسار الأحداث، بل أصبح الفاعلون من غير الدول جزءاً أساسياً من معادلة القوة.
إعادة تشكيل موازين القوة
تمثل الحرب مع إيران أحد أكثر التطورات تأثيراً في إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، نظراً لما تفرضه من تداعيات عسكرية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدود الدول المتحاربة. فقد أظهرت التطورات العسكرية أن الصواريخ والطائرات المسيّرة أصبحت أدوات رئيسية في الصراع الحديث، وأن القدرة على تهديد البنية التحتية الحيوية والممرات البحرية يمكن أن تمنح الأطراف الأقل تفوقاً في القوة التقليدية قدرة كبيرة على التأثير في حسابات الخصوم.
وفي هذا الإطار، برز مضيق هرمز باعتباره أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية الإيرانية. فاضطراب حركة الملاحة في المضيق ينعكس بصورة مباشرة على صادرات النفط والغاز، وعلى حركة التجارة العالمية، كما يرفع تكاليف النقل والطاقة ويؤثر في اقتصادات الدول المعتمدة على صادرات الطاقة أو الواردات البحرية. ومن ثم فإن القدرة على تعطيل الملاحة أو تهديدها تتحول إلى أداة ردع ونفوذ تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة.
وقد دفعت هذه المخاطر دول الخليج إلى البحث عن بدائل تقلل من اعتمادها على مضيق هرمز، من خلال تطوير خطوط أنابيب وموانئ وممرات برية وبحرية بديلة ولا يمثل هذا التوجه مجرد استجابة مؤقتة لظروف الحرب، بل يمكن أن يؤدي على المدى الطويل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، عبر إعادة توجيه بعض طرق الطاقة والتجارة نحو مسارات أكثر تنوعاً وأقل تعرضاً للاضطرابات الأمنية.
وتتصل التحولات الاقتصادية كذلك بمسألة الطاقة العالمية، إذ يمكن لأي اضطراب طويل الأمد في الخليج أن يدفع الدول المستوردة للطاقة إلى إعادة النظر في مصادرها ومسارات الإمداد، كما قد يشجع على تسريع الاستثمارات في مصادر الطاقة البديلة والبنية التحتية المرتبطة بها. وفي المقابل، فإن الدول المنتجة للنفط والغاز ستكون مطالبة بتطوير قدرتها على حماية منشآتها وتنويع أسواقها ومسارات تصديرها.
ويضاف إلى ذلك البعد النووي الذي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الأمني الإقليمي. فاستمرار الطموحات النووية الإيرانية دون تسوية نهائية قد يدفع دولاً أخرى إلى إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية، الأمر الذي قد يؤدي إلى سباق تسلح أو انتشار نووي في منطقة تعاني أصلاً من مستويات مرتفعة من التوتر. ومن شأن مثل هذا التطور أن يزيد من صعوبة بناء منظومة أمن إقليمية مستقرة، وأن يجعل أي أزمة مستقبلية أكثر خطورة.
الخليج والمشرق في النظام الجديد
تحتل دول الخليج موقعاً مركزياً في عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط، خصوصاً في ضوء التحولات الاقتصادية التي شهدتها خلال السنوات الماضية فقد اتجهت دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط، والاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والسياحة والبنية التحتية، إلى جانب توسيع حضورها في الوساطة الدبلوماسية والعلاقات الدولية. وقد جعل ذلك المنطقة الخليجية مرشحة للاضطلاع بدور أكبر في تحديد ملامح النظام الإقليمي المقبل.
غير أن الحرب مع إيران فرضت تحديات كبيرة على هذه الرؤية، إذ كشفت أن النمو الاقتصادي والانفتاح الدولي لا يمكن فصلهما بصورة كاملة عن الاعتبارات الأمنية. فاضطراب حركة الملاحة في الخليج، أو استهداف المنشآت النفطية، أو توسع المواجهة العسكرية، يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على الاستثمارات والتجارة والسياحة ومشروعات التنويع الاقتصادي. ولذلك باتت دول الخليج أمام ضرورة تحقيق توازن بين الحفاظ على الانفتاح الاقتصادي وتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر الأمنية.
ومن أبرز التحولات التي يمكن ملاحظتها في هذا السياق اتجاه دول الخليج إلى تنويع شركائها الأمنيين والدوليين. فلم تعد العلاقة مع الولايات المتحدة تمثل المسار الوحيد لبناء الترتيبات الأمنية، بل توسعت علاقات دول الخليج مع الصين وروسيا ودول آسيوية وأوروبية، إلى جانب تطوير اتفاقيات دفاعية وعلاقات اقتصادية ودبلوماسية متعددة. ويعكس هذا الاتجاه محاولة لبناء شبكة أوسع من الشراكات تسمح بتوزيع المخاطر وعدم الاعتماد على طرف واحد.
كما أصبحت الوساطة والدبلوماسية أدوات رئيسية في السياسة الإقليمية الخليجية. فقد تمكنت بعض دول الخليج من تعزيز أدوارها في تسوية الخلافات وفتح قنوات الاتصال بين أطراف متنافسة، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً من الاعتماد على الأدوات العسكرية إلى توسيع استخدام الأدوات السياسية والاقتصادية. وقد تصبح هذه القدرات أكثر أهمية في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى إنشاء ترتيبات إقليمية قادرة على إدارة الخلافات بدلاً من تركها تتطور إلى صراعات مفتوحة.
أما المشرق العربي، وخصوصاً سوريا ولبنان، فيمكن أن يمثل حلقة أساسية في إعادة بناء الروابط بين الخليج وأوروبا فالموقع الجغرافي لسوريا يؤهلها لتكون جزءاً من شبكات نقل الطاقة والتجارة العابرة للمنطقة، في حين يمكن للبنية التحتية البرية والبحرية في بلاد الشام أن تؤدي دوراً في تطوير ممرات اقتصادية جديدة. وقد بدأت بالفعل توجهات نحو إعادة تأهيل بعض خطوط الأنابيب والممرات البرية، بما يعكس إمكانية تحول المنطقة مستقبلاً إلى مساحة للربط الاقتصادي بدلاً من كونها مجرد ساحة للصراع.
تعدد الأقطاب ومسارات المستقبل
تشير التحولات الراهنة إلى أن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام أكثر تعددية من حيث مراكز القوة، بدلاً من العودة إلى نموذج تهيمن فيه قوة خارجية واحدة على مجمل الترتيبات الإقليمية. ويعني ذلك أن القوى الإقليمية ستكون مطالبة بدرجة أكبر بتحمل مسؤولية أمنها ومصالحها، وأن الولايات المتحدة ستظل طرفاً مهماً، لكنها ستعمل ضمن بيئة أكثر تنافسية وتعددية مقارنة بالمراحل السابقة ويعكس هذا الاتجاه تحولاً أوسع في النظام الدولي، يتمثل في صعود القوى المتوسطة وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني. وقد انعكس هذا التنافس على الشرق الأوسط من خلال توسيع العلاقات مع الصين وروسيا والهند ودول آسيوية وأوروبية، فضلاً عن المشروعات الاقتصادية العابرة للحدود كما أن مبادرات مثل ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا يمكن أن تصبح أكثر أهمية إذا توافرت درجة كافية من الاستقرار تسمح بتنفيذ مشروعات البنية التحتية طويلة الأجل.
وتظل العلاقة بين إيران ودول الخليج وإسرائيل من أبرز العوامل التي ستحدد اتجاهات المرحلة المقبلة. فإذا استمرت هذه العلاقات في إطار التصعيد العسكري والمنافسة الصفرية، فإن احتمالات استمرار حالة عدم الاستقرار ستظل قائمة. أما إذا تمكنت الأطراف من الانتقال تدريجياً نحو إدارة الخلافات، وفتح قنوات للحوار، وتطوير ترتيبات للحد من المخاطر، فقد تتوافر ظروف أكثر ملاءمة لإعادة بناء الاستقرار الإقليمي.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، فإن التحولات الحالية لا تعني اختفاء دورها من المنطقة، وإنما تشير إلى تغير طبيعة هذا الدور. فمع تعدد القوى الدولية والإقليمية، قد يصبح من الصعب على واشنطن إدارة النظام الإقليمي بالأساليب التقليدية وحدها. ولذلك يمكن أن تتزايد أهمية الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والاستثمارية إلى جانب القدرات العسكرية، خصوصاً إذا كان الهدف هو الحفاظ على النفوذ وتعزيز الاستقرار في آن واحد.
وتملك الولايات المتحدة أدوات مهمة يمكن أن تستخدمها في هذا السياق، من بينها الشراكات الأمنية، والاستثمارات، والعلاقات الاقتصادية، والقدرة على الوساطة، والتأثير في المؤسسات الدولية. إلا أن فعالية هذه الأدوات ستتوقف على مدى قدرتها على التكيف مع بيئة إقليمية لم تعد فيها دول المنطقة مستعدة للاعتماد على طرف واحد، بل أصبحت أكثر ميلاً إلى تنويع خياراتها وعلاقاتها.
خاتماً: لا يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو مسار واحد محسوم، بل نحو مرحلة انتقالية طويلة تتنافس خلالها اتجاهات متعددة. فالصراع والتعاون، والردع والدبلوماسية، والمنافسة والشراكة الاقتصادية، كلها ستظل عناصر متداخلة في تشكيل المرحلة المقبلة. وستتوقف طبيعة النظام الذي سيظهر في نهاية هذه المرحلة إلى حد كبير على قدرة القوى الإقليمية على إدارة تناقضاتها، وعلى استعدادها للانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة المصالح المتبادلة.
وبذلك، فإن مرحلة اختلال التوازن الحالية لا تمثل فقط أزمة في النظام الإقليمي، وإنما يمكن أن تشكل أيضاً نقطة لإعادة البناء وإنتاج ترتيبات جديدة. وإذا نجحت الأطراف الإقليمية والدولية في توظيف حالة السيولة الحالية نحو خفض التصعيد وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، فقد تتبلور تدريجياً بيئة أكثر استقراراً وتوازناً. أما استمرار منطق القوة والتنافس الصفري، فقد يؤدي إلى إطالة المرحلة الانتقالية وزيادة تكلفتها.
المصدر: مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية
التاريخ : 12/9/2026
------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: بيروت تايم نيوز
التاريخ : 18/9/2026
