يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تعكس انتقال العالم من مرحلة الأحادية القطبية التي قادتها الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على تعدد مراكز القوة والنفوذ وفي هذا السياق، تبرز القمة التي جمعت الرئيس الصيني شي جينبينج والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مايو 2026 بوصفها محطة مفصلية تتجاوز حدود التنسيق الثنائي التقليدي بين بكين وموسكو لتطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة النظام الدولي القادم، وحدود تشكل محور أوراسي جديد يمتد من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط.
وتأتي هذه القمة في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع تصاعد الحرب في أوكرانيا واحتدام التوترات في بحر الصين الجنوبي، وتزايد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على إيران، فضلاً عن تنامي الصراع العالمي حول التكنولوجيا والطاقة والممرات التجارية ومن ثم، لم تعد العلاقات الصينية الروسية مجرد شراكة سياسية أو اقتصادية، بل أصبحت تمثل جزءاً من عملية إعادة صياغة موازين القوة العالمية.
وفي قلب هذه التحولات، برزت إيران باعتبارها حلقة استراتيجية تربط بين الشرق الأوسط والمشروع الأوراسي الناشئ، بما يمنح المنطقة العربية موقعاً محورياً في التنافس الدولي الجديد. وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل طبيعة المحور الصيني - الروسي - الإيراني وأبعاده الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية، مع التوقف عند أبرز التحديات التي قد تواجه هذا المحور، وانعكاساته المحتملة على الشرق الأوسط والنظام الدولي.
الصين والمشروع الاقتصادي الأوراسي
تمثل الصين الركيزة الاقتصادية والتكنولوجية الأساسية في المشروع الأوراسي الصاعد، إذ تنظر بكين إلى التحولات الدولية الحالية باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بصورة تقلل من الهيمنة الأمريكية وتفتح المجال أمام صعود قوى آسيوية جديدة.
ومن هذا المنطلق، تتعامل الصين مع الشرق الأوسط باعتباره فضاءً استراتيجياً حيوياً يرتبط مباشرة بأمن الطاقة ومسارات التجارة الدولية. فالنفط الخليجي يمثل أحد أهم مصادر تأمين احتياجات الاقتصاد الصيني المتنامي، بينما يشكل البحر الأحمر وقناة السويس جزءاً أساسياً من مشروع "الحزام والطريق" الذي تسعى بكين من خلاله إلى بناء شبكة عالمية من الممرات البرية والبحرية والبنية التحتية العابرة للقارات.
كما تعمل الصين على تأسيس نظام اقتصادي وتقني موازٍ للنظام الغربي، من خلال تعزيز استخدام اليوان الرقمي، وتطوير شبكات دفع مالية بديلة، والاستثمار في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية. وتهدف هذه السياسات إلى تقليل الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية، والحد من قدرة الولايات المتحدة على استخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح استراتيجي.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة مع روسيا وإيران جزءاً من رؤية أوسع تسعى الصين عبرها إلى تأمين عمق جيوسياسي واستراتيجي يحمي مصالحها الاقتصادية العالمية فبكين تدرك أن معركتها الكبرى مع واشنطن لن تُحسم فقط بالقوة العسكرية، وإنما أيضاً بالقدرة على السيطرة على التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والممرات التجارية، وأسواق الطاقة العالمية.
ومن ثم، فإن الصين لا تتعامل مع المحور الأوراسي بمنطق التحالفات العسكرية التقليدية، بل باعتباره شبكة مصالح استراتيجية تتيح لها حماية مشروعها الاقتصادي العالمي وتعزيز موقعها كقوة دولية صاعدة.
روسيا واستراتيجية استنزاف الغرب
تمثل روسيا البعد العسكري والأمني في المحور الأوراسي الناشئ، إذ تنظر موسكو إلى الصراع مع الغرب باعتباره مواجهة وجودية تتعلق بمكانتها الدولية ومستقبل النظام العالمي. ومن هذا المنطلق، تعتبر الحرب في أوكرانيا جزءاً من صراع أوسع مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي حول شكل التوازنات الدولية المقبلة.
وفي إطار هذه الرؤية، تنظر روسيا إلى الشرق الأوسط باعتباره ساحة استراتيجية تسمح بإعادة توزيع الضغوط الأمريكية واستنزاف القدرات الغربية بعيداً عن الجبهة الأوروبية. فكل تصعيد أمريكي في الخليج العربي أو الشرق الأوسط يعني، بالنسبة لموسكو، تخفيف الضغط العسكري والسياسي على روسيا في أوكرانيا وشرق أوروبا.
كما ترى موسكو في إيران شريكاً استراتيجياً يوفر لها عمقاً جيوسياسياً مهماً في الجنوب، ويساعد على مواجهة النفوذ الأمريكي في مناطق حيوية تشمل الخليج العربي وآسيا الوسطى والبحر الأسود ولهذا السبب، تعمل روسيا على توسيع التعاون العسكري والأمني مع طهران، سواء عبر تبادل التكنولوجيا الدفاعية أو التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية.
وفي الوقت ذاته، تسعى موسكو إلى توظيف الخطاب الداعي إلى "التعددية القطبية" بوصفه أداة سياسية وأيديولوجية لمواجهة الهيمنة الغربية. ومن خلال هذا الخطاب تحاول روسيا تقديم نفسها باعتبارها قوة دولية تدافع عن حق الدول غير الغربية في بناء نظام عالمي أكثر توازناً واستقلالية.
غير أن روسيا تدرك أيضاً حدود قدراتها الاقتصادية مقارنة بالصين، وهو ما يجعلها أكثر اعتماداً على القوة العسكرية والضغط الجيوسياسي لتعزيز نفوذها الدولي. ولذلك، فإن موسكو تنظر إلى المحور الأوراسي باعتباره وسيلة للحفاظ على موقعها كقوة عظمى قادرة على تحدي الولايات المتحدة وإعادة تشكيل التوازنات العالمية.
إيران بوصفها العمق الجيوسياسي للمحور
تمثل إيران الحلقة الأكثر حساسية في المحور الأوراسي الناشئ، نظراً لموقعها الجغرافي الذي يربط بين الخليج العربي وآسيا الوسطى والبحر الأحمر وشرق المتوسط وقد أدى هذا الموقع إلى تحويل طهران من مجرد قوة إقليمية إلى عنصر استراتيجي أساسي في الحسابات الصينية والروسية.
فإيران توفر للمشروع الأوراسي ما يمكن وصفه بـ"العمق الجنوبي"، إذ تتيح للصين وروسيا الوصول إلى الممرات البحرية الحيوية ومناطق الطاقة العالمية دون الاعتماد الكامل على المسارات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
كما تمتلك إيران شبكة واسعة من النفوذ الإقليمي تمتد عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط. ومن هنا، تنظر بكين وموسكو إلى طهران باعتبارها شريكاً قادراً على استنزاف النفوذ الأمريكي والإسرائيلي دون انخراط مباشر من القوى الكبرى في المواجهة.
وفي السياق ذاته، تسعى إيران إلى الاستفادة من الشراكة مع الصين وروسيا لتخفيف آثار العقوبات الغربية، وتعزيز قدراتها الدفاعية والاقتصادية، والحصول على غطاء سياسي ودبلوماسي داخل المؤسسات الدولية.
غير أن العلاقة بين أطراف المحور الثلاثي لا تخلو من التناقضات. فإيران تخشى أن تتحول في مرحلة ما إلى ورقة تفاوض تستخدمها بكين أو موسكو في إطار صفقات كبرى مع الولايات المتحدة، بينما تدرك الصين وروسيا أن الانخراط المفرط في الصراعات الإقليمية الإيرانية قد يهدد مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية الأوسع.
ورغم هذه التباينات، فإن الضغوط الغربية المستمرة تدفع الأطراف الثلاثة إلى تعزيز التعاون والتنسيق، بما يجعل المحور الأوراسي أكثر قدرة على الصمود والتوسع.
الشرق الأوسط في قلب الصراع الدولي
تكشف التحولات الجارية عن عودة الشرق الأوسط إلى مركز التنافس الدولي، ليس فقط بسبب النفط والطاقة، وإنما أيضاً بسبب موقعه الحيوي في معركة الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا العالمية.
فمشروعات الربط بين مبادرة "الحزام والطريق" الصينية وممر "شمال -جنوب" الروسي - الإيراني تعكس محاولة استراتيجية لإعادة رسم خريطة التجارة العالمية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية على طرق الملاحة البحرية.
كما أن التنافس في البحر الأحمر والقرن الأفريقي والسودان وليبيا وإثيوبيا يعكس إدراك القوى الكبرى لأهمية هذه المناطق في التحكم بحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل من أكثر الأطراف قلقاً من تشكل المحور الأوراسي الجديد، خاصة إذا حصلت إيران على دعم عسكري وتقني واقتصادي متزايد من روسيا والصين. فمثل هذا التطور قد يؤدي إلى تغيير جوهري في ميزان القوى الإقليمي، ويمنح طهران قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى منع تحول الشرق الأوسط إلى منطقة نفوذ أوراسية، عبر تعزيز تحالفاتها التقليدية، وزيادة حضورها العسكري، والعمل على احتواء الصين وروسيا وإيران في آنٍ واحد.
ومن ثم، فإن المنطقة العربية أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع على شكل النظام الدولي المقبل، حيث تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية بصورة غير مسبوقة.
خاتماً: تكشف قمة شي جينبينج وفلاديمير بوتين في مايو 2026 عن مرحلة جديدة من التحولات الدولية التي تعيد تشكيل موازين القوة العالمية بصورة متسارعة فالعالم لم يعد يتحرك وفق منطق الأحادية القطبية الذي ساد بعد الحرب الباردة، بل بات يتجه نحو نظام أكثر تعقيداً يقوم على تعدد الأقطاب وتنافس المشاريع الجيوسياسية الكبرى.
وفي هذا الإطار، يبرز المحور الصيني - الروسي - الإيراني باعتباره أحد أبرز تعبيرات المرحلة الجديدة، حيث يجمع بين القوة الاقتصادية الصينية، والقدرة العسكرية الروسية، والموقع الجيوسياسي الإيراني، ضمن شبكة مصالح واستراتيجيات تهدف إلى تقليص النفوذ الأمريكي وإعادة توزيع القوة على المستوى العالمي.
غير أن هذا المحور لا يمثل تحالفاً تقليدياً قائماً على الانسجام الكامل، بل يقوم على الضرورة الاستراتيجية والخوف المشترك من الضغوط الغربية والعقوبات والاحتواء الجيوسياسي. ولذلك، فإن استمراره سيظل مرتبطاً بقدرة أطرافه على إدارة تناقضاتهم الداخلية والحفاظ على مصالحهم المشتركة.
وفي جميع الأحوال، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن الشرق الأوسط عاد مرة أخرى إلى قلب الصراع الدولي، وأن المنطقة ستظل خلال السنوات المقبلة إحدى الساحات الرئيسية التي سيتحدد من خلالها شكل العالم القادم وتوازناته الكبرى.
المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. أحمد قنديل
التاريخ : 19/5/2026
------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: الجزيرة نت
الكاتب : فهيم الصوراني ورافع رشيد
التاريخ : 19/5/2026
