شهدت الحروب الحديثة تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع، حيث انتقلت ساحات المواجهة من الميادين التقليدية إلى الفضاء الرقمي، وأصبحت المعلومات سلاحاً مزدوجاً: أداة لتحقيق التفوق الاستراتيجي ووسيلة لتقويض أسس التعاون بين الحلفاء.
ضباب الحرب
هو مفهوم كلاسيكي كان دائماً ملازماً لساحات القتال، لكن ما تغير جوهرياً هو طبيعة ذلك الضباب ذاته. فإذا كان كارل فون كلاوزفيتز قد استخدم المصطلح للإشارة إلى حالة عدم اليقين المتأصلة في أي صراع عسكري نتيجة محدودية المعلومات وضغوط القتال، فإن الضباب الذي نراه اليوم في صراعات مثل الحرب الأوكرانية، وعدوان غزة، وما تلاهما من مواجهات، لم يعد مجرد نقص في المعلومات بل أصبح فيضاً مضبوطاً من المضللات والمحتوى المولَّد اصطناعياً. لقد غدا الفضاء الرقمي ساحة مواجهة موازية، لا تقل خطورة عن الميدان العسكري، يتقاطع فيها التضليل مع جهود التحقق، وتُستخدم فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي كسلاح معلوماتي مزدوج: يضلل ويكشف، يبني سرديات ويهدم أخرى.
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في استراتيجيات الدعاية العسكرية، فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة لإنتاج المحتوى المضلل، بل أصبح أداة لإعادة تصميم الحدث ذاته من أجل جعله أكثر إقناعاً وتأثيراً. هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الصراع المعاصر: هل ما زلنا نشهد حروباً تقليدية، أم أننا دخلنا عصر "الحروب المعرفية" التي تستهدف العقل الجمعي للخصوم والحلفاء على حد سواء؟
من هنا، تنبع أهمية التحقيق في تأثير هذه التقنيات على تماسك التحالفات الدولية. فإذا كانت الحروب المعلوماتية تستهدف نشر الشك والارتباك، فإن هذه الآليات لا تقتصر آثارها على العدو، بل يمكن أن تتسرب إلى داخل النسيج التحالفي ذاته، مما يخلق حالة من عدم الثقة المتبادل، ويعوق تبادل المعلومات الاستخباراتية، ويشوه صورة الشركاء الاستراتيجيين. يهدف هذا المقال إلى تحليل طبيعة هذه الأساليب الحديثة، وتفكيك آليات عملها، واستشراف تداعياتها على مستقبل التعاون الدولي في مجال الأمن والدفاع.
يتبنى المقال منهجاً تحليلياً يجمع بين الإطار النظري القائم على مفاهيم "الواقعية المفرطة" لجان بودريار و"الأمن المعرفي" الذي طوّره معهد آلان تورينغ، والتحليل التطبيقي المعتمد على دراسة حالات الحرب المعلوماتية في النزاعات الأخيرة، لا سيما الحرب الأمريكية الإيرانية.
أولاً: الإطار النظري والمفاهيمي
لفهم التحديات التي تطرحها الحرب المعلوماتية القائمة على الذكاء الاصطناعي، لا بد من استعراض بعض المفاهيم النظرية الأساسية التي تساعد على تشريح الظاهرة وتفسير تأثيرها على العلاقات بين الحلفاء.
1. مفهوم "الحرب المعلوماتية"
تطور مفهوم الحرب المعلوماتية بشكل متسارع مع التحولات التقنية. ففي العقود السابقة، اقتصرت الحرب الإلكترونية على تشويش الاتصالات أو اختراق شبكات الخصوم، أما اليوم، فقد أصبح الفضاء الرقمي ساحة معركة مفتوحة، تنتشر فيها المضللات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الإعلامية التقليدية على الفحص والتدقيق. هذا التسارع المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي حوَّل الحروب المعلوماتية إلى عمليات مستدامة ومستعرضة للحدود الجغرافية، لا تقتصر على تغطية الأحداث بل تسعى إلى خلق واقع بديل موازٍ، إذ تنفصل العلامات والرموز عن مرجعياتها الواقعية.
2. "الأمن المعرفي"
في مواجهة هذا التحول، برز مفهوم "الأمن المعرفي" كأحد أهم الأطر النظرية لفهم المخاطر الجديدة على الأنظمة المعلوماتية. وفقاً لتقرير معهد آلان تورينغ لعام 2020، يركز هذا المفهوم على العمليات التي تنتج من خلالها المجتمعات المعلومات وتوزعها وتقيمها وتستوعبها، وعلى التهديدات التي تحد من الوصول إلى المعلومات أو تقوض القدرة على تقييم صحة المعلومات أو موثوقية مصادرها. عندما تتعرض هذه القدرات الجماعية للاختراق بفعل الحرب المعلوماتية، تصبح المجتمعات – بما فيها النخب السياسية والعسكرية داخل التحالفات – أقل قدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة في الوقت المناسب، وتضطرب آليات التنسيق المشترك استجابة للأزمات.
3. نظرية "الواقعية المفرطة"
تجد أفكار الفيلسوف الفرنسي جان بودريار حول "الواقعية المفرطة" تجلياتها الأكثر إقناعاً اليوم في الحرب المعلوماتية بالذكاء الاصطناعي. فبودريار تصور عالماً تصبح فيه المحاكاة أسبق من الواقع، وتنفصل العلامات عن مرجعياتها لتصبح واقعاً مستقلاً بذاته. في هذا العالم، لم يعد الهدف من المحتوى المضلل هو تقليد الواقع بدقة، بل إنتاجه في نسخته المثالية والأكثر إثارة، وهذه هي المفارقة التي تفسر استخدام الحكومات للذكاء الاصطناعي حتى في ظل وجود توثيق حقيقي للعمليات العسكرية: فالذكاء الاصطناعي يُمثل الواقع بطريقة أكثر درامية، لإعادة تعريف كيف ينبغي أن تُرى الحرب. هذه الديناميكية تشكل تهديداً مباشراً للتحالفات؛ فإذا أصبح كل طرف قادراً على إنتاج روايته المثالية للواقع، فإن الأرضية المشتركة التي تقوم عليها الثقة المتبادلة بين الحلفاء تتآكل تدريجياً.
ثانياً: المشهد المتطور للتهديد
إذا كان الإطار النظري قد أوضح التحول في طبيعة الحرب المعلوماتية، فإن الخطر الأعمق يكمن في تحول التقنيات المولدة للمحتوى إلى أداة تستهدف نسيج التحالفات نفسها. إن ما يجعل هذه التقنيات بالغة الخطورة على التعاون الدولي هو قدرتها على إنتاج مادة مضللة يصعب تمييزها عن الواقع، وانتشارها عبر شبكات التواصل الاجتماعي بوتيرة تفوق أي جهد للتدقيق والتصحيح.
1. حجم التهديد ومعدلات الانتشار
تكشف التحليلات الأخيرة لحالة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية (2026) حجم الكارثة المعلوماتية التي خلفتها تقنيات الذكاء الاصطناعي. إذ رصدت صحيفة نيويورك تايمز ما يزيد عن 110صورة ومقطع فيديو فريداً مولداً بالذكاء الاصطناعي خلال الأسبوعين الأولين فقط من بدء الصراع. غطت هذه المواد كل جوانب الحرب تقريباً: إسرائيليين يصرخون تحت القصف في تل أبيب، جنود أمريكيين أسرى، سفن حربية أمريكية تتعرض للقصف بالصواريخ، وأبراج علم إسرائيل التي ترفرف أمام مشاهد الدمار كم هائل من المواد شوهد ملايين المرات عبر شبكات X وتيك توك وفيسبوك.
هذا السيل من المحتوى المزيف لم يعد مقتصراً على حسابات هامشية أو مجهولة. فقد رصدت شبكة فرانس برس تداول هذه المواد عبر حسابات متميزة ذات "علامات زرقاء" (blue checkmarks) قابلة للربح من منصة X، مما خلق دافعاً اقتصادياً مباشراً لنشر المزيد من المحتوى المضلل والمبالغ فيه. بل إن بعض السفراء السابقين، مثل السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل جيرار أرود، ساهموا هم أنفسهم في نشر مقاطع مزيفة تظهر صواريخ تدمر تل أبيب. لقد تجاوز المحتوى المولَّد قدرات المدققين، وصار يتسرب عبر منافذ شبه رسمية ورسمية، مما زاد من صعوبة احتوائه لدى الحلفاء الذين يعتمدون على دقة المعلومات في التنسيق العسكري.
2. استراتيجيات البناء الدعائي
لم يعد المحتوى المولد يعتمد على التزييف الكامل، بل استحدث أساليب أكثر تعقيداً تزاوج بين العناصر الحقيقية والعناصر المُصنَّعة. على سبيل المثال، بعض المقاطع التي راجت خلال الحرب أظهرت مشاهد دمار جرى تضخيمها بأدوات الذكاء الاصطناعي، أو صور من سياقات مختلفة قُدِّمت كجزء من العمليات العسكرية، أو مقاطع من ألعاب محاكاة طيران عُرضت كهجمات حقيقية. هذا البناء الهجين يجعل عملية التفنيد أكثر صعوبة، فإذا ردد المتخصصون أن مقطعاً ما مزيف أو قديم، فإن عناصر الحقيقة داخله تدعم المصداقية الجزئية للأثر المتبقي في أذهان المشاهدين.
علاوة على ذلك، يُوظَّف ما يُعرف بـ "البناء الدلالي" البصري، حيث تُظهر المقاطع المُصنَّعة (خاصة تلك المدعومة بإضاءات ليلية درامية وزوايا تصوير مثالية) لحظات الاصطدام والانفجارات بوضوح كامل لا تتيحه الكاميرات الحقيقية في الملاجئ أو الطائرات. هذا الفرق الجوهري بين الصورة الحقيقية والصورة المُصنَّعة يُحدِث إزاحة في إدراك الجمهور لما يستطيع التكنولوجيا العسكرية بوسائلها المحدودة التقاطه فعلياً، مما يضع الأطراف العسكرية في موقف دفاعي باستمرار. كلما حاول طرف تقديم صورة حقيقة للوضع الميداني، تصطدم بـ "نسخة مثالية" أكثر إقناعاً على شاشات الجمهور.
ثالثاً: نموذج "السلسلة القصصية للقتل" كأداة تحليلية
في هذا المشهد من الفوضى المعلوماتية المُدارة، ثمة حاجة ملحة إلى أطر تحليلية تساعد على فهم كيفية تصميم المضللات وتوزيعها لتحقيق أهداف نفسية محددة. أحد هذه الأطر هو نموذج "سلسلة القصصية للقتل" الذي طوّرته شركة Sensity AI استناداً إلى أكثر من 1,000 عينة من الحرب الأوكرانية. يكشف هذا النموذج عن هندسة عسكرية دقيقة في تصميم الرسائل المضللة، حيث تُنتج مقاطع التزييف العميق (deepfakes) كقذائف نفسية موجهة، تُستهدف بها فئات سكانية معينة (جنود على الجبهات، مدنيون في عمق الخلف، جمهور غربي) لإحداث تأثيرات معرفية محددة سلفاً، أبرزها إرهاق عاطفي منهجي يثبط دافع المقاومة أو الصمود.
ما يجعل هذا النموذج مهماً لفهم تهديدات التحالفات الدولية هو أن هذه العملية لا تُنتج فقط تأثيرات على الجمهور المستهدف، بل تُحدث ما يمكن تسميته بـ "تأثير الموجة المرتدة". فالرواية التي تُطلق لتقويض معنويات جيش العدو قد يتم تداولها ضمن شبكات الحلفاء الذين يشاركون نفس المنصات والسرديات، مما قد يزرع الشك في نفوسهم أيضاً. في حرب 2026، وجدت دول عديدة من حلفاء الولايات المتحدة صعوبة في تقييم الوضع الميداني بدقة، إذ كانت تتلقى تقارير استخباراتية تتضارب مع المقاطع المنتشرة على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التضارب، حتى وإن حُلَّ لاحقاً لصالح المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، يُحدث تآكلاً في الثقة لدى صانعي القرار في الحكومات المتحالفة الذين يراقبون الرأي العام المحلي.
الأكثر تعقيداً من ذلك هو استخدام التزييف العميق لاستهداف القادة العسكريين أنفسهم. فمن خلال إنشاء مقاطع فيديو أو رسائل صوتية مزيفة لقادة عسكريين، يمكن للخصوم أن يزرعوا أوامر مضللة، أو يخلقوا حالة من الارتباك حول الخطط العملياتية. في الحرب الأوكرانية، سُجِّلت حالات عديدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في انتحال شخصية القادة العسكريين الروس، وبث أوامر مزيفة لجنودهم عبر رسائل نصية تبدو كأنها صادرة من القيادة العليا. إذا تسرب هذا النوع من العمليات إلى داخل قنوات التواصل بين قيادات الحلفاء، فإن مبدأ الثقة الأساسي الذي تقوم عليه العمليات المشتركة (كالعمليات الجوية المنسقة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة) يصبح مهدداً بشكل مباشر. الحلفاء لن يعودوا واثقين بأن الطرف الآخر هو من يتحدث إليهم بالفعل.
رابعاً: قياس أثر الحرب المعلوماتية على تماسك التحالفات
إن التراكم التدريجي لهذه العوامل، كما أوضح النموذج السابق، لا يؤدي إلى انهيار مفاجئ في العلاقات بين الحلفاء بقدر ما يخلق حالة من التآكل البطيء وغير المرئي لأسس التعاون. فالأثر السلبي للحرب المعلوماتية قد لا يظهر فوراً في شكل تصدعات دبلوماسية علنية، بل في تراجع كفاءة آليات التنسيق، وتزايد فجوات الثقة في تبادل المعلومات الحساسة، وانكفاء كل طرف نحو اعتماد مصادر معلومات "أكثر أماناً" وإن كانت أقل شمولاً.
يمكن تتبّع هذا التأثير في مستويين اثنين على الأقل:
_ أولاً: مستوى صنع القرار: أظهرت الحرب المعلوماتية في 2026 كيف يمكن للمحتوى المضلل أن يصل إلى أرقى مستويات صنع القرار في الغرب. فعلى سبيل المثال، أحد المقاطع المزيفة الأكثر انتشاراً أظهر دبابات إيرانية وهي تخترق القواعد الأمريكية، وذلك قبل أن تُفنِّده جهات التدقيق. هذا النوع من الاندفاع المعلوماتي يضع صانع القرار السياسي والعسكري في مأزق: هل ينتظر التحقق من كل مقطع وجملة، فيضيع وقتاً ثميناً في زمن الحرب؟ أم يتصرف بسرعة بناءً على أكثر رواية سائدة وصولاً، فيخاطر بتبني قرارات مبنية على معلومات زائفة؟ أي من الخيارين يُضعف فعالية التحالف على المدى القصير أو الطويل.
_ثانياً: مستوى الثقة المؤسسية: مع تكاثر التقارير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في انتحال الشخصيات وتزوير البيانات، صارت آليات التحقق التقليدية بين أجهزة المخابرات للجيوش المتحالفة تحت ضغوط غير مسبوقة. ففي بعض الحالات التي جرى توثيقها، ظهرت رسائل نصية مزيفة يُزعم أنها صادرة عن قادة عسكريين رفيعي المستوى، أو تسريبات وثائق مزورة صنعها الذكاء الاصطناعي. حتى وإن لم تصمد هذه الوثائق أمام التحقيق المتعمّق، فإن مجرد وجودها يضرب في مبدأ "الافتراض المسبق للصدق" الذي تسهل به التحالفات عملها. عند هذه النقطة، قد تضطر التحالفات إلى استثمار قدر كبير من وقتها ومواردها في وضع طبقات إضافية من التحقق، مما يبطئ من سرعة اتخاذ القرارات المشتركة ويرفع كلفة العمليات التعاونية.
على نحو أكثر خطورة، فإن الحروب المعلوماتية لا تضرب فقط الثقة بين الحلفاء الحاليين، بل تؤثر على قرارات التحالفات المستقبلية. فالدول التي تتردد في الانضمام إلى حلف عسكري معين قد تجد في سهولة إنتاج الروايات المضللة مبرراً للبقاء خارج التحالف: إذا كان من السهل على خصوم التحالف تشويه صورته وتقويض شعبيته داخلياً، فإن الفوائد الاستراتيجية للانضمام قد لا تعوِّض المخاطر السياسية المحلية من الانكشاف للحملات المعلوماتية. هذا البعد المستقبلي يظهر أيضاً على مستوى التحالفات القائمة نفسها، في صورة مخاوف من "تلوث معلوماتي" لا يمكن السيطرة عليه: ما لم يحظَ تحالف بدرجة عالية جداً من التنسيق الاستخباري وتبادل البيانات، فإن كل طرف قد يجد نفسه مضطراً للاعتماد أكثر فأكثر على معلوماته الذاتية بدلاً من المعلومات المشتركة خشية اختراقها أو تشويهها.
خامساً: استراتيجيتا التحالف في مواجهة الحرب المعلوماتية
في ظل هذا التهديد الآخذ في التوسع، لم تقف التحالفات الدولية مكتوفة الأيدي. بل لجأت إلى استراتيجيات مختلفة، بعضها متمركز على تطوير الأدوات التقنية، وبعضها الآخر موجَّه نحو صياغة أطر تنظيمية وأخلاقية جديدة. وهنا تبرز المفارقة التي تُشكِّل جوهر التحدي الاستراتيجي: قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على اختراق التحالفات هي نفسها التي قد تكون الوسيلة الوحيدة لإنقاذها.
1. استراتيجيات التصدي: آليات متعددة
- على المستوى التقني، طوّرت منظمات بحثية ومؤسسات عسكرية أنظمة متخصصة لكشف المحتوى المُولَّد اصطناعياً، بالاعتماد على تحليل العلامات المائية الرقمية المضمنة في الملفات، ودراسة التناقضات البصرية (كالعلَم الذي يتغير تصميمه أثناء التكبير، والزوايا المستحيلة، والظلال غير المتسقة). في حملة التدقيق خلال حرب 2026، تمكنت فرق التحقق من تحديد عدد كبير من المقاطع المزيفة بناءً على هذه المؤشرات وحدها.
- على المستوى المؤسسي، شرَع حلف الناتو (NATO) في تطوير سياسات واضحة لمواجهة المعلومات المضللة. خلال عام 2025، نظم الحلف سلسلة من الأنشطة التدريبية التي استهدفت نشر الوعي بمخاطر التضليل والتلاعب الخارجي، مع بناء "مجتمع اتصالات استراتيجي شبكي" قادر على كشف وتحليل ومواجهة عمليات التأثير العدائية. كما أدرج الحلف في مناوراته العسكرية، مثل "Cyber Coalition 2025" و"Crossed Swords 2025"، سيناريوهات كاملة للحرب المعرفية، حيث تستخدم الخصوم افتراضياً تقنيات التزييف العميق والتضليل بالذكاء الاصطناعي لتعطيل قدرات صنع القرار لدى قوات الحلف.
- أما على المستوى التنظيمي، شرعت جهات دولية مثل الاتحاد الأوروبي في بناء أطر قانونية للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، محاولةً ترسيخ مبادئ المحاسبة البشرية والشفافية في دورة حياة هذه التقنيات، قبل أن تتحول الانتهاكات إلى أضرار فعلية لا رجعة فيها.
2. المعضلة الأم: كيف نواجه أداة بذاتها؟
ولكن هنا تبرز الإشكالية الأعمق: كل هذه الاستراتيجيات خطوات ضرورية، إلا أنها تتصدى للحرب المعلوماتية من الخارج: بوصفها مشكلة يمكن عزلها. الواقع أن طبيعة الذكاء الاصطناعي التوليدي تجعل الفصل بين المستخدم "المحصن" والمستخدم "المخترَق" أمراً شبه مستحيل. فكما يستطيع خصوم التحالف استخدام هذه الأداة لتوليد مضللات، يستطيع أعضاء التحالف أنفسهم استخدامها لتوليد رواياتهم التضليلية.
وهذه أحد أخطر التبعات على تماسك التحالفات: شرعنة الاستخدام المتزايد للخداع.
في حرب 2026، بينما كثيراً ما اتُهمت إيران بتنظيم حملات منسقة لنشر محتوى مولَّد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قامت الولايات المتحدة باستخدام مواد دعائية تمزج بين لقطات حقيقية ومشاهد من أفلام وألعاب فيديو لتمجيد القوة العسكرية الأمريكية استخدام لم يُقدم على أنه تزييف انتهاكي، بل "وسيلة فعالة لإظهار القوة". وهذا التباعد في المعايير (حيث يوصف استخدام الطرف الخصم للمحتوى المولد بأنه "تضليل إجرامي"، بينما يوصف استخدام نفس الأداة من طرفنا بأنه "دعاية مشروعة") هو الذي يُحدث تآكلاً أخلاقياً واستراتيجياً. إذا أصبح كل عضو في التحالف يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لتجميل صورته وإظهار قدراته بشكل مثالي، فلن تمر سوى فترة قصيرة حتى يفقد جميع الأعضاء القدرة على الوثوق بأي معلومة يتلقونها من شركائهم، حتى وإن كانت صحيحة. عندئذ، تختفي القيمة المضافة الأساسية لأي تحالف عسكري.
خاتمة
عندما كان الفيلسوف الفرنسي جان بودريار يتأمل في تآكل الحدود بين الواقع وتمثيلاته بفعل التقنيات الرقمية، ربما لم يكن يتصور أن تأملاته النظرية ستصبح يوماً وصفاً دقيقاً لساحات القتال الفعلية. اليوم، وبعد حروب أوكرانيا وغزة وإيران، لم نعد في عالم يمكن فيه التمييز بسهولة بين الصورة الحقيقية والصورة المصطنعة. بل تجاوزنا ذلك إلى عالم حيث يُنتج المحتوى المولد ليس لتقليد الواقع، بل ليحل محله ويقدم صورة أكثر إثارة وإقناعاً منه.
هذا التحول يحمل في طياته إشكالية مركزية بالنسبة للتحالفات الدولية، التي تقوم في جوهرها على الثقة المتبادلة في المعلومات. فإذا كانت الحروب المعلوماتية تستهدف إحداث حالة من الشك والارتباك لدى الخصم، فإن هذه الأدوات لا يمكن احتواؤها داخل حدود ساحة العدو. الحلفاء أيضاً يشاركون في نفس البيئة المعلوماتية الملوثة، ويستهلكون نفس منصات التواصل الاجتماعي التي تنتشر فيها المضللات بسرعة. حتى لو لم يصبحوا أهدافاً مباشرة للحملات المعلوماتية، فإن تداول هذه المواد أمام الرأي العام الداخلي لكل دولة عضو في التحالف يُحدث ضغوطاً سياسية، ويشوه صورة العمليات العسكرية المشتركة، ويخلق فجوات في التصور العام بين ما يخطط له القادة وما يراه المواطنون على شاشاتهم.
لقد كشفت التجارب الأخيرة أن هذه التحديات قد فاقت حتى الآن قدرات الحلفاء الجماعية على التصدي لها. فقد ضاقت منصات التدقيق عن مواكبة وتيرة إنتاج وتداول المواد المضللة، فيما ثبت أن الإجراءات التقييدية التي تتبناها شركات التقنية (مثل حرمان الحسابات الناشرة للمضللات من برامج مشاركة الأرباح) مردودها محدود في ظل انتشار أدوات مفتوحة المصدر تنزع عنها العلامات المائية. معهد آلان تورينغ الذي طوّر إطار "الأمن المعرفي" قبل سنوات قليلة مضت، بدا متحفظاً في تقديراته الأولى حول حجم القدرة الجماعية على حماية البنى التحتية المعرفية في حالات الصراع الشامل.
في مواجهة هذا الواقع، لا مفر من التسليم بأن الحرب المعلوماتية بالذكاء الاصطناعي ليست مجرد مشكلة تقنية يمكن حلها بترقية أنظمة الكشف، بل هي تحول وجودي في طريقة إدارة الصراعات الدولية. إذا استمرت التحالفات في مواجهة هذا التحدي بوصفه "أزمة عابرة" أو "جانباً جانبياً" من العمليات العسكرية التقليدية، فإن أسس التعاون التي تقوم عليها هذه التحالفات ستهتز ببطء ولكن بثبات. لكن إذا أدركت التحالفات أن الدفاع عن الأمن المعرفي المشترك لا يقل أهمية عن الدفاع عن الحدود المشتركة، وإذا استثمرت في بناء أنظمة قادرة ليس فقط على كشف المضللات بل على بناء مناعة مجتمعية ضدها عندها فقط قد تخرج هذه التحالفات من العصر الرقمي أكثر تماسكاً مما دخلته.
أما البديل، فهو عالم حيث لم تعد الثقة بين الشركاء الاستراتيجيين قائمة على ما يرونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم، بل على إيمانهم العمياء بالصورة التي يولدها الذكاء الاصطناعي لهم وهذا، بكل المقاييس، ليس تحالفاً عسكرياً بقدر ما هو مجرد محاكاة أخرى لواقع اختفى أصلاً تحت وطأة ضباب صناعي لا يزول.
المراجع
_ الزهراء، فاطمة، 2/4/2026، "الواقعية المفرطة: مخاطر التضليل المعلوماتي للذكاء الاصطناعي في الحروب،" مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
_ خليفة، إيهاب، 2025، الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
