مخاطر “ناقلات الظل” على الأمن البحري العالمي
فرع بنغازي

في إبريل من العام الماضي، قامت إستونيا باحتجاز ناقلة ظل عملاقة غير مسجلة كانت تبحر بلا أعلام في منطقة اقتصادية تابعة للأراضي الإستونية؛ وهو ما تصدّر عناوين الأخبار العالمية في ذلك الوقت. في السابق، كان تسجيل العلم - وهو قاعدة أساسية في الملاحة البحرية العالمية- أمراً لا يُمكن المساس به أو انتهاكه، ولكن يبدو أن الوضع قد تغيّر بشكل كبير اليوم. فهناك العديد من السفن التي صارت تبحر يومياً في بحر البلطيق والقناة الإنجليزية من دون تسجيل علم، وهو اتجاه ينبغي أن يُثير قلق الجميع. فاحتمالية انتشار هذه الممارسة خارج هذه المناطق تثير المخاوف من أن يُقرر آخرون انتهاك القواعد البحرية أيضاً.

ناقلات الظل:

لقد ظهرت ناقلة الظل غير المسجلة، التي تحمل اسم "كيوالا" ويُزعم أنها ترفع علم جيبوتي، قبالة سواحل إستونيا في 11 إبريل من العام الماضي. وبشكل أدق، كانت تعبر المياه الإستونية في طريقها من الهند إلى ميناء أوست لوغا الروسي في الطرف الشرقي من خليج فنلندا. وقد اكتشفت السلطات الإستونية أن تسجيل السفينة في جيبوتي كان مزيفاً؛ مما يجعل السفينة بلا جنسية، تبحر دون أي تسجيل قانوني. ومن هنا قامت إستونيا بممارسة حقها في احتجاز السفينة للتفتيش عند دخولها المياه الإقليمية الإستونية، كما أوضح فيكو كوموسار - رئيس دوريات الحدود التابعة لهيئة الشرطة وحرس الحدود الإستونية- لهيئة الإذاعة العامة في تالين. ورغم موافقة جيبوتي لفترة وجيزة على تسجيل السفينة "كيوالا" تحت علمها؛ فإن السفينة سرعان ما استأنفت الإبحار عابرة مياه دول أخرى دون أي تسجيل.

بعد بضعة أسابيع، عبرت ناقلة ظل أخرى، هي "جاغوار"، المنطقة الاقتصادية التابعة لإستونيا. وعندما حاولت السلطات الإستونية الصعود على متنها، تدخلت روسيا بشكل مفاجئ بإرسال طائرة مقاتلة إلى المجال الجوي الإستوني؛ مما أجبر السلطات الإستونية على إطلاق سراح السفينة. ومنذ ذلك الحين، ارتفع عدد السفن التي تبحر بلا أعلام أو تحت أعلام مزيفة. ووفقاً لمركز الأبحاث الفنلندي المعني بالطاقة والهواء النظيف، فقد عملت 113 سفينة ظل دون تسجيل لعلم شرعي خلال الثلاثة أرباع الأولى من عام 2025. وفي شهر سبتمبر وحده، أبحرت 90 سفينة من هذا النوع؛ وهو ما يمثل زيادة بنسبة 600% مقارنة بشهر سبتمبر من عام 2024.

وتؤثر هذه المشكلة بشكل مباشر في إستونيا وفنلندا؛ لأن السفن المغادرة من الموانئ الرئيسية الروسية - سانت بطرسبرغ، وبريمورسك، وأوست لوغا- تمر عبر مناطقهما الاقتصادية الخاصة في طريقها إلى وجهات عالمية. ولكن المشكلة تمتد إلى ما هو أبعد من حدود بحر البلطيق بكثير. فنادراً ما تبحر السفن التي ترسو في الموانئ الروسية إلى موانئ البلطيق، ولكنها تتجه بدلاً من ذلك للهند والصين ودول أخرى لشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات. وتشمل مسارات تلك السفن عادة قناة السويس والبحر الأحمر قبل أن تتجه شرقاً، ثم تتبع رحلة العودة المسار نفسه.

مخاطر الأعلام المزيفة: 

تشكل السفن غير المسجلة والتي لا تحمل علماً خطراً مباشراً أينما حلت. فهي غالباً ما تكون قديمة، ومفتقرة إلى التأمين المناسب، تتحرك في الخفاء، ويكون مالكوها مجهولين أو من الصعب تتبعهم. ولذا تتجنب الدول ذات السمعة الطيبة تسجيل هذه السفن غير الرسمية، تاركة التسجيل لدول مثل جزر كوك أو بنين. وتفتقر جزر كوك، وهي دولة صغيرة يبلغ عدد سكانها نحو 17 ألف نسمة، إلى القدرة على التحقيق في الحوادث التي تتعرض لها السفن التي ترفع علمها، على الرغم من مسؤوليتها عن ذلك. فعلى سبيل المثال، قطعت سفينة "إيجل إس" التي ترفع علم جزر كوك خمسة كابلات في خليج فنلندا في يوم عيد الميلاد عام 2024. وتشكل السفن التي ترفع أعلاماً مزيفة خطراً أكبر: فمن دون تسجيل العلم، لن تتحمل أي دولة مسؤولية حالة السفينة أو سلوكها؛ فإذا تسببت هذه السفينة في تسرب نفطي، أو اصطدمت بسفينة أخرى، أو انفجرت، أو قطعت كابلاً، أو ألحقت ضرراً بمياه دولة أخرى، فلن تتحمل أية دولة المسؤولية؛ بل في هذه الحالة، تُترك الدولة الساحلية التي حدثت بسواحلها المشكلة/الكارثة لإدارة وتمويل عمليات التنظيف والسيطرة على الأضرار بمفردها.

لا تقتصر مخاطر السفن غير المسجلة والتي لا تحمل أعلاماً على المخاوف البيئية والسلامة فحسب. فالسفن التي لا ترفع علماً تُشبه في عالم البحار صغار المجرمين الذين تُقوّض جرائمهم التي تبدو بسيطة وسهل التحكم بها النظام بأكمله. فعندما تُترك الجرائم الصغيرة دون رادع، تظهر الانتهاكات الأكثر خطورة. وبالطبع تُدرك الدول الناجحة الرشيدة أهمية معالجة جميع الجرائم، كبيرة كانت أم صغيرة. فالسماح للسفن بالإبحار دون تسجيل العلم سيُشجع على ارتكاب المزيد من الانتهاكات للقواعد البحرية؛ مما سيُعرّض سلامة المحيطات التي تعتمد عليها جميع الدول للخطر. ومن دون ضمانات للمرور الآمن، قد تضطر خطوط الشحن إلى تقليص الطرق المؤدية إلى بلدان معينة.

لقد أفادت وسائل الإعلام البريطانية في 13 يناير 2026 بأن القوات الخاصة البريطانية ستبدأ باحتجاز السفن التي لا تحمل أعلاماً في القناة الإنجليزية. وبغض النظر عن موقف بقية الدول من العقوبات المفروضة على روسيا؛ ينبغي عليها اتخاذ إجراءات مماثلة لبريطانيا. فعدم قيام مختلف الدول بذلك سيُعرّض الجميع لخطر السماح للسفن التي لا تحمل أعلاماً بالتجول في محيطات العالم دون رقابة؛ مما سيؤدي حتماً إلى عواقب وخيمة ستؤثر في الكل.



المراجع:

إليزابيث برو، 26.3.2026، مخاطر "ناقلات الظل" على الأمن البحري العالمي، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

 

الجعيطي، محمد العربي. (2022). "الأمن البحري في ظل التحديات غير التقليدية: دراسة في ناقلات الظل والأعلام المزيفة". مجلة البحوث القانونية والسياسية، جامعة طرابلس، العدد 17، ص ص. 45-67

 
المقالات الأخيرة