لم تعد الصورة في البيئة الإعلامية المعاصرة مجرد وسيلة لتوثيق الأحداث أو إضفاء طابع بصري على المادة الصحفية، وإنما أصبحت أحد العناصر الأساسية في إنتاج المعنى وتوجيه عملية إدراك الجمهور للقضايا والأحداث العامة. فالصورة تختصر في كثير من الأحيان مساحات واسعة من المعلومات والتفاصيل في مشهد واحد، إلا أن هذا الاختصار لا يعني بالضرورة الحياد؛ إذ إن اختيار اللحظة التي تلتقط فيها الصورة، وزاوية التصوير، وحجم العناصر الظاهرة داخل الإطار، وطريقة تقديمها للجمهور، ومدى تكرارها وانتشارها، كلها عوامل تؤثر في الطريقة التي يستقبل بها المتلقي الحدث ويفسره ويحتفظ به في ذاكرته.
وتزداد أهمية هذه الوظيفة في حالات الحروب والأزمات والكوارث والهجمات الإرهابية، حيث تتداخل الصورة مع المشاعر الإنسانية بصورة مباشرة، فتستطيع أن تستحضر الخوف أو الحزن أو الغضب أو التعاطف، وأن تجعل الجمهور أكثر ارتباطًا بحدث لم يشهده بصورة مباشرة. كما يمكن أن تتحول بعض الصور، بفعل التكرار والاستدعاء المستمر، إلى جزء من الذاكرة الجماعية، بحيث يصبح استحضارها كافيًا لإعادة بناء الحدث ومشاعره الأساسية في الوعي العام.
وتقدم أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 نموذجًا بارزًا لدراسة هذه العلاقة؛ فقد أصبحت مجموعة محددة من الصور المرتبطة بالهجمات جزءًا من الذاكرة البصرية العالمية، ولم تعد مجرد وثائق صحفية للحظة تاريخية، بل تحولت إلى رموز تختصر الهجمات وتداعياتها الإنسانية والسياسية والأمنية. ومن ثم، فإن دراسة صور 11 سبتمبر تتيح فهم الكيفية التي يمكن من خلالها للصورة أن تنتقل من وظيفة التوثيق إلى وظيفة بناء المعنى، ثم إلى التأثير في الذاكرة الجماعية والخطاب السياسي والرأي العام.
دور الصورة في تشكيل الإدراك العام
تحتل الصورة موقعًا مركزيًا في عملية الاتصال الجماهيري بسبب قدرتها على نقل الحدث بصورة مباشرة ومكثفة، وهو ما يجعلها من أهم الأدوات التي يعتمد عليها الجمهور في تكوين انطباع أولي عن الأحداث التي لا يستطيع مشاهدتها بصورة مباشرة وعندما يتعلق الأمر بأحداث كبرى ومفاجئة، تصبح الصورة أحيانًا المصدر الأول الذي يمنح الجمهور تصورًا عن طبيعة ما يجري وحجمه وآثاره، قبل أن تتبلور المعلومات التفصيلية أو تتشكل الروايات السياسية والإخبارية بصورة كاملة.
ولا يمكن النظر إلى الصورة الصحفية باعتبارها انعكاسًا محايدًا للواقع بصورة مطلقة، لأن إنتاجها يقوم على سلسلة من الاختيارات البشرية والتقنية فالمصور يختار موقعه، واللحظة التي يضغط فيها على زر الكاميرا، وما يدخل في حدود الإطار وما يبقى خارجه. وبعد ذلك تخضع الصورة لعملية انتقاء أخرى من جانب المؤسسات الإعلامية التي تحدد الصور التي ستظهر في الصفحات الأولى أو نشرات الأخبار أو المواقع الإلكترونية أو المنصات الرقمية. وبالتالي، فإن الجمهور لا يتلقى الحدث في صورته الكاملة، وإنما يتعامل مع مجموعة منتقاة من المشاهد التي أصبحت ممثلة له في المجال العام.
ومن هنا تبرز العلاقة بين الصورة ومفهوم التأطير الإعلامي. فالتأطير لا يعني اختلاق الحدث وإنما يتعلق بالطريقة التي يتم من خلالها تنظيم عناصر الواقع وإبراز بعضها وإعطائها أهمية أكبر من غيرها وقد يؤدي اختيار صورة تظهر الدمار مثلًا إلى جعل حجم الخسائر المادية أكثر حضورًا في إدراك الجمهور، بينما قد تؤدي صورة لوجه أحد الضحايا أو الناجين إلى نقل الحدث من مستوى الأرقام والمعلومات إلى مستوى التجربة الإنسانية الفردية. وفي الحالتين يكون الحدث واحدًا، لكن الإطار البصري المستخدم في تقديمه يساهم في تحديد الزاوية التي ينظر الجمهور من خلالها إليه.
ويزداد تأثير هذا الإطار مع التكرار. فالصورة التي تظهر بصورة متكررة في الصحف والتلفزيون والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي لا تبقى مجرد وثيقة للحظة معينة، بل تتحول تدريجيًا إلى مرجع بصري للحدث. ومع الوقت، يمكن أن تصبح الصورة الأكثر تداولًا هي الصورة التي يستدعيها الجمهور تلقائيًا عند ذكر الحدث، حتى لو كانت هناك مئات الصور الأخرى التي توثق جوانب مختلفة منه.
ويتقاطع ذلك مع مفهوم وضع الأجندة الإعلامية، إذ لا تحدد وسائل الإعلام ما الذي يراه الجمهور فقط، وإنما يمكن أن تؤثر كذلك في القضايا والجوانب التي تحظى بقدر أكبر من الانتباه. وفي هذا الإطار، تصبح الصورة جزءًا من عملية ترتيب الأولويات؛ فاختيار مشهد معين ومنحه مساحة واسعة وتكراره بصورة مستمرة يمنحه حضورًا أكبر في الوعي العام. ولا يعني ذلك أن الصورة وحدها تحدد مواقف الجمهور، وإنما تشير إلى قدرتها على المشاركة في تحديد الموضوعات والجوانب التي تستحق الاهتمام والتذكر.
أحداث 11 سبتمبر وبناء الذاكرة البصرية
تمثل أحداث 11 سبتمبر حالة نموذجية لفهم العلاقة بين التصوير الصحفي والذاكرة الجماعية، فقد وقع الهجوم في سياق إعلامي كان فيه التلفزيون والصورة يحتلان موقعًا رئيسيًا في تشكيل المعرفة العامة بالأحداث الدولية. ومع انتشار المشاهد الحية للهجمات، انتقل الحدث بسرعة من موقعه الجغرافي في نيويورك وواشنطن إلى تجربة بصرية عالمية شاهدها ملايين الأشخاص عبر الشاشات.
ومن بين مئات الصور التي التقطت خلال ذلك اليوم، استقرت مجموعة محددة في الذاكرة العامة باعتبارها الصور الأكثر تعبيرًا عن الهجمات. وتأتي في مقدمتها صور الطائرة وهي تصطدم ببرج مركز التجارة العالمي، وصور الدخان والنيران المتصاعدة، وصور الأشخاص المحاصرين داخل الأبراج، وصور الأشخاص الذين قفزوا من النوافذ، وصورة المرأة التي غطاها الغبار، إلى جانب صور انهيار البرجين ورجال الإنقاذ والركام الذي غطى المنطقة المحيطة بموقع الهجوم.
وتكشف هذه المجموعة عن تطور واضح في السرد البصري للحدث. فقد بدأت الصور بتوثيق لحظة الاصطدام، ثم انتقلت إلى تصوير الضحايا والأشخاص المحاصرين، ثم إلى الانهيار والدمار، وأعقب ذلك التركيز على رجال الإنقاذ والناجين وآثار الكارثة. وبذلك لم تقدم الصور مشاهد منفصلة فحسب، بل تراكمت لتشكل سردية بصرية متكاملة حول الحدث، تبدأ بالصدمة وتنتهي بمحاولات الإنقاذ والتعامل مع آثار الدمار.
وتكمن أهمية هذا التراكم في أن الجمهور لا يتذكر الأحداث التاريخية عادةً من خلال المعلومات المجردة وحدها، وإنما يحتفظ بمجموعة من الصور والمشاهد التي تصبح بمثابة مفاتيح لاستدعاء الحدث. ولهذا فإن ذكر 11 سبتمبر يرتبط في الذاكرة العامة بصورة الطائرة والدخان والبرجين المنهارين ورجال الإنقاذ، حتى بالنسبة إلى الأجيال التي لم تكن شاهدة بصورة مباشرة على الهجمات.
وفي هذه الحالة، تحولت الصورة من مجرد وثيقة إلى رمز. فالصورة الرمزية لا تحتاج إلى شرح طويل حتى تستدعي الحدث؛ إذ يكفي ظهورها لكي يرتبط المشهد في ذهن المتلقي بمجموعة واسعة من المعاني، مثل الخوف والصدمة والخسارة والتهديد والإنقاذ والتضامن. ومن ثم، أصبحت بعض صور 11 سبتمبر قادرة على اختصار حدث تاريخي كامل في لحظة بصرية واحدة.
كما اكتسب أرشيف الصور أهمية تتجاوز الاستخدام الإعلامي المباشر. فقد جرى الحفاظ على عدد كبير من الصور التي وثقت موقع مركز التجارة العالمي وآثار الهجمات، بما في ذلك صور لم تحظ بالانتشار نفسه الذي حظيت به الصور الأكثر شهرة. ويكشف ذلك عن إدراك أهمية الصورة بوصفها مصدرًا من مصادر التوثيق التاريخي، لا باعتبارها مادة إعلامية مؤقتة فقط.
من التوثيق إلى التأثير السياسي
لم يتوقف تأثير صور 11 سبتمبر عند حدود توثيق الحدث، وإنما انتقلت تدريجيًا إلى المجال السياسي، حيث أصبحت جزءًا من البيئة البصرية التي جرى من خلالها تفسير الهجمات وتقديم تداعياتها للجمهور الأمريكي والعالمي. فقد أدى تكرار صور الطائرات والنيران والدخان والركام وحشود المدنيين الفارين إلى تثبيت مشاعر الصدمة والخوف والخطر في الوعي العام، وجعل الهجمات تجربة جماعية تتجاوز الأشخاص الذين كانوا موجودين في موقع الحدث.
وتتميز الصورة في هذا السياق بقدرتها على استدعاء الانفعال بصورة مباشرة. فعندما يرى المتلقي صورة لمبنى ضخم ينهار أو أشخاصًا يطلبون المساعدة أو رجال إنقاذ يعملون وسط الركام، فإنه لا يتعامل فقط مع معلومة تتعلق بحجم الضرر، بل يواجه تمثيلًا بصريًا لتجربة إنسانية. ولذلك تستطيع الصورة أن تسهم في بناء مشاعر التعاطف مع الضحايا، والتقدير لجهود الإنقاذ، والشعور بالخوف من تكرار الهجوم.
وقد ارتبط هذا الجانب العاطفي بتطور الخطاب السياسي الأمريكي عقب الهجمات. فصور الضحايا ورجال الإنقاذ والأعلام الأمريكية وموقع جراوند زيرو دخلت ضمن سردية عامة ركزت على التضحية والوطنية ووحدة المجتمع في مواجهة الإرهاب. ومع استمرار تداول هذه الصور، أصبحت جزءًا من السياق البصري الذي جرى داخله تقديم سياسات أمنية وعسكرية جديدة.
ويتضح هذا بصورة خاصة عند المقارنة بين الحرب في أفغانستان عام 2001 والحرب على العراق عام 2003. فقد ارتبطت الحرب الأولى بصورة مباشرة بسياق الهجمات وملاحقة تنظيم القاعدة وإسقاط نظام طالبان، بينما جاءت الحرب على العراق في سياق سياسي مختلف، واستندت إلى حجج أخرى، من بينها الادعاءات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل وصلات الإرهاب. ولذلك فإن حضور صور 11 سبتمبر في الخطاب السياسي لا يعني أنها كانت العامل الوحيد أو المباشر في تشكيل المواقف تجاه كل قرار عسكري لاحق.
ومع ذلك، ظلت الصور قادرة على أداء وظيفة مهمة في الحفاظ على الشعور العام بالخطر واستدعاء الذاكرة الجماعية للهجمات. فكلما أعيد عرض مشاهد البرجين والنيران والركام، استُعيدت معها التجربة العاطفية المرتبطة بالحدث، وهو ما يوضح كيف يمكن للصورة أن تمتد زمنيًا إلى ما بعد الحدث الذي وثقته.
الذاكرة الجماعية وحدود التأثير الإعلامي
تكشف تجربة 11 سبتمبر عن علاقة مركبة بين الصورة والذاكرة والرأي العام، إذ لا تتحدد قوة الصورة فقط بما تعرضه، وإنما أيضًا بعدد مرات استدعائها والسياقات التي تستخدم فيها والمعاني التي تكتسبها بمرور الوقت. وقد تحولت بعض صور الهجمات إلى علامات بصرية عالمية يمكن التعرف إليها فورًا، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية للقرن الحادي والعشرين.
ويعود جانب من هذه القوة إلى قدرة الصورة على اختزال الأحداث المعقدة. فبدلًا من استحضار آلاف الصفحات التي تتناول تفاصيل الهجمات وأسبابها وتداعياتها، يمكن لصورة واحدة أن تستدعي في ذهن المتلقي مجموعة واسعة من المعلومات والانفعالات. وهذا ما يجعل الصورة الرمزية ذات قدرة استثنائية على الاستمرار، خصوصًا عندما ترتبط بحدث استثنائي ترك آثارًا سياسية واجتماعية وأمنية واسعة.
لكن هذه القدرة لا تعني أن الصورة تفرض معنى واحدًا على جميع المتلقين. فالجمهور لا يتعامل مع الصور بمعزل عن خبراته السابقة وقيمه ومعلوماته وسياقه الثقافي والسياسي. وقد يقرأ المتلقي الصورة نفسها باعتبارها رمزًا للضحايا، بينما يراها آخر باعتبارها رمزًا للتهديد أو فشل الإجراءات الأمنية، وقد يربطها ثالث بالتغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية الأمريكية. وبالتالي فإن الصورة توفر إطارًا للتفسير، لكنها لا تلغي دور المتلقي في إنتاج المعنى.
كما أن تكرار الصورة قد يؤدي إلى نتائج متباينة. فمن ناحية، يؤدي إلى تثبيت الحدث في الذاكرة وضمان استمرار حضوره التاريخي، ومن ناحية أخرى قد يؤدي إلى ترسيخ قراءة واحدة له إذا اقترنت الصورة بصورة متكررة بخطاب سياسي أو إعلامي محدد. ولذلك تبرز أهمية التعددية في التغطية البصرية، بحيث لا تختزل الأحداث الكبرى في صورة واحدة أو مجموعة محدودة من المشاهد.
ومن ثم، فإن تجربة 11 سبتمبر تؤكد أن الذاكرة الجماعية ليست نتاجًا للمعلومات المكتوبة وحدها، وإنما تشارك فيها الصورة بصورة أساسية. فالأرشيف البصري للهجمات أسهم في تحديد المشاهد التي ارتبطت بها في الوعي العام، بينما أسهم تكرار هذه المشاهد في استمرار حضور الحدث بعد مرور عقود على وقوعه.
وبعد مرور خمسة وعشرين عامًا على الهجمات، لا تزال صور الطائرات والأبراج والدخان والركام ورجال الإنقاذ حاضرة في التغطيات الإعلامية والوثائقية، وهو ما يعكس قدرة الصورة على تجاوز زمن الحدث. وفي الوقت ذاته، تبرز هذه الحالة الحاجة إلى التعامل مع الصور باعتبارها أدوات ذات تأثير معرفي وعاطفي وسياسي، وليس مجرد عناصر تكميلية للنصوص الإخبارية.
خاتماً: تكشف دراسة الصورة الإعلامية في سياق أحداث 11 سبتمبر 2001 عن الدور المتنامي الذي تؤديه الصورة في بناء المعنى الإعلامي وتشكيل الإدراك العام والذاكرة الجماعية. فقد أثبتت التجربة أن الصورة لا تكتفي بتسجيل الحدث، وإنما يمكن أن تساهم في تحديد الطريقة التي يُفهم ويُتذكر بها، من خلال اختيار زاوية التصوير واللحظة والعناصر المرئية، ثم من خلال عمليات الانتقاء والنشر والتكرار وإعادة الاستخدام.
وقد مثلت صور 11 سبتمبر نموذجًا واضحًا لهذا التحول؛ إذ انتقلت من كونها وثائق صحفية للحظات الهجوم إلى رموز بصرية اختزلت في أذهان الجمهور تجربة تاريخية كاملة بما تضمنته من صدمة وخوف وفقد وإنقاذ ودمار. ومع تكرارها عبر وسائل الإعلام والأفلام الوثائقية والأرشيفات والمناسبات السنوية، أصبحت هذه الصور جزءًا من الذاكرة الجماعية، بحيث بات استحضار بعضها كافيًا لإعادة بناء الحدث في الوعي العام.
ومن هنا، فإن فهم الدور الذي تؤديه الصورة في تشكيل الرأي العام يتطلب تجاوز النظر إليها باعتبارها مجرد انعكاس بصري للواقع، والتعامل معها بوصفها جزءًا من عملية إنتاج المعنى. وتبقى أحداث 11 سبتمبر واحدة من أبرز الحالات التي توضح هذه العلاقة؛ فقد أثبتت أن صورة واحدة قد تتجاوز عمر الحدث الذي وثقته، لتصبح رمزًا تاريخيًا قادرًا على استدعاء الحدث ومشاعره وتداعياته لعقود لاحقة، وهو ما يجعل دراسة الصورة ضرورة أساسية لفهم عمل الإعلام وتأثيره في الذاكرة العامة والرأي العام.
المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : رانيا مكرم
التاريخ : 13/9/2026
------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: بي بي سي نيوز
التاريخ : 10/9/2026
