الموقف الصيني من الحرب الأمريكية – الاسرائيلية على إيران
فرع القاهرة

تجادل هذه الورقة بأن الموقف الصيني من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لا يمكن فهمه بوصفه استجابة دبلوماسية ظرفية لأزمة عابرة، بل باعتباره امتدادًا لبنية فكرية واستراتيجية متراكمة صاغتها بكين خلال السنوات الأخيرة عبر منظومة مفاهيم تشمل الأمن المشترك، والشرعية الدولية، والحوكمة العالمية، والتنمية بوصفها شرطًا للاستقرار. فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، قدّمت الصين موقفها باعتبارها أزمة غير مفوضة من الأمم المتحدة، ومخالفة للقانون الدولي، ومهددة لاستقرار الخليج وأمن الطاقة والملاحة الدولية.

غير أن هذا الاتساق في الخطاب القانوني والسياسي يكشف في الوقت نفسه عن حدود الدور الصيني؛ فبكين، رغم كونها قوة اقتصادية كبرى وفاعلًا دبلوماسيًا نشطًا، لم تتحول بعد إلى قوة أمنية ضامنة قادرة على فرض تسويات أو إدارة صراعات عسكرية مباشرة. وتنطلق هذه الدراسة من قراءة عربية تحليلية لا تكتفي بوصف الخطاب الصيني، بل تسعى إلى تفكيك جذوره الفكرية، وتحليل تمثلاته البحثية داخل الصين وخارجها، وتقييم انعكاساته على الخليج والعالم العربي، إضافة إلى دراسة تأثير الحرب على العلاقات الصينية-الأمريكية والصينية-الخليجية.

وتقوم الفرضية المركزية للورقة على أن الموقف الصيني يجمع بين الاتساق المفاهيمي العالي والقدرة التنفيذية المحدودة؛ إذ تمتلك بكين رؤية متماسكة للنظام الدولي، لكنها لا تمتلك الأدوات الأمنية الكفيلة بترجمة هذه الرؤية إلى نفوذ حاسم في بيئة صراعية معقدة.

الإطار التحليلي للموقف الصيني

ينطلق التحليل من تمييز منهجي بين ثلاثة مستويات أساسية لفهم الموقف الصيني: المستوى الرسمي، والمستوى البحثي، والمستوى التقييمي الخارجي. فالمستوى الرسمي يتمثل في بيانات وزارة الخارجية الصينية وتصريحات المسؤولين والمواقف داخل مجلس الأمن، وهو يعكس الخطاب المعلن للدولة. أما المستوى البحثي فيتمثل في الأدبيات الأكاديمية الصينية التي تقدم تفسيرات أوسع للحرب ضمن إطار جيوسياسي واستراتيجي شامل في حين يمثل المستوى الثالث قراءات الباحثين العرب والغربيين التي تسعى إلى تقييم حدود الدور الصيني وفعاليته.

هذا التمييز ضروري لتجنب خطأين شائعين: الأول هو اختزال السياسة الصينية في بياناتها الرسمية فقط، والثاني هو التعامل مع الخطاب الصيني بوصفه مجرد غطاء بلاغي للمصالح. وفي الواقع، يمكن فهم السياسة الصينية بوصفها تركيبًا مركبًا بين البعد المعياري القائم على القانون الدولي، والبعد البراغماتي المرتبط بالمصالح الاقتصادية والجيوسياسية، خصوصًا في مجالات الطاقة والممرات البحرية والعلاقات مع القوى الكبرى.

وتعتمد الورقة كذلك على ثلاثة مفاهيم تفسيرية رئيسية:

الأمن المشترك: الذي يقوم على فكرة أن أمن أي دولة لا ينبغي أن يتحقق على حساب الآخرين.

الشرعية الدولية: التي تربط استخدام القوة بموافقة الأمم المتحدة والقانون الدولي.

التحوط الاستراتيجي: الذي يعكس سعي الصين ودول الإقليم إلى تجنب الاصطفافات الصلبة وتوسيع خيارات الشراكة.

السياق الدولي لاندلاع الحرب

اندلعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في سياق دولي شديد الاضطراب، حيث كان النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة بعد عقود من الاستقرار النسبي. فقد تزامن التصعيد مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتوترات غزة، وأزمات اقتصادية عالمية متعلقة بالتجارة وسلاسل الإمداد، إضافة إلى تصاعد النزعات الحمائية.

في هذا السياق، لم تكن الحرب حدثًا إقليميًا معزولًا، بل جزءًا من بيئة دولية تتراجع فيها فعالية المؤسسات متعددة الأطراف لصالح منطق القوة. وقد انعكس ذلك بوضوح في خطاب الأمم المتحدة الذي حذر من تآكل سيادة القانون الدولي.

كما جاءت الحرب في منطقة ذات أهمية استراتيجية قصوى، إذ يمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. وبالتالي، فإن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة لا يظل محصورًا جغرافيًا، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتضخم وسلاسل الإنتاج.

وفي الوقت ذاته، وقعت الحرب في لحظة حساسة في العلاقات الصينية–الأمريكية، حيث كانت هناك مؤشرات تهدئة نسبية قبل أن يؤدي التصعيد إلى إعادة خلط أولويات واشنطن، وإدخال الخليج ضمن معادلة التنافس الاستراتيجي بين القوتين.

الموقف الصيني من الحرب

اتسم الموقف الصيني منذ البداية بالوضوح النسبي في الإدانة القانونية للحرب، مع التركيز على رفض استخدام القوة خارج إطار الأمم المتحدة. فقد وصفت بكين الضربات بأنها غير قانونية، وغير مبررة، وتمثل انتهاكًا للسيادة الوطنية، مع التأكيد على أن الحرب لا يمكن أن تنتج حلولًا دائمة.

وفي خطابها الدبلوماسي، شددت الصين على مجموعة من المبادئ، أهمها:

احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها

رفض تغيير الأنظمة بالقوة

تسوية النزاعات عبر الحوار

حماية المدنيين والبنية التحتية

دعم دور الأمم المتحدة في إدارة الأزمات

كما سعت الصين إلى عدم الانحياز لطرف واحد، بل تبنت خطابًا مزدوجًا يرفض الحرب على إيران، وفي الوقت نفسه يحذر من امتدادها إلى دول الخليج أو استهداف المدنيين أو تعطيل الممرات البحرية.

وعلى المستوى العملي، تحركت بكين دبلوماسيًا عبر إرسال مبعوثها الخاص إلى عدد من دول الخليج وإيران، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع توسعها. كما كررت في مجلس الأمن دعوتها إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى المفاوضات.

الجذور الاستراتيجية للموقف الصيني

يمكن فهم الموقف الصيني من خلال منظومة المبادرات العالمية التي طورتها بكين خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها مبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحوكمة العالمية ومبادرة التنمية العالمية ومبادرة الحضارة العالمية.

ترتكز هذه المنظومة على تصور بديل للنظام الدولي يقوم على:

رفض منطق الهيمنة الأحادية

تعزيز دور الأمم المتحدة

تحقيق الأمن المشترك بدل الأمن القائم على الصراع

ربط الاستقرار بالتنمية الاقتصادية

احترام التنوع الحضاري ورفض فرض النماذج السياسية

ومن هذا المنظور، تُقرأ الحرب على إيران بوصفها إخفاقًا للنظام الدولي في ضبط استخدام القوة، وتهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي وسلاسل التنمية العالمية.

كما تعكس هذه المبادئ رؤية صينية تعتبر أن الاستقرار الدولي لا يتحقق عبر القوة العسكرية، بل عبر شبكات التعاون الاقتصادي والتنمية والربط التجاري، وهو ما يجعل الخليج منطقة مركزية في الاستراتيجية الصينية.

تتباين القراءات الخارجية للموقف الصيني بين ثلاث اتجاهات رئيسية. يرى الاتجاه الأول أن الصين نجحت دبلوماسيًا في تعزيز صورتها كقوة داعمة للاستقرار. بينما يعتبر الاتجاه الثاني أن تأثيرها محدود بسبب غياب الأدوات العسكرية. أما الاتجاه الثالث فيرى أن الصين تستفيد سياسيًا من الحرب دون تحمل كلفتها الأمنية.

ومع ذلك، تتفق غالبية التحليلات على أن الصين ليست طرفًا حاسمًا في إدارة الحرب، بل فاعل يسعى إلى التوازن بين مصالحه في إيران والخليج، وبين علاقاته مع الولايات المتحدة.

كما تشير بعض الدراسات إلى أن الحرب قد تمنح الصين مكاسب نسبية من حيث تحسين صورتها الدولية، لكنها في الوقت نفسه تعرض مصالحها الطاقوية والاقتصادية لمخاطر كبيرة في حال استمرار التصعيد.

خاتماً: تخلص هذه الورقة إلى أن الموقف الصيني من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران يعكس رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على رفض استخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية، والدعوة إلى الأمن المشترك، وربط الاستقرار بالتنمية والحوكمة العالمية. وهو موقف ليس وليد اللحظة، بل امتداد لبنية فكرية صينية تتطور منذ سنوات.

غير أن الحرب كشفت في الوقت ذاته حدود هذا الدور؛ فالصين، رغم مكانتها الاقتصادية والدبلوماسية المتصاعدة، لا تزال قوة غير راغبة في الانخراط العسكري المباشر أو تحمل مسؤوليات أمنية صلبة في الشرق الأوسط. وبذلك، فإن دورها يظل أقرب إلى الوساطة والتوازن منه إلى الضمان الأمني.

ومن منظور عربي، يمثل الموقف الصيني عنصرًا مهمًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، لكنه لا يمكن اعتباره بديلًا عن القوى الأمنية التقليدية. وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للصين تكمن في قدرتها على دعم التهدئة، وتعزيز التعاون الاقتصادي، والمساهمة في منع التصعيد، ضمن نظام دولي لا يزال في حالة إعادة تشكل مستمرة.

 

 

المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية

الكاتب : سفير/ د. جعفر كرار أحمد

التاريخ : 11/4/2026

--------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: صوت الإمارات

الكاتب : الدكتور محمد محسن أبو النور

التاريخ : 5/4/2026

المقالات الأخيرة