تُعد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر الأقاليم تعقيدًا من الناحية الجيوسياسية والتاريخية إذ ارتبطت عبر العصور الحديثة والمعاصرة بسلسلة متواصلة من الصراعات المسلحة والتوترات السياسية الممتدة بين الدول والجماعات المسلحة والقوى دون مستوى الدولة وقد أسهم الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمنطقة، وكونها مهدًا للحضارات والأديان السماوية، إلى جانب غناها بالموارد الطبيعية، في جعلها محورًا دائمًا لتنافس القوى الإقليمية والدولية ومع غياب إطار إقليمي جامع قادر على إدارة هذه التفاعلات، تظل المنطقة عالقة في دوائر متكررة من العنف وعدم الاستقرار، الأمر الذي يطرح إشكالية مركزية تتعلق بإمكانية بناء نظام أمن وتعاون إقليمي قادر على كسر هذه الحلقة المفرغة وإعادة صياغة منطق العلاقات الإقليمية.
تاريخ الصراع في الشرق الأوسط
يتسم تاريخ الشرق الأوسط الحديث والمعاصر بكونه تاريخًا ممتدًا من التفاعلات الصراعية المعقدة التي لم تنفصل يومًا عن التدخلات الخارجية أو التنافسات الداخلية بين مكونات الإقليم. فقد شكّلت المنطقة عبر مراحل تاريخية مختلفة ساحةً لتقاطع الإمبراطوريات القديمة والمشاريع الاستعمارية الحديثة، قبل أن تتحول في العصر الراهن إلى مسرح مفتوح لتنافس القوى الكبرى. ومع تشكّل الدول الوطنية الحديثة، لم تستقر معادلات الأمن الإقليمي بسبب غياب منظومة تعاون جماعي، الأمر الذي أدى إلى بروز صراعات مزمنة تتداخل فيها الهويات القومية مع الانقسامات الطائفية والسياسية. كما ساهمت هشاشة بعض الدول في تعزيز أدوار الفاعلين من غير الدول، بما في ذلك الجماعات المسلحة والميليشيات، ما عمّق من تعقيد البيئة الأمنية وجعلها أكثر عرضة للتدويل والتشابك الإقليمي.
نظام أمني وتعاون إقليمي
تتزايد أهمية طرح فكرة إنشاء نظام أمن وتعاون إقليمي في الشرق الأوسط باعتبارها استجابة ضرورية لحالة الانفلات الأمني المزمن، وغياب آليات فعالة لإدارة النزاعات. وينطلق هذا التصور من فرضية أساسية مفادها أن استمرار الاعتماد على التدخلات الخارجية أو سياسات المحاور لم يعد قادرًا على إنتاج استقرار مستدام. وعليه، فإن بناء منظومة إقليمية ينبغي أن يقوم على مبادئ واضحة تشمل احترام السيادة، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ووقف دعم الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة، إلى جانب تبني آليات فعالة لتسوية النزاعات. كما يتطلب الأمر تطوير أدوات للتعاون الاقتصادي والأمني والمائي والبيئي، بما يخلق شبكة مصالح مشتركة تقلل من دوافع الصراع وتدعم مسارات الاستقرار التدريجي.
الواقع الإقليمي وتحديات التطبيق
على الرغم من وجاهة الطرح النظري لنظام الأمن الإقليمي، إلا أن تطبيقه يواجه تحديات جوهرية نابعة من طبيعة البنية السياسية الحالية في المنطقة. فالتنافس بين المشاريع الإقليمية الكبرى، سواء كانت إيرانية أو تركية أو إسرائيلية، يخلق حالة من تضارب المصالح الاستراتيجية التي تعرقل إمكانية بناء إطار جامع. كما أن أزمة الثقة المتراكمة بين الأطراف الناتجة عن عقود من الصراعات والحروب، تمثل عائقًا رئيسيًا أمام أي تعاون مؤسسي ويضاف إلى ذلك الدور المتنامي للفاعلين من غير الدول، الذين أصبحوا جزءًا من معادلات الصراع، فضلًا عن استمرار التدخلات الدولية التي تستخدم الإقليم كساحة لتصفية التنافسات الكبرى وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أي محاولة لبناء نظام إقليمي موحد أكثر قربًا من الطموح النظري منها إلى الواقع العملي في المدى القريب.
نموذج تدريجي للأمن التعاوني
في ظل التعقيدات القائمة، يبرز نموذج “الأمن التعاوني التدريجي” كأكثر الصيغ واقعية لإعادة هندسة البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط. ويقوم هذا النموذج على الانتقال التدريجي من إدارة الأزمات إلى بناء الثقة، عبر مسارات متعددة تشمل الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية. فمن الناحية الأمنية، يتطلب الأمر وضع آليات للإنذار المبكر وضبط التسلح ومنع الاحتكاك العسكري، بينما تركز السلة السياسية على احترام السيادة وتسوية النزاعات بالطرق السلمية. أما السلة الاقتصادية فتقوم على تعزيز التكامل الإقليمي وربط الأسواق والبنى التحتية، في حين تهدف السلة الإنسانية إلى معالجة قضايا اللاجئين والتطرف. ويتميز هذا النموذج بمرونته وقدرته على استيعاب التباينات بين دول الإقليم، دون فرض هيكل صارم أو إقصائي، بما يسمح بتطوير تدريجي للعلاقات الإقليمية نحو مستويات أعلى من التعاون.
خاتماً: تكشف القراءة التحليلية للواقع الإقليمي في الشرق الأوسط أن استمرار الأوضاع على حالها لم يعد خيارًا قابلًا للاستدامة، في ظل تصاعد الصراعات وتداخل الأزمات وتعدد الفاعلين وبينما يظل بناء نظام أمن إقليمي شامل هدفًا بعيد المدى، فإن البديل الأكثر واقعية يتمثل في تبني مقاربة تدريجية تقوم على بناء الثقة وتراكم المصالح المشتركة إن التحول من منطق الصراع إلى منطق التعاون لا يتطلب فقط إرادة سياسية، بل أيضًا إعادة صياغة شاملة لمفهوم الأمن في المنطقة، بما يجعله أمنًا تشاركيًا لا إقصائيًا وفي هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية تاريخية: إما الاستمرار في دوائر الصراع المفتوح، أو الشروع في بناء هندسة إقليمية جديدة تؤسس لاستقرار طويل الأمد قائم على التعاون بدل المواجهة.
المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
الكاتب : جلال نصار
التاريخ : 27/4/2026
------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: بوابة الأهرام
الكاتب : سفير. د. محمد حجازى
التاريخ : 30/3/2026
